الدرس في كتاب الطب 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حكم التداوي والعلاج في الإسلام، حيث يجوز التداوي ولكن الصبر على المرض أفضل لمن يستطيع ذلك. هناك استثناءات تجعل العلاج واجبًا في حالات معينة مثل خطر الموت.
يتناول حكم التداوي بالمحرمات مثل الأدوية النجسة أو المحرمة، حيث نهى النبي عن ذلك. كما يتناول حكم الاكتواء ويبين أنه يكره لما فيه من تعذيب بالنار، لكنه جائز في حالات الضرورة العلاجية.
حث النبي على الحجامة والرقية كوسائل للعلاج، وأجاز الرقية ما لم تكن مشتملة على شرك. كما أجاز العلماء أن يكون أثر العائن بأي شيء، ليس فقط بالماء، بل بأي أثر من آثار هذا العائن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام الشوكاني رحمه الله: كتاب الطب، والطب الغالب فيه بكسر الطاء، وقيل: إنه ثلاثي: طب وطب وطب، لكن المشهور هو كسر الطاء، من تطبب ولم يعلم منه طب. قال رحمه الله: جوز التداوي، والتفويض أفضل لمن يقدر على الصبر، ويحرم بالمحرمات، ويكره الاكتواء، ولا بأس بالحجامة والرقية، ما يجوز من العين وغيرها. قال رحمه الله: فهنا يقول: يجوز التداوي، أنا لم يقل: إنه واجب أو مستحب، وإنما قال: يجوز؛ لأنه لا دليل دلت على ذلك على الجواز وعدم وعدمه أيضا، أنه يجوز التداوي ويجوز عدمه، ممكن أن الإنسان يترك التداوي، بل يرى كثير من أهل العلم أنه الأفضل إذا كان الإنسان يستطيع الصبر على المرض. فقد جاءت الأدلة بالجواز، من ذلك ما أخرجه الإمام مسلم: الحديث: جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بريء بإذن الله». حديث أبي هريرة: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء». وأيضا حديث سلمة بن شريك أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال: «تداووا عباد الله، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء إلا داء واحد». قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: «الهرم». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهم بإسناد صحيح، قد ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند. فهذه الأدلة كلها تدل على جواز التداوي، وأن الله عز وجل ما أنزل داء إلا جعل له دواء، فيجوز للإنسان أن يتداوى، سواء كان التداوي هذا بالطب العربي أو بغيره مما أباحه الله، لا يكون من المحرمات كما سيأتي. وكما قلنا: إن كثيرا من أهل العلم قالوا: الأفضل الصبر، الأفضل الصبر على المرض، واستدلوا بما جاء في حديث ابن عباس: «الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب»، فقال: «الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». لا يسترقون، أي: لا يطلبون الرقية. ما دام أنهم لا يطلبون الرقية، فمن باب أولى أيضا لا يطلبون العلاج. ولهذا كان كثير من السلف لا يذهب يعالج نفسه. قالوا لأبي بكر: نذهب بك إلى الطبيب؟ قال: قد رآني الطبيب. قالوا: وما قال لك؟ قال: «إنه فعال لما يريد». أي: يقول: معنى قد رآني الطبيب، أي: يريد النبي عليه الصلاة والسلام، أقصد: الله عز وجل، فقال له: ماذا قال لك؟ قال: «إنه فعال لما يريد»، الذي يريده سبحانه وتعالى هو الذي يقدره. وأيضا استدل العلماء أيضا بأن الترك أفضل بحديث ابن عباس أيضا في المرأة السوداء التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: إني أصرع وأتكشف، فادع الله لي. فقال: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك». فقالت: أصبر. على أن لي الصبر ولك الجنة. قالت: بل أصبر، لكن ادع الله أن لا أتكشف. هذه المرأة... معنى قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن صبرت على هذا الصرع فلك الجنة». فقالت: أصبر. ما دام أنه لها الجنة أصبر. ودلت الأحاديث المتكاثرة على الصبر على المرض والمصائب وغيرها، وأن الصبر له أجر عظيم، أن الصبر له أجر عند الله عز وجل عظيم. فلهذا فالصبر هو الأفضل، لكن في بعض الحالات يكون العلاج قد يكون واجبا، قد يكون واجبا كما قال بعض أهل العلم، خاصة إذا كان هذا المرض لا يذهب إلا بشيء من العملية أو من غيره، وهو قد عرف في الواقع أنه سيقتل، هذا سيموت بسبب مثل: نزيف الدم، أن الرجل ينزف دما، فلابد أن يحتاج إلى من يعالجه حتى يوقف هذا النزيف. فإذا تركه كذلك فهو يعرض نفسه للموت. وبعض أهل العلم قال: حتى مثل هذا يدخل. لكن كثير من أهل العلم، ذكر الشيخ ابن باز وغيره: أن مثل هذه الأشياء التي يتحقق فيها الموت، فالواجب على الإنسان أن يعالج فيها إذا كان لا يذهب إلا بالعلاج. أما مثلا الأمراض التي يكون فيها أجر إن عولج ذهبت، وإن لم يعالج لم تذهب، وهذا إذا كان مثلا سيذهب إلى من يعالجه. أما إذا كان مثلا سيأخذ له دواء معروفا أو رقية يرقي نفسه أو غير ذلك من هذه الأدوية، فلا بأس. معنى لا يدخل في هذا الباب، وهو داخل في الصبر. وإنما المراد هنا أن يذهب إلى الطبيب أو يذهب يسأل من يعالجه؛ لأن هذا السؤال يدل على احتياج العبد لغير الله. وأهل التوكل، غالبا معنى الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، هؤلاء الذين لا يحتاجون للناس، وإنما حاجتهم إلى الله عز وجل. فمن هذا الباب كان هذا، وليس أنه محرما كما يظنه بعض الناس، بعضهم يظن أن الرقية مثلا محرمة، فتجد كثيرا من الناس ويتحرج أنه يرقي، وهو تجده يسأل الناس كثيرا في عدة أشياء، حتى أحيانا بعضهم يسأل الناس في الأموال. فإذا جاءه مثلا المرض تحرج، يقول: أريد أن أكون من السبعين. هذا ليس كذلك، السبعين الذين لا يحتاجون للناس في أي شيء كان، ليس المراد فقط في الرقية، أن المراد ليس أنهم لا يحتاجون للناس في السؤال والطلب. أما إذا كان مثلا أمور الدين، أمور الإعارة، أمور كذا، فهذا جائز؛ لأن هذا من الأمور المتعاون فيها بين الناس، ولا يدل على احتياج الإنسان لغير الله مثل هذه الأشياء. ثم ذكر رحمه الله أنه قال: ويحرم بالمحرمات، أي: التداوي بالمحرمات لا يجوز. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل دواء أمتي فيما حرم عليها». وأيضا جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدواء الخبيث. وهذا الحديث حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي. هنا الإمام الشوكاني قال: أخرجه مسلم، وهو خطأ، لم يخرج هذا الحديث مسلم. وأيضا في حديث أبي الدرداء: «تداووا ولا تتداووا بحرام». وجاء في البخاري كما ذكرنا: «أن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». وأيضا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي بالخمر. وكل ذلك يدل على عدم جواز التداوي بالمحرمات. وهذا يدل على أن الأمر للعموم، أي: محرم لا يجوز أن يتداوى به. يعني إذا كان على صفة الحرام، مثلا إذا كان مأكولا لا يجوز أكله، مثلا مثل لحم الخنزير أو دهنه، فهذا لا يجوز أن يشرب أو يأكل، فلهذا فهو حرام التداوي به، لا يجوز أن يتداوى به. وأي شيء محرم لا يجوز أن يتداوى به إذا استعمل على جهة الحرام. إذا استعمل على جهة الحرام فيدخل في ذلك كما قال الشيخان: الأدوية النجسة والمحرم. أنا إذا عرف أنهم يفعلون الأدوية من النجاسات، فلا يجوز أن يتداوى بها. أو أدوية فيها كحول محرم، فهذا أيضا لا يجوز أن يتداوى به، مثل كثير من أدوية الصدر وغيرها، تجد فيها كحولا لأجل تهدئة الشخص، لأجل أن ينام، فيفعلون فيها شيئا من هذه الكحول، وغالبا هذه الكحول هي من الكحول التي تحرم. فإذا كان مثلا إنسان عرف أن هذه الأدوية فيها شيء من هذا، لا يجوز أن يستعملها. طيب قال: ويكره الاكتواء. أو هنا قبل ذلك الحجامة ولا بأس بها. ويكره الاكتواء، قبل هذا الاكتواء يكره، لكنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه علاج، كما عند البخاري: أن ابن عباس قال: «الشفاء في ثلاثة: بشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار». وأنهى أمته عن الكي. وفي حديث عمران بن حصين: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا. لكن بعض أهل العلم يعله كما ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه مرسل. فالكي كما يقول معنى الناس: آخر العلاج، الكي آخر العلاج. معنى إذا كان ما وجد علاجا إلا الكي، فإنه يكون. وهذا النهي الذي عن الكي جاء النهي عن الكي إنما من باب الكراهة، وإلا فقد كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في أكحله. ووجه الكراهة أن فيه تعديا بالنار، ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا ربه النار. لكن أجيز لأجل أنه علاج قد استخدمه العرب كثيرا. ويقال أن عمران بن حصين كانت الملائكة تصافحه في الطرقات حتى اكتوى. وأما الحجامة، فقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على الحجامة، كما في الصحيحين: أنه قال: «إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي الحجامة». وفي حديث جابر: «داء إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء». وما أحب أن أكتوي. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يحتجم، كان يحتجم في الأخدعين والكاهل. وكان أيضا يحتجم لما سقط من فرسه عليه الصلاة والسلام في قدمه. فكان أكثر ما يستخدم النبي صلى الله عليه وسلم العلاج بالحجامة. وجاء في حديث أخرجه الإمام البزار وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي إلى السماء، فكان كلما لقيني ملك قال: يا محمد، عليك بالحجامة». فالحجامة خير ما يتداوى به، أو خير ما يتداوى به الناس. إن كان في شيء خير في أدويتكم ففي الحجامة. وأما الرقية أيضا هي من العلاج، يجوز أيضا أن يرقي الشخص، خاصة أن يرقي نفسه أو أن يرقي غيره. وأما الطلب فهو مثل ما تقدم، إذا طلب الرقية مثل ما تقدم يجوز، لكن الأفضل تركه. لكن إذا أراد أن يرقي نفسه فلا بأس بذلك. وأما الزيادة التي جاءت في البخاري في حديث السبعين أنهم قالوا: «لا يرقون ولا يسترقون»، فهذه: «لا يرقون» زيادة شاذة لم تصح. وإنما الذي صح: «لا يسترقون»، أي: لا يطلبون الرقية. وأما إذا أراد الإنسان أن يرقي نفسه أو رقاه من كان بجانبه، هذا لا بأس بذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه. وكانت عائشة ترقيه وتمسح عليه بيده لأنها أبرك. وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمى، كما جاء عند مسلم حديث أنس. وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للناس أن يرقوا، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. وجاء عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. فقال: «أروني إياها». قال: «ما أرى بأسا، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». فالرقى المنهي عنها هي التي تكون بألفاظ الشرك. فالرقية التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي الرقية التي تكون فيها ألفاظ الشرك، أو بغير اللغة العربية، إذا كان يعرف اللغة العربية يرقي باللغة العربية، أما يأتي بأسماء وكلمات لا تعرف، فهذا غالبا طلاسم أو استغاثات بالجن. وأما الرقية التي يرقي بها نفسه، كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يرقي نفسه. فإذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، كما جاء في حديث عشر الصحيحين. وأما مسألة الرقية من العين، فهذا أيضا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالرقية من العين، وأمر أسماء بنت عميس أن ترقي أبناء جعفر، كما جاء في صحيح مسلم: «أفأسترقي لهم؟ قال: نعم». «فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة أو جارية عند أم سلمة، بها سفعة. بها سفعة، السفعة هذا أثر العين، سواد في الوجه أو حمرة في الوجه، غالبا يكون أثر العين. والظاهر أنه ليس أثر الجن معنى أنهم دخلوا فيه، وإنما حصل أنهم معنى ضربوه أو كذا. أحيانا بعض الناس عنده جن، لكنه ليس داخل فيه، لكنه يسيطرون عليه من الخارج. أحيانا يضربونه هنا، كان عندنا يسمونه سواديا هكذا، سواد هذا سوادي، يصرع أحيانا يصرع قليلا ويذهب. فهذا تسلط الجن من الخارج. فالنبي صلى الله عليه وسلم وجد هذه المرأة عند أم سلمة جارية وبها السفعة، فقال لأم سلمة: «استرقوا لها، فإن بها النظرة». هذه نظرة الجن، نظرة الجن كما قال البغوي وغيره. «فإن بها النظرة»، أي: نظرة الجن. فلا بأس أن يسترقى لها. وكذلك أيضا أن يأخذ أثرا من أثر العائن أيضا، كما جاء في حديث سهل بن حنيف كما عانه عامر بن ربيعة، فأخذ من وضوئه وصبه خلف سهل بن حنيف، فقام ونشط من عقال كأنه ليس به شيء. هو قد سقط، ومعنى أصابه الإغماء أو غشي عليه. لكن لما وضعوا فيه الماء قام. أجاز العلماء أن يكون بأي أثر، ليس فقط بالماء، بأي أثر من آثار هذا العائن.