الدرس في شرح كتاب التوحيد 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المغفرة تعني الستر والوقاية من الذنوب، والشرك بالله خطير لأنه يحرم الفرد من مغفرة الله ودخول الجنة. الآية الكريمة "إن الله لا يغفر أن يشرك به" تؤكد ذلك.
الآية تشير إلى أن الله يغفر الذنوب لمن يشاء باستثناء الشرك، وتوجد أسباب لمغفرة الذنوب مثل الحسنات الماحية والمصائب ودعاء المؤمنين. المغفرة تتعلق بمشيئة الله.
الآية تدل على مغفرة الذنوب دون الشرك الأكبر، وهناك خلاف بين العلماء حول الشرك الأصغر وهل يغفر أو لا. يُشرح تفسير الآية وتطبيقاتها العملية.
الآية استخدمت كدليل على خطورة الشرك، ويُنصح بالخوف من الشرك والابتعاد عنه. الخطبة تنتهي بالدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن تبويب المؤلف رحمه الله تعالى، حين عنونا لهذا الباب باب الخوف من الشرك، وأشرنا إلى ما يستفيده القارئ والناظر من هذا الباب من مسائل وفوائد. قال رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله في بيان الخوف من الشرك، فذكر قول الله جل في علاه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. والمغفر، إخواني في الله، في معناها هو الستر لما يخاف من وقوع أثره، هذا أصل المغفرة، هو الستر لما يخاف من وقوع أثره. فكلمة المغفرة وما تفرع منها تتضمن أمرين اثنين: الأمر الأول الستر، الأمر الثاني الوقاية، الستر والوقاية. ولهذا يقال في الذي يلبسه المحارب في قتاله ويضعه على رأسه: يقال عنه مغفر. وفائدة المغفر تعود إلى هاتين المسألتين: أن فيها ستر، وأيضًا فيها وقاية؛ لأن هذه الأداة والآلة قد صممت لكي تقي الرأس من ضربات السيوف، ففيها ستر ووقاية. قال العلماء: كلمة المغفر والمغفرة تعود إلى هاتين المسألتين، وهذا مسألة قد أشار إليها الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى. فأنت عندما تدعو الله جل وعلا بأن الله يغفر ذنبك، وأنك تسأل الله جل وعلا المغفرة، فأنت في الحقيقة تسأل الله جل وعلا في أمرين اثنين: أولًا، ذنبك أن الله يستره ولا يفضحك، هذا من طلب المغفرة الستر. ثانيًا، تطلب من الله أن أثر هذا الذنب لا يرتد عليك، لا يرتد؛ لأن من الذنوب، إخواني في الله، ما قد تمضي، قد سترت، ما أحد يدري بها، لكن أثرها يرجع إليك في نفسك، في أهلك، في مالك، في ولدك، تصيب بآثاره ونكباته. ولهذا شرع للمسلم أن يدعو الله بالمغفرة، يسأل ربه المغفرة دائمًا وأبدًا: رب اغفر لي، رب اغفر لي. فاستشعر، يا عبد الله، لهذا المعنى العظيم في مسألة المغفرة: تطلب الستر، وتطلب كذلك الوقاية من هذا الذنب. فقال سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. هذه الآية، إخواني في الله، حوت على مسائل عدة. أولًا، فيها بيان لخطورة الشرك، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده لهذه الآية تحت هذا الباب: أن الشرك خطير جدًا، وعليك أن تخاف منه. ومما يدلل عليه على أن الشرك خطير ويخاف منه: أن الله لا يغفره أبدًا. من أتى الله جل وعلا بالشرك، فليعلم أنه قد يأس من مغفرة الله. ومعنى أن الله لا يغفر له: معنى أنه سيدخل نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبد الآبدين، لابثين فيها أحقابًا، وأنه لن يدخل ولن يطأ الجنة أبدًا، وإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة. هذه مؤدات الشرك، يا عبد الله، ولا تنفعك حينها شفاعة الشافعين، بل تسد أبواب الشفاعة في وجهك. إذا استشعر المسلم، إخواني في الله، فداحة هذا الذنب العظيم، فماذا الذي يستدعيه الخوف؟ أنك لا تنغمس ولا تأتي الله جل وعلا بشيء من صور الشرك. فقول سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ كلمات وآيات عظيمة توقع الخوف في القلوب بأنك، يا عبد الله، لا تكن مشركًا. وفي هذه الآية كذلك فائدة أخرى، وهي أن الذي يحرم على المرء كل أنواع الشرك، كل أنواع الشرك بشتى صوره. قد يقول قائل: ومن أين جئت بهذا العموم؟ قال العلماء: من سياق الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن﴾، هنا حرف مصدر، ﴿يشرك﴾ فعل مضارع، وفي المادة وفي اللغة العربية: أن حروف المصدر تنصرف تندمج مع الفعل المضارع الذي يأتي بعدها، وتؤول إلى مصدر. فيكون معنى الآية: ﴿إن الله لا يغفر إشراكًا به﴾، ﴿أن﴾ وما دخلت عليه في تأويل مصدر. إذا كانت الآية على هذا الاعتبار: ﴿إن الله لا يغفر إشراكًا به﴾، إشراكًا نكرة، والنكر هاهنا جاءت في سياق النفي: ﴿إن الله لا يغفر﴾، والنكر في سياق النفي ماذا تفيد؟ تفيد العموم. بمعنى: ﴿إن الله لا يغفر إشراكًا به﴾، أي نوع من أنواع الشرك، سواء كان في الأقوال أو في الأعمال أو في النيات والاعتقادات. فالآية تفيد العموم، وبهذا، يا عبد الله، يزيد حرصك على أنك لا تقترف شركًا. وفي ذلك إشارة إلى أهمية العلم، وقد ذكرنا ذلك في فائدة أمس: أن الخوف من الشرك يستدعي منك العلم بالشرك. ولهذا، من زاد علمه بمعرفة هذا الباب والنصوص، ازداد حرصه على التحذير وعلى بيان الشرك، فإن خوفه يزداد أعظم فأكثر. فمن كان لله أعرف كان منه أخوف، فمن كان أعلم بأبواب الشرك، فإنه يخاف أكثر من غيره. فعليك، يا عبد الله، أن تتسلح بالعلم في هذا المجال حتى يزداد خوفك من الشرك. وفي هذه الآية كذلك فائدة، فيها ما يتعلق من عظيم سعة رحمة الرحمن جل في علاه، إذ قال: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. كل ما عدا الشرك، وكل ما كان دون الكفر والشرك، فالله جل وعلا قادر على مغفرته وعلى إزالته، سبحانه وتعالى، فهو الرحمن وهو الرحيم، الذي رحمته وسعت كل شيء. رابعًا، مما يستفاد من هذه الآية: أن مغفرة الله لعباده ممن اقترف الذنوب والسيئات، هذا متعلق بمشيئته: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فأحال الأمر سبحانه وتعالى إلى مشيئته، فمن شاء عذبه، ومن شاء غفر له. ومشيئة الله جل وعلا تتعلق بحكمته، فمن اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن يغفر له غفر، ومن شاء الله عز وجل بحكمته أنه يعذب، فإنه يعذب. ولا بد، ومن الذي نحن نعلمه من هذا الذي سيغفر له، ومن هذا الذي سيعذب؟ الجواب: لا أحد يدري. ولهذا لا تتكئ، يا عبد الله، على أمر أنت لا تعلمه. حالك كحال بعض من فتح باب الرجاء فأخذ يقع في الذنوب والمعاصي متكئًا على سعة رحمة الله، متكئًا على هذه الآية: قل له، يا عبد الله: لكن ربك يغفر لمن شاء، وهل أنت ممن شاء الله أن يغفر لك؟ الله أعلم بحالك. فالأمر يعود إلى مشيئته، وهي المتعلقة بحكمته. فليستدل مستدل بهذا الباب على الاستمرار والمضي قدمًا في معصية الله جل وعلا. كذلك في هذه الآية من الفوائد: فيها أن مغفرة الله سبحانه وتعالى قد جعل ربنا عز وجل لها أسبابًا. وهذه مما تعينك، عبد الله، على أن تخفف من ذنوبك: أن الله سبحانه وتعالى جعل أسبابًا لمغفرة الذنوب، منها الحسنات الماحية. كثرة الحسنات تمحي الذنوب: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها. فالحسنات تمحي السيئات، وهذا يجرك إلى كثرة الأعمال. فمهما اقترفت من ذنب، لكنك على عمل، فالعمل الصالح يمحي ما مضى. أكثر الحسنات الماحيات المصائب، المصائب بها تكفير للذنوب. قال العلماء: سواء كانت هذه المصائب في الدنيا من فقر، من ضيق، من مرض، من علة، من شدة، أو ما يكون هذه المصائب في القبر، ما يصاب به المرء في القبر، هذا يحسب لك، يحسب لك من شدة القبر، من ضمة القبر، هذا مما يكفر عن ذنوبك. قال العلماء: كذلك اليوم القيامة، الأهوال التي ستبتل بها يوم القيامة، هذه كذلك تحسب لك. وهذا من عظيم فضل الله على هذه الأمة: أن هذا يستمر معك، فالمصائب المكفرة تكون معك تخفف من ذنوبك. كذلك دعاء المؤمنين، دعاء المؤمن للمؤمن: أنت عندما تدعو لإخوانك: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، رب اغفر لوالدي، رب اغفر، تدعو لغيرك، هذا الدعاء للغير ينفع، فلربما استجاب الله لدعائك فغفر الله لفلان وفلان وفلان بدعائك. وكما أنك تدعو لغيرك، فلعل غيرك يدعو لك، لعل غيرك يدعو لك من قرابتك، من أرحامك، من والديك، من أحدهما، من إخوانك، من أبنائك: رب اغفر لوالدي، يدعو لك، فتأتيك وهكذا. الكل يدعو للآخر، هذه الدعوات، دعوات المؤمنين بعضهم لبعض، مما يقع فيها التخفيف والتكفير للذنوب والسيئات. كذلكم شفاعة الشافعين، شفاعة الشافعين كذلك مما يخفف بها من الذنوب، بل ويكفر عنها، عن السيئات. زد فوق هذا وذاك رحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى. كذلكم في هذه الآية، قال العلماء: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، قال العلماء: هذه الآية التي فيها تعليق المغفرة بالمشيئة، إنما هو في حق من مات مصرا على ذنبه، من مات مصرا على ذنبه. رجل من هذه الأمة، مثلا، مات وهو على ذنب، على معصية، على قطيعة، على إثم، فما حكمه عند ربه؟ نقول: أمره إلى الله، يا جماعة، شأن الرجل فعل وفعل، أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذا في حق من مات على هذه الحالة، وهو على ذنبه ومعصيته. لكن من مات وهو قد تاب من ذنبه، هذا ما يدخل في هذه الآية، لماذا؟ لأن من تاب، تاب الله عليه، من تاب قد غفر الله له. فالله عز وجل قال: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، هذه المغفرة إنما تتعلق بحق من مات من غير توبة. نقول: نعم، هذا أمر إلى الله، الله أعلم بحاله، وقد أفضى إلى ما قدم. لكن إذا ما فعل رجل ذنبا فتاب، شرب خمرا فتاب، وقع في فواحش ورذائل فتاب، هل نقول: إذا مات، أمره إلى الله؟ قل: لا، أصل أنه تاب، تاب الله عليه، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن هذه الآية لا تحمل على التائبين أبدًا. هذه الآية: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ما تحمل على التائبين؛ لأن من تاب، تاب الله عليه، لا يبقى له ذنب، ولا يبقى له وزر، بل إن الله جل وعلا يغفر له، هذا الأصل. إلا أن هناك أمر آخر، هذا شيء، لكنه يدخل، لا يدخل في هذه الآية. كذلك من فوائد هذه الآية الرد على الوعيدية من أهل البدع الضلال، والوعيدية أعني بهم الخوارج، أعني بهم المعتزلة؛ لأنهم يرون أن من مات على ذنب أنه يعذب ولا بد. الخوارج والمعتزلة، الوعيدية بشكل عام، يرون أن من مات على ذنب لا بد أن يعذب. أهل السنة ردوا على هؤلاء، يقول: هذا باطل، بدليل هذه الآية: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأمر العصاة إلى الله جل في علاه. وأما كما قلنا من تاب، فقد تاب الله عليه. مسألة أخيرة، إخواني في الله، نختم به هذا المجلس، ألا وهي: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، هنا ذكر ربنا جل وعلا أن الشرك لا يغفره ربنا سبحانه وتعالى. بقي وقع الخلاف بين العلماء في الشرك الأصغر. الشرك الأصغر له صور، كمن حلف بغير الله، من حلف بالأمانة، إلى غير ذلكم، وله ضوابط، ليس هذا المقام مقامًا وسيرًا للشرك الأكبر، هذا من الشرك الأصغر. من جعل سببًا، وهو ليس بسبب، لا كوني ولا شرعي، هذا من الشرك الأصغر. له صور. الشرك الأصغر من ابتلي به، هل يغفره الله أو لا يغفره الله؟ وقع الخلاف بين العلماء. فمن أهل العلم من يرى أن الشرك الأصغر لا يغفره الله؛ لأن إنسانًا موحدًا، موحدًا، مات وهو على ذنوب، ومات على شرك أصغر، كأن علق حرزًا، جعله سببًا، علق تميمة، جعله سببًا للشفاء، حلف بغير الله، حلف بالكعبة والأمانة ورأس أمك، هذا من الشرك الأصغر. فبعث عند الله عز وجل، فيقول العلماء: أن هذا الإنسان المسلم الموحد، ما فعله من معاصي وذنوب هي تحت مشيئة الله، لا ربما يغفرها الله، فتغفر ذنوبه، لكن هذا الذي صدر منه من الشرك الأصغر، لا، هذا ما يغفر، هذا يعذب، يعذب، يعذب؛ لأن الله قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. وذكروا أن من عمومات الشرك هاهنا يدخل فيه الشرك الأكبر، ويدخل فيه الشرك الأصغر. فقالوا: المسلم إذا مات وهو على شرك أصغر، مصر عليه، فإنه يعذب على هذا الشرك الأصغر، لا بد. فإذا بعد التعذيب طهر، نقي، يدخل بعد ذلك الجنة؛ لما كان من أصل توحيده، من أصل توحيده. وقد قال بهذا جماعة من أهل العلم. إلا أن أكثر العلماء، وهم الجمهور، لا يرون هذا، بل يرون أن الشرك الأصغر هو كسائر الذنوب والمعاصي، ومن جنس الموبقات والكبائر، وأنه تحت مشيئة الله، وأن قول الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، قالوا: هذا بخصوص الشرك الأكبر، هذا بخصوص الشرك الأكبر، سواء كان في ألوهية الله أو في ربوبيته أو في أسمائه وصفاته، فجعل لله ندًا، فهذا إذا مات على الشرك الأكبر، نعم، لا يغفره الله. وأما سائر الذنوب، وعلى القول الصحيح منها الشرك الأصغر، فإنه داخل تحت مشيئة الله، لمن في حق من مات مصرًا عليه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. الشاهد، إخواني في الله، أن هذه الآية من أوائل ما استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان الخوف من الشرك، وأن من خطورة الشرك أن الله عز وجل لا يغفر لصاحبه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.