الدرس في شرح كتاب التوحيد 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح ببيان أهمية تحقيق التوحيد ودخول الجنة بغير حساب، حيث يوضح معنى التوحيد وأنواعه.
الجنة هي دار الأبرار والمتقين، أعدها الله للعباد الصالحين، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.
تحقيق التوحيد ينقسم إلى درجتين: واجبة ومستحبة، ويتطلب العلم والعمل للوصول إلى التوحيد الكامل.
الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. هذا الباب الثالث الذي عقده المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد، وقد مضى معنا الأبواب التي سبقت، وهنا عنونا رحمه الله تعالى بهذا العنوان، ونذكر فيه أولا ما تحفه من مسائل ومن أحكام. قال رحمه الله تعالى: باب من حقق التوحيد، من؟ اسمه شرط، وقد مر معنا على أن أسماء الشرط من ألفاظ العموم، أسماء الشرط من ألفاظ العموم، فالذي يذكره المؤلف رحمه الله تعالى من الفضل بأنه يدخل الجنة بغير حساب يدخل في هذا الحكم كل أحد، فهو لا يختص بطائفة دون أخرى، فيدخل في ذلك الصغير والكبير والذكر والأنثى والراعي والرعية، فكل من اتصف بهذا الوصف ينال هذا الجزاء. قال: باب من حقق، الحقيقة في لغة العرب، وفي لسان العرب يأتي بمعنى المطابقة والموافقة، هذا معنى الحقيقة، ومنه حقق بمعنى المطابقة والموافقة. باب من حقق التوحيد، والتوحيد هنا هل بمعنى العموم بجميع أنواع التوحيد أم أنه يختص بتوحيد الألوهية؟ قد مضى ذلك معنى في الدرس أو في الباب الذي قبله، وأشرنا إلى ما رجح جماعة من المحققين بأن التوحيد هنا إنما يتعلق بخصوص توحيد الألوهية أو ما يسمى بتوحيد العبادة، وهذا هو الصحيح، فإن الباب معقود لذلك، فيكون المعنى باب من حقق توحيد العبادة. قال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة، والجنة هي دار الأبرار، دار المتقين الأطهار، أعدها الله جل وعلا لعباده الصالحين، وهي قد وجدت وهي مخلوقة وتبقى ما دامت السماوات والأرض، وأن الله جل وعلا جعل لها أهلًا ممن هم من أهل الصلاح والتقوى. ومادة الجيم والنون من باب الفائدة، مادة الجيم والنون تأتي في اللغة بمعنى الاستتار، فمنه المجنة وهي المقبرة لأن الجثث تدفن فتستر عن أعين الناس، ومنه كذلك الجنين الذي يستر ببطن أمه عن أعين الناس، ومنه كذلك المجن وهو الترس الذي يستخدمه الفارس والمقاتل فيتستر به عن أعين المحاربين من خلفه، وهكذا الجن وعالم الجن سموا بذلك لما كان من تسترهم عن أعين الناس، وهكذا الجنة قيل سميت الجنة بهذا الاسم لأنها تسترت بكثرة الأشجار التي تحفها من كل مكان. قال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، الحساب هو عرض أعمال العباد على الله، والأصل أن ما من نفس منفوسة إلا وتعرب على ربها، والناس في باب الحساب يختلفون، فمنهم من يحاسب حسابًا عسيرًا، وهذا في حق الكافر وفي حق المشرك، ومنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، وهناك طائفة ثالثة من الناس هم الذين لا يحاسبون البتة، وإنما يؤخذ بهم إلى الجنة مباشرة. فهذه نعمة عظيمة، وما يتلقاها إلا الخلص من عباد الله، وهؤلاء الذين جاء في فضلهم ما ذكره المؤلف هنا بقوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. هل لهذا الباب تعلق بالباب الذي مضى؟ الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد يرى أن هذا الباب تبع وأنه مكمل للباب الذي مضى، وهو باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، فأوجه العلاقة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله يكون من عدة أوجه. الوجه الأول أن الباب الذي مضى أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر لنا فضائل التوحيد، فذكر في الباب الذي مضى أن من فضائل التوحيد ما يكفر من تكفيره للذنوب، وفي هذا الباب أشار إلى فضيلة أخرى أن من أتى بالتوحيد فإنه يدخل الجنة بغير حساب. وهناك رابط آخر، وهو أن الباب الذي مضى إنما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فضيلة من يأتي بأصل التوحيد، ومن يأتي بالشهادتين وأتى بمقتضاهما ولم يأتي بناقض، وهذا الوصف ينطبق على كل من انتمى للإسلام، فمن أتى بأصل التوحيد فإنه بهذا الأصل يكفر الله جل وعلا ما كان من ذنوبه، لكن في هذا الباب الذي نحن بصدده هناك قدر زائد عن أصل التوحيد، وهو تحقيق التوحيد. قال العلماء: تحقيق التوحيد يكون على درجتين اثنتين، درجة واجبة ودرجة مستحبة، وكلها تدور على إتقان وإكمال التوحيد عند العبد. أما القدر الواجب الذي ينبغي أن تؤديه يا عبد الله تحقيقًا لتوحيدك لربك جل وعلا، أنك تحقق هذا التوحيد بتصفيته وتنقيته وتهذيبه من كل ما يبطله أو ينقصه أو يقدح فيه. وأما القدر الثاني وهو القدر المستحب من تحقيق التوحيد، بأنك يا عبد الله لا يقع في قلبك شيء من التعلق بشيء من الأسباب أو بشيء من الذوات، إنما يكون تعلقك برب الأرض والسماوات. وبهذا من أتى بهاتين الدرجتين فقد أتى بالتوحيد الكامل الذي يريده الله جل وعلا للعباد، وهذا ما يذكر في هذا الباب في قوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وقد قال العلماء: وهذا لا يتأتى إلا بالعلم، ما يمكن للعبد أن يصل إلى هذا المقام إلا بالعلم، بالعلم يا عبد الله تتعرف على حقائق التوحيد، ومن ثم بالعمل تكون من أهلها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.