الدرس في شرح كتاب التوحيد 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح حديث عبادة بن الصامت وأهمية الشهادة في الإسلام. يُبين أن الشهادة تقوم على النطق والاعتقاد والإخبار.
يشرح أهمية نطق الشهادة بلفظ الإفراد وأساسياتها، ويبين شروط قبولها وعدم نفعه مع النيابة أو بدون الشروط.
يؤكد على أهمية فهم معنى "لا إله إلا الله" وعدم الاكتفاء بترديدها أو استبدالها بصيغ أخرى، ويستشهد بقول ابن القيم.
ينهي الشرح بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير لهم ويؤكد على العلم الإلهي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب، بباب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أوائل استدلاله أنه استدل بقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. ومر معنا ما يتعلق بشرح هذه الآية، وبتفسيرها، وما فيها من مسائل وفوائد. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». هذا الحديث العظيم من الأحاديث الذي اجتمع على مسائل وفوائد، حتى قال الإمام النووي رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الحديث: بأنه «حديث عظيم جليل القدر»، وذلك لما احتواه على مسائل. وفي هذا الحديث، والذي أراد منه المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين ما فيه إشارة إلى فضل التوحيد. ففي هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «من شهد»، «من» أداة شرط وهي تفيد العموم، فهذا الحكم يدخل فيه كل أحد ممن امتثل ما فيه من القيود والصفات. قال: «من شهد أن لا إله إلا الله»، والشهادة إخواني في الله في لغة العرب تأتي بعدة معان، الشهادة تأتي بعدة معان منها الإقرار والاعتراف. الإشهاد بمعنى الإعلان والإقرار والاعتراف. ويأتي كذلك الشهادة بمعنى الحضور، بمعنى الحضور كما في قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، «شهد» بمعنى حضر. وهكذا هناك عدة معاني لكلمة الشهادة في اللغة، والذي يراد هنا المعنى الأول، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله»، أي من أقر واعترف بأنه لا إله إلا الله. الشهادة تقوم على ثلاثة أسس: أولاً، النطق بها. ما تعد الشهادة شهادة إلا إذا تكلمت، إلا إذا تلفظت. فلو أن أحدًا عنده خبر ما ثم كتمه وسكت، وما نطق به، هل يقال فلان شاهد؟ ما يعد شاهدًا. إذ أن الشهادة تفتقر إلى التلفظ. ثانيًا، أن يكون ما تتلفظ به مطابقًا لما تعتقده، لما تعتقده في قلبك. ولابد من الربط، فالشهادة ترتبط بهذا. الشهادة فيها معنى زائد عن القول. فأنت قد تقول قولًا يطابق ما في قلبك وتكون قائلًا، لكن في باب الشهادة لا. فمن تكلم بكلمة وقلبه لا يعتقد بما فيها، ما يعد هذا شاهدًا. ثالثًا، الإخبار. الإخبار بمعنى أن تعلم غيرك. هذا من لوازم الشهادة. فأنت عندما تكون شاهدًا، يؤتى بك لطلب من المحكمة: نريدك أن تشهد، فتأتي المحكمة ويقول: تكلم. تسكت، فلتعد شاهدًا. إذن لماذا جئ بك أصلًا؟ إنما جئ بك لأن تخبرهم، بأن تسمعهم. فالشهادة المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله»، وما كان في الأحاديث التي سمعتموها «شهادة أن لا إله إلا الله»، فالشهادة تقوم على أسس ثلاثة: أن تتلفظ، وأن تخبر، وأن تعتقد. فإن تخلف شيء من هذه الأسس، فالشهادة لا تعد شهادة أبدًا. نأتي هنا إخواني في الله إلى فوائد ثلاث أحب أن أشير إليها في هذا المقام، تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله. الفائدة الأولى: أن من أراد أن يعبر عن الشهادة في حق نفسه أو في حق غيره، فليتكلم بلفظ الإفراد، يقول: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله». تأتي هذه الكلمة بلفظ الإفراد. وهنا أحب أن أشير إلى خطأ قد يقع فيه بعض الناس، قد يقع فيه بعض الوعاظ، قد يقع فيه بعض الدعاة، عند كلامهم: أنا لربما يأتي بهذه الصيغة على صيغة الجمع، ويقول: «ونحن نشهد»، «نشهد أن لا»، ويقصد بهذه الكلمة الجمع والجموع والحشود الذين عنده: «نشهد»، فيأتي بلفظ الشهادة على صيغة الجمع. هل هذه الطريقة في النطق بهذه الصيغة صحيح؟ الجواب: لا، هذا ليس بصحيح. لعدة أمور: الأمر الأول، من تأمل في أحاديث السنة يجد أن هذه الصيغة ما تأتي إلا على لفظ الإفراد: «أشهد أن لا إله إلا الله». أنظر في التحيات، أنظر في الأذان، أنظر في أي مقام من مقام اللفظ بالشهادة، تجد أنك مطالب بأن تنطق بها لنفسك، تقول: «أشهد». فما جاءت هذه الصيغة في آية أو حديث بلفظ الجمع. والشهادة تفتقر إلى اعتقاد القلب. أنت لما تقول: «وأنا أشهد»، هذا فيما بينك وبين الله، نطقت وأعلمت، وما في قلبك ما يعلمه إلا الله. لكن كيف تتجلى يا عبد الله وتتكلم عن هذه الجموع: «ونحن نشهد»؟ هل أنت اطلعت على قلوبهم حتى تجد أن العقائد ما في القلوب واطأت ما في الألسن؟ هذا ما يتأتى عندك. والشهادة من العبادات التي لا تحتاج إلى نيابة، ولا تنفع معها النيابة. فالشهادة ما تنفع فيها الإنابة. ولهذا عندما تقول: «ونحن نشهد»، كأنك تنوب عن هؤلاء في لفظ الشهادة، هذا لا يجوز. الفائدة الثانية: أن الشهادة تحتاج إلى شروط، تحتاج إلى قيود. فأنت لا تظن بأنك إذا نطقت بهذه الكلمة وأعلمت بها غيرك، أن هذا يكفي وحده. بل هناك من الشروط والضوابط والقيود التي ينبغي أن تحفها لهذه الكلمة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «من اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار، فهو ضال». هذا صحيح. ما الذي تغنيه هذه الكلمة في حق من يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» وهو كاره لها؟ تنفعه؟ ما تنفعه؟ ما فائدة هذه الكلمة إذا نطق بها صاحبها: «أشهد أن لا إله إلا الله» وهو لا يتقبل ما تقضيه هذه الكلمة؟ وما فائدة هذه الكلمة وصاحبها اتخذ شريكًا مع الله؟ ما تفيده؟ لا تغني عنه من الله شيئًا. يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» وقد توجه بالعبادة لله ولغير الله: لنبي، لولي، لشجر، لحجر، لقبر، لميت، لحي، لضاريح، لتابوت. ما الفائدة؟ ما تفيد هذه الكلمة؟ لأن وإن كان قالها بلسانه، فالواقع يكذبه بأنك ما أفردت الله جل وعلا بالعبادة. فهذه الكلمة لا ينتفع بها صاحبها إذا تلفظ أو أخبر بها حتى يأتي بمقتضاها. كما قال ربنا: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾، قيد لهذه الشهادة. وهذه إشارة فقط لبقية الشروط التي ذكرها العلماء في تحقيق كلمة الشهادة، فلابد لها من قيود وبوابط. فإذا أخبر إخواني في الله في «لا إله إلا الله» أن هذه الكلمة تقوم على هذا الأس وعلى هذه الصيغة: «لا إله إلا الله»، من شهد أنه لا إله إلا الله، فهل يجوز مثلًا لشخص ما أن يقتصر وأن يقتصر هذه الكلمة بقوله: «الله، الله»؟ كما نسمع بعض الناس من إذا ذكر الله يذكر الله بهذا اللفظ المجرد: «الله، الله». بل حتى ومن قبح ما سمعنا: أن بعض الناس إذا أراد من المتعبد إذا أراد أن يقسم الأذكار والأوراد التي ينتفع بها عند الله، فإن إن تلفظ بلا إله إلا الله فذاك وأفضل من «لا إله إلا الله» «الله، الله». سبحان الله، جعل هذا اللفظ المجرد أفضل من «لا إله إلا الله». ومن قال بهذا ما يقول بهذا إلا الضال، إلا الجاهل. إذا جئت إلى بعض الحوزات وإلى بعض الأربطة، تجد أن جماعات من الناس إذا أرادوا أن يذكروا الله ذكروا الله بهذا الاسم: «الله، الله، الله، الله». وهذا باطل، لأن هذا ليس له مغزى، فما جاء ذكر ولا فضل ولا فضيلة لا من الكتاب ولا من السنة على أن هذا ذكر وارد، فضلًا أن يكون هو الذكر الأعظم عند الله. هذا كذب وافتراء على الله وعلى رسوله. وزد على أنه ليس له معنى. ما معنى «الله، الله، الله»؟ ما هو التقدير في هذه الكلمة؟ ما عندنا تقدير. إذن هذه كلمة منبتة. عندما تقول مثلًا: «سالم، سالم»، طب أيش في سالم؟ سالم مريض، سالم قدم، سالم خير، سالم ماذا؟ اعطيني معنى. وكان من إعراب العلماء للكلمة هو لفظ المركب، لا بد لك في تركيب. أما تأتي بلفظ مجرد ما تنفع. ودليل على أنها ما تنفع، ما رأيكم لو جئنا برجل كافر، كافر قول له: قل «الله». فإذا بي الكافر أخذ يترنم: «الله، الله، الله، الله». هل تنفعه هذه الكلمة؟ قال ابن القيم رحمه الله: لو نطق بها مئة مرة ما أدخله ذلك في الإسلام. هذا معروف. لماذا؟ لأنا ما لها معنى أصلًا، ليس لها معنى. وبهذا تعلم إخواني في الله أن فضيلة هذه الكلمة بما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: «من شهد أن لا إله إلا الله»، فهذا هو الفضل الذي يجعله ربنا جل وعلا لحق من كان بهذه الكلمة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.