الدرس في كتاب الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المريض الذي لا يرجى برؤه والشيخ الكبير لا يجب عليهما الصوم، وتجب عليهما الفدية. اختلف العلماء في مقدار الفدية.
يجب إخراج زكاة الفطر طعاما، والصاع هو مقياسها. إخراجها طعاما جاهزا أفضل، ووجوب صوم رمضان يكون برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما.
اختلف العلماء في شروط رؤية الهلال، فالجمهور يرى أن شهادة العدل الواحد تكفي لبداية رمضان بينما يشترطون عدلين لنهايته.
ذكر رأي أبي ثور في رؤية الهلال ووصفه بأنه قول مرجوح ولكنه مقبول، مما يدل على تعدد الآراء الفقهية في هذا الشأن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة السلامة والسلامة ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما المريض الذي لا يرجى برؤه والشيخ الكبير، فإنه لا صوم عليهما، بل تجب الفدية عند أبي حنيفة، وهو الأصح من مذهب الشافعي. قال أبو حنيفة: يطعم عن كل يوم نصف صاع من بر أو تمر. وقال الشافعي: عن كل يوم مد. وقال مالك: لا صوم ولا فدية، وهو قول للشافعي في القديم. وقال أحمد: يطعم نصف صاع من تمر أو من شعير أو مد من بر. هذه المسألة مسألة المريض الذي لا يرجى برؤه والشيخ الكبير أيضا الذي لا يستطيع الصيام، فجاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه أدخل المريض الذي لا يرجى برؤه والشيخ الكبير في الآية وهي قوله جل وعلا: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. وقرأها ابن عباس: "وعلى الذين يطوقونه" أن يشق عليه. فالمريض كما تقدم معنا الذي يرجى شفاؤه، هناك أمراض معروفة في العادة أنها تذهب ويأتي الشفاء بإذن الله عز وجل، وأمراض عادة أنها لا تذهب إلا بموت الشخص، ولكن قد تذهب أحيانا، لكن غالبا معروف بين الناس أنها لا تذهب، مثل السكر أو السرطان، كذلك الفشل وغيرها من هذه الأمراض المستعصية أو الأمراض التي غالبا لا يبرأ الإنسان منها. فهذا المرض الذي معنا من كان مريضا لا يشفى برؤه ولا يرجى برؤه، فهذا له أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، بخلاف المريض الذي يرجى برؤه، فإنه يفطر لكنه يقضي، كما قال الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. أما هذا فإنه لا يقضي لأنه لا يستطيع القضاء أصلا، فلهذا جعلت عليه الفدية. وأما قول مالك: لا صوم ولا فدية، فالصحيح أنه ما ذكره هنا مذهب الشافعي أنه يصوم ويطعم، وهو أيضا مذهب أحمد، لكن اختلفوا في الكفارة والفدية. وكذلك الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام أو يستطيع بمشقة، أو أيام يستطيع وأيام لا يستطيع، فمثل هذا إذا أفطر جاز له أن يفطر وعليه الفدية لأنه لا يستطيع القضاء. فإذا كان مثلا بعض الكبار يصابون في فترة من فترات مرض، فتجده كبيرا ويستطيع أن يصوم، لكن يصاب بمرض في فترة من الفترات، ويأتي عليه شهر رمضان وهو بهذا المرض، فهنا لا يقال أنه يدخل في الشيخ الكبير الذي لا يستطيع، وإنما هو الذي أنهكه المرض، وهذا المرض قد يذهب. فإذا كان المرض مما يرجى شفاؤه، فمثل هذا لا يستعجل في الفدية، وإنما يفطر وعليه القضاء، إن لم يستطع القضاء بعد ذلك فإنه يطعم عنه. وإذا كان لا يستطيع القضاء فإنه يطعم عنه، وإلا إذا كان يستطيع أصلا وإنما أصابه الوهن من المرض وعدم الاستطاعة من المرض، فهنا العلة أنه عليه القضاء. وأما إن كان لا يستطيع أصلا، فهذا عليه الفدية. وكما قلنا حصل الخلاف بين العلماء في الفدية. وأكثر السلف وما جاء عن أكثر السلف من التابعين وكذلك من الصحابة أنه كل يوم مد، كما قال الشافعي. أكثر السلف جاء عنه أنه كل يوم مد. وأحمد رحمه الله يفرق بين البر وبين غيره، فجعل مدا من البر ونصف صاع من التمر. معنى الصاع كما هو معروف عند أكثر العلماء ثلاثة كيلو، وبالتحقيق كما ذكر الشيخ المعتمين رحمه الله أنه يقدر بكيلوين وأربعين جراما. هذا تقدير فقط، ولهذا لو أنزل الإنسان معنى لو جعله كيلوين ونصف أو ثلاثة كيلو على الاحتياط حتى يكون أقرب إلى القول بنصف الصاع، أنه يجعلها ثلاثة كيلو مثلا. فيخرج عن كل يوم كيلو إلا ربع، سواء كان من بر أو من رز أو غيره. وإذا كان مثلا سيجعله ناء معنى طازجا، أن وجبة طازجا يعطيها للعائل، فهذا أفضل. وقد كان أنس رضي الله عنه يفعل ذلك، كان إذا انتهى من الصيام جمع ثلاثين مسكينا وأطعمهم. ولا بأس أنه يجعلها في أقل من الثلاثين، لكن بقدر الثلاثين مثلا، إذا كان لم يصم الشهر كله فيبقى عليه. إذا كان قلنا كيلو اللأرز مثلا، يخرج عشرون صاعا، أي يخرج عشرون كيلو من البر أو من الأرز. فيخرجه ولو أعطاه واحدا يكفي. وإن جعله كما قلنا طعاما يطعم به طعاما جاهزا فهو أفضل. وإذا كان طعاما يعتبر وجبة واحدة مثلا، وجبة إفطار إذا كان في رمضان أو وجبة سحور، أو إذا كان مثلا في غير رمضان يكون مثلا إفطار أو غداء أو عشاء، يعطيه لشخص واحد مثلا إذا كان شخص واحد يحتاج أن يكرر عليه. وإذا كان عدة أشخاص أيضا يكرر عليهم حتى يكون قدر الثلاثين مثلا، إذا كان في بيت عشرة فيعطيهم مثلا إذا كان يرى أن هؤلاء أحوج، يعطيهم في أول يوم وجبة وفي ثاني يوم مثلا وجبة، أو يجعلها ثلاث وجبات في اليوم، فكل ذلك جائز. قال: ثم ذكر هنا مسائل الرؤية، نذكرها سريعة إن شاء الله. قال: واتفقوا على أن صوم رمضان يجب برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يوما، واختلف فيما إذا حال غيم بعد كمال الثلاثين من شعبان. أولا اتفقوا على أن صوم رمضان يجب بأمرين: إما برؤية الهلال أو بكمال شعبان ثلاثين يوما. وهناك قول عند السلف أو بعض السلف، وبعضهم أنكره القول بالحساب، نسب ذلك إلى مطرف بن عبد الله بن الشخير. وبعضهم ينكر هذا، ولكن قال به بعض الفقهاء كمن سريج، وهو من فقهاء شافعية ويلقب بالشافعي الثاني، نسب إليه هذا القول. أو قال به، أقصد قال أيضا اعتماد الرؤية أن فوق الإكمال، فوق الرؤية أيضا اعتماد، أقصد الحساب حساب الفلك. وألف بعض المعاصرين كالشيخ أحمد شاكر رحمة الله عليه وغيره على تعييد هذا القول. والصحيح أن هذا القول غير صحيح، بل هو باطل. وقد كان الإمام أحمد ينكر هذا القول، والشرع لم يأت إلا برؤية الهلال أو لإكمال العدة. ثم جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة وفي حديث عبد الله بن عمر وفي غيرهما مرفوعا: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». قال: واختلف فيما إذا حال غيم بعد كمال الثلاثين من شعبان، أنا حال غيم أو قتر، قتر هو الغبار حال دون الرؤية، أنا ما استطاع وأن يروا لسأل بسبب غيم أو غبار أو سحب أو غيره، معنى غبرة كما نقول. فذهب جمهور العلماء فقالوا: لا يجب الصوم. وقال أحمد: الوجوب في رواية عن الاستحباب، ويتعين عليه أن ينويه من رمضان حكما. معنى أنه إذا جاء الغيم ولم ترى الرؤية، فيعتبر ثلاثين شعبان عند أحمد أنه يعتبر من رمضان يصوم. وعند الجمهور قالوا: لا يصام. والصحيح هو قولهم: أنه لا يصام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». والغم هنا هو المراد به عدم الرؤية. وأيضا أقصد قال: «فقدروا له» في رواية أخرى في الصحيحين «فإن غم عليكم فقدروا له». والمراد «فقدروا له» أي قدروه بالحساب، وليس المراد به التضييق عليه كما فسرها الإمام أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه. فالتقدير جاء في لغة العرب وجاء في القرآن وجاء في السنة أيضا بمعنى التضييق، لكن هنا المراد به الحساب لأن التقدير الأصل هو الحساب. فلهذا ما دام أنه الحساب فيحمل على الأحاديث أيضا الروايات الأخرى التي جاءت «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». فالصحيح هو قول جمهور العلماء: أن إذا حصلت غيم في الرؤية فإنهم يصومون ثلاثين أي يكملون عدة شعبان. قال: وتثبت الرؤية في الصوم بشهادة جمع عند أبي حنيفة، وفي الغيم بعدل واحد رجلا كان أو امرأة كالرجال أو عبدا. وقال مالك: العبد والمرأة لا يقبلان. وعن الشافعي وأحمد يقبل عدل واحد، ولا يقبل فيه لشهر شوال واحد بالاتفاق. قال أبو ثور: يقبل. طيب هنا هذه المسألة مسألة الشهادة على الرؤية، فذكر أقوال العلماء. أن أبا حنيفة يرى أنه إذا كان صحوا لا تقبل إلا رؤية جماعة، وإذا كان غيما تقبل رؤية الواحد. لماذا؟ لأن في الصحو لا يمكن أن يراه الواحد ولا يرونه الناس، هذا في الصحو، لكن في الغيم ممكن يحصل هذا في الغيم أحيانا. الغيم يكون مثلا في مكان فيكشف عن مكان معين قد يراه الشخص في وقت الكشف يرى أن الهلال قد طلع. وهذا يشترط فيه كما قال العلماء أن يكون سليم البصر، أن يكون سليم البصر لأن بعض الناس تجد بصره فيه شيء فيقول رأيت وهو لم ير أو أحيانا شعر بثلة في عينيه فيظن أنه هلال وهي شعر في عينيه. فلهذا لابد أن يكون سليم البصر وأيضا لا يتهم ببصره. فلهذا إذا رآه هذا العدل في غيم أو في صحو، الظاهر من كلام العلماء خاصة مالك والشافعي وأحمد، سواء كان في غيم أو في صحو، فيقبل قوله ويؤخذ شهادته. لأنه قد جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي أن ابن عمر قال: «رأى الناس الهلال فرأيته فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام». فدل على جواز الأخذ برؤية الواحد العدل، سواء كان الرجل أو امرأة. فمن رآه وهو عدل معروف بعدالته فإنه يؤخذ منه هذا القول. وأما هلال شوال، فيكون قول الجمهور على أنه لابد من عدلين، لحديث عبد الرحمن بن أبي حاطب وهو أمير مكة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتم الهلال فأشهدوا ذوي عدل وصوموا وأفطروا». فجعل شهادة ذوي العدل الاثنين فأكثر هي المعتبرة. وأما الصيام فقد قيد بحديث عبد الله بن عمر بالعدل. وأما هذا لم يأت ما يدل على جواز أخذ شهادة العدل الواحد، فيبقى على الاثنين. وأما قول أبي ثور فهو قول مرجوح على أنه يقبل.