الخطبة بعنوان الحث على الأعمال الصالحة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 24 ذو القعدة 1443هـ الموافق 24 يونيو 2022م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الخطيب فضيلة العشر الأول من ذي الحجة بوصفها خير أيام الدنيا مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً مزية يوم عرفة ويوم النحر. يؤكد أن الجد في الأعمال الصالحة خلال هذه الأيام سبب لنيل محبة الله والفوز بالجنة والحياة الطيبة.
يبيّن المقطع أن الأعمال الصالحة ترفع الدرجات في الجنة وتجلب السعة في الرزق والأمن في الدنيا، محذراً من ندامة المفرطين عند الموت وفي النار. يختم بالتأكيد على أن المبادرة بالطاعات قبل فوات الأوان هي طريق الفلاح والنجاة.
يسوق الخطيب أدلة على نجاة أهل الصالحات من كرب الدنيا والقبر والقيامة كقصة نوح وحديث أصحاب الصخرة والسبعة تحت ظل الله. يختم المحور بالتذكير بأحكام العشر الأوائل ومنها الإمساك عن الشعر والأظافر لمن أراد الأضحية.
يختتم المتحدث خطبته بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين، ثم يختم بالحمد لله رب العالمين داعياً بالقبول والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين بعمل الصالحات، وجعل لهم أوقاتًا وأزمنة تتضاعف فيها الأجور والحسنات. وإننا عباد الله في هذه الأيام المقبلة قادمون على أيام فاضلة هي خير أيام الدنيا وأفضل أيام الدنيا، إنها العشر الأولى من ذي الحجة، الذي قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني العشر الأولى من ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». فإننا عباد الله على حسب خروج الشهر، إما أن تكون هذه الأيام قد دخلت في يوم الخميس القادم، أو في يوم الجمعة، فعلينا معاشر المسلمين أن نجد ونجتهد، وأن نهيئ أنفسنا لأن تزيد أعمالنا الصالحة، وأن نتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما ينفعنا في الدار الآخرة. أيها المسلمون، عباد الله، إن تلك الأيام أيام عظيمة، ومن عظمتها فإن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في كتابه، فقال عز وجل: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. فقد جاء عن ابن عباس وعن غيره من المفسرين أن هذه الليالي العشر هي الأيام الأولى من ذي الحجة. تلك الأيام التي فيها من الأيام الفاضلة العظيمة كيوم عرفة، الذي ما من يوم يعتق الله فيه عبدًا من النار مثل هذا اليوم، يوم عرفة. ذلك اليوم الذي يباهي الله سبحانه وتعالى فيه الملائكة، يباهي بأهل الموقف فيه الملائكة. ذلك اليوم العظيم الذي فيه الدعاء مستجاب. وهكذا فيه يوم النحر، يوم الحج الأكبر، الذي هو من أفضل الأيام كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها المسلمون، عباد الله، إن فضائل هذه العشر لا تخفى علينا جميعًا، وإنما هو من باب التذكير، ومن باب كذلك المذاكرة، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فإن الذكرى تنفع المؤمنين. أيها المؤمنون، عباد الله، الأعمال الصالحة، وما أدراك ما الأعمال الصالحة؟ إنها سعادتنا في الدنيا والآخرة. الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة فيها الحياة الطيبة في الدنيا، وفيها الفوز بالآخرة يوم القيامة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. إن أعظم فوز وإن أكبر فوز يوم أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ولا يكون ذلك عباد الله إلا بالجد والاجتهاد في الأعمال الصالحة. الأعمال الصالحة عباد الله سبب لمحبة الله عز وجل لنا، وإذا أحبنا الله فهو معنا، ينصرنا ويؤيدنا ويكون معنا في كل ما نطلب ونسأل. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، أي محبة ومودة في قلوب عباده. فمن علامة محبة الله عز وجل للعبد أن يحبه العباد. ولذلك جاء في صحيحي الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، ثم يوضع له القبول في الأرض». وهكذا عباد الله، الأعمال الصالحة سبب لرضوان الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. رضي الله عنهم ورضوا عنه، وما ذاك إلا بإيمانهم وأعمالهم الصالحة. وهكذا عباد الله، الأعمال الصالحة سبب لنيل أعلى الدرجات والمنازل العاليات في الجنات. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾. فدرجات أهل الجنة في الجنة على حسب أعمالهم الصالحة، فيتفاضلون في هذه الدرجات بحسب تلك الأعمال الصالحة. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف، أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق في المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، لتفاضل ما بينهم». فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أولئك الأنبياء، أولئك تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بلى، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين». أنظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لتفاضل ما بينهم». بماذا تفاضلوا يا عباد الله؟ هل تفاضلوا بكثرة الأموال، أو بكثرة البنين، أو بكثرة الدور والقصور، أو بكثرة الأرصدة في البنوك؟ ما تفاضلوا يا عباد الله إلا بالأعمال الصالحة. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمُ الَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، وإن الأعمال الصالحة سبب أيضًا، يا من يشتكي من قلة ذات اليد ومن كذلك الضيق في المعيشة، فإن الأعمال الصالحة من أعظم أسباب السعة في الرزق. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا عمل الكافر الحسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته». انظروا يا عباد الله إلى عظم وفضل الأعمال الصالحة، فكلما أكثر العبد من هذه الأعمال الصالحة وسعى، سخر الله عز وجل له في رزقه، ورزقه من حيث لا يحتسب. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن كنا نريد إصلاح أحوالنا فعلينا أن نعمر هذه المعمورة بالأعمال الصالحة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾. فصلاح الحال وصلاح البال، صلاح الذرية، صلاح الأرزاق، صلاح الأولاد، صلاح الحكومات والدول لا يكون يا عباد الله إلا بالإيمان بالله والأعمال الصالحة. فلا تمكين لهذه الأمة ولا أمن لها إلا بالأعمال الصالحة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. فاشترط في أول الآية الإيمان والعمل الصالح، وعد من الله عز وجل الذي لا يخلف الميعاد. الأعمال الصالحة فضائلها كثيرة في الدنيا والآخرة. تريد الأجر العظيم، الأجر الحسن، الأجر الذي لا ينقطع بل يدوم ويستمر، فعليك بالأعمال الصالحة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. وفي سورة الكهف: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في سورة التين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي غير منقطع. فيا لها من فضائل عظيمة! كيف نضيعها وكيف نتساهل في أمرها؟ أيها المسلمون، عباد الله، إنا المضيعين والمفرطين يندمون ويتمنون هذه الأعمال الصالحة في أحلك المواقف وفي أصعب المنازل. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حاكيًا عن هؤلاء المضيعين والمفرطين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. تمنى أن يعود إلى هذه الدنيا لا ليجمع الأموال، ولا ليبني الدور والقصور، ولا ليكثر الأرصدة في البنوك والمصارف، وإنما يتمنى أن يعمل صالحًا. وهكذا هؤلاء المفرطون والمضيعون عندما يلقون في نار جهنم يتمنون الخروج من هذه النار والرجوع إلى هذه الدنيا، لماذا؟ ليعملوا صالحًا، ليعملوا صالحًا. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. نحن يا عباد الله في مكان الإمكان، وفي الحياة الدنيا دار العمل ودار الحرف، ألا فلنبادر قبل أن نندم ونقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. أيها المؤمنون، عباد الله، الأعمال الصالحة نجاة في الدنيا والآخرة، نجاة في الدنيا من المهالك ومن العقوبات. نوح عليه السلام لما أمره الله بأمره وأمره بصنع السفينة، فركب معه المؤمنون الذين يعملون الصالحات، فتمنى نوح عليه السلام أن يكون ولده وفلذة كبده من هؤلاء الناجين، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾. ماذا أجابه الله سبحانه وتعالى؟ قال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، عمل عملًا غير صالح. وكما جاء في القراءة الأخرى: ﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾. فالأعمال الصالحة هي التي تنجي العباد. ولذلك شرع لنا في التوسل أن نتوسل بتلك الأعمال الصالحة لعظيم منزلتها ولأثرها في رفع الكربات والشدائد والمصائب والمحن. ولا يخفى عليكم حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فعلموا أنه لا منجي لهم من ذلك إلا الله، فتوسل كل واحد منهم بعمله الصالح. الأعمال الصالحة، الأعمال الصالحة سبب لزوال الهموم والغموم والكربات والمحن والشدائد في الدنيا والآخرة، في القبر. يا عباد الله، في تلك الحياة البرزخية يأتيك هذا العمل الصالح يؤنسك في قبرك، كما جاء في حديث البراء عند أحمد: يأتي هذا العمل الصالح المؤمن في صورة رجل حسن الهيئة، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول هذا المؤمن: يا رب، من أنت؟ أو يقول لهذا الرجل: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، أنا عملك الصالح. انظروا يا عباد الله إلى عظم تلك الأعمال الصالحة. يوم القيامة، يوم تدن الشمس من العباد قدر ميل أو ميلين، فيبلغ الناس في العرق على ماذا؟ على قدر أعمالهم، على تفاوت أعمالهم الصالحة. فمنهم من يبلغ العرق إلى حقويه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى ساقيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا. بينما هؤلاء في هذا الموقف العصيب، فهناك من المؤمنين العاملين للصالحات تحت ظل عرش الرحمن سبحانه وتعالى، سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. هؤلاء السبعة لو نظرت إلى أعمالهم لرأيتها من أجل وأعظم الأعمال الصالحة: إمام عادل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل أو رجلان تحابا في الله اجتمع عليه وتفرق عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. أعمال عظيمة وجليلة، فبها وبسببها نجاهم الله عز وجل من هذه الكربة. وهكذا المرور على الصراط إنما يكون يا عباد الله بقدر العمل الصالح الذي كان يسير عليه المؤمن في هذه الدنيا، فيتفاوت المؤمنون في تجاوز هذا الصراط بحسب أعمالهم. فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كطيف الريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر يمشي، ومنهم من يمر يحبو، ومنهم من يزحف، ومنهم من يزحف. نعم، هؤلاء الذين يمرون على الصراط من المؤمنين، وهي القنطرة التي هي قبل الجنة، فلا يدخل الجنة أحد إلا بعد المرور على هذا الصراط. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. إذن ما معيار مرورهم على الصراط؟ إنها الأعمال الصالحة. فيا عباد الله، الحرص الحرص على الأعمال الصالحة، فالدنيا ساعة، والدنيا زائلة، ولا ينفع العبد بهذه الحياة الدنيا ولا في آخرته إلا الأعمال الصالحة. ولا تأخذ من هذه الدنيا مالًا ولا ولدًا ولا بيتًا ولا ذهبًا ولا فضة، وإنما يدخل معك القبر عملك الصالح. يتبع الميت ثلاث، قال عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله». فالله الله عباد الله في الأعمال الصالحة. ومما يحسن أن يذكر به في هذا المقام وفي هذه الأيام ما جاء في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي». فعلى ولي الأمر إذا عنده قدرة، إذا عنده استطاعة على الأضحية أن يمسك في أيام العشر، فيستعد من هذه الأيام. إن أحب أن يأخذ شيئًا من شعره أو من أظفاره أو من نتفي إبطه أو من حلق عانته أو نحو ذلك، يكون في هذه الأيام قبل دخول العشر. وكما سمعتم فإن العشر ستدخل بإذن الله على حسب الرؤية إما في يوم الخميس وإما في يوم الجمعة القادمة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل خير. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم وفقنا إلى عمل صالح قبل الممات. اللهم وفقنا إلى عمل صالح قبل الممات. اللهم وفقنا إلى عمل صالح قبل الممات. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.