شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 7

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الخوف من الشرك وأقسامه

يتناول المقطع أهمية الخوف من الشرك بالله ويشرح أنواع الشرك في الألوهية. يُبين خطورة الوقوع فيه وعقوبته حيث أن الشرك الأكبر ينافي التوحيد ويوجب دخول النار.

خطورة الشرك الأصغر ووسائله وسبل الوقاية

يجب على المؤمن أن يتجنب الشرك الأصغر ويبتعد عن وسائله، كما أنه يجب عليه أن ينمي الإخلاص في قلبه ويبتعد عن الرياء والتسميع والعجب. يتقي وسوسة الشيطان وكيده لتحقيق ذلك.

الشرك الأصغر والخفي وخطره على الأعمال

الشرك الأصغر والخفي يمكن أن يدخل على الإنسان بدون أن يشعر، والرياء من الشرك الأصغر الذي يحبط الأعمال. الخوف من الوقوع في الشرك ضروري بسبب قرب وسائله وعدم شعور الإنسان به.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب الخوف من الشرك. وقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وقال الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. وفي الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه، فقال: «الرياء» إلى آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله. فهذا الباب باب الخوف من الشرك خاصة، ومقصود الشيخ الشرك في الألوهية. والشرك في الألوهية على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر. فأعظم ما يخاف على العبد أن يشرك بالله عز وجل، خاصة الشرك في الألوهية. أما في الربوبية، فقد خلق الناس على معرفة الرب جل وعلا بربوبيته وأنه الخالق، وأنه الرازق، فطرة الناس على ذلك، فلهذا قل الشرك في الربوبية، هو موجود لكنه قليل، بخلاف الشرك في الألوهية. كذلك الأسماء والصفات، لأن النفوس جبلت على تعظيم الله جل وعلا، حتى الكفار يعظمون الله، لكن أعظم شيء هو الشرك في الألوهية، فهو أقرب إلى العبد، لأن الشرك في الألوهية تدخله وسائل كثيرة. أولا: أنه ليس معهودا للإنسان، وإنما يكتسب بعبادة الله جل وعلا. والأمر الثاني: كما قلنا أيضا أن له وسائل كثيرة تسبب أو تجعل العبد يشرك بالله جل وعلا. والوسائل هذه تدخلت على النفس أحيانا بغير اختيار، مثلا مثل تعظيم ومحبة غير الله عز وجل، فأحيانا يدخل هذا التعظيم والمحبة بغير ما يشعر الإنسان. معنى بالمعاملات، بالتعامل، يعظم مخلوقا ويحبه، ثم بعد ذلك هذه المحبة تؤديه إلى الغلو، ولهذا كما تقدم قرأنا في كلام الإمام: أن أصل حركة العالم هي المحبة، واصل العبادات هي المحبة، وكذلك أصل الأعمال هي المحبة. فالمحبة هي التي تحدث للعبد أشياء كثيرة، ومن ذلك أنه يحب شخصا أو يحب ميتا أو يحب كذا، لما يسمع من فضائله، فيعظمه حتى إنه يعظمه كتعظيم الرب جل وعلا، فلا يرى بعد ذلك بُعْدا أن يصرف له شيئا من العبادات. فلهذا يكون الشرك أقرب، وأيضا طرقه سهلة، وكذلك طرقه تدخل على العبد من غير شعور، فلهذا يكون أخوف على العبد. ولأن الشرك عظيم، جريمة عظيمة جدا بحق الله جل وعلا، وهو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأجرم الآثام وأظلم الظلم، وكل ذلك في الشرك. فلهذا العبد يخاف أن يقع فيه، الخوف هذا يكون من أمرين: الخوف من الشرك لأجل أنه يدخل على القلوب وعلى الأعمال أقرب من غيره من الشرك الربوبي والأسماء والصفات، وقد يكون أيضا أقرب من بعض الذنوب. قد يكون هذا الشرك يدخل على الإنسان ولا يدخل عليه مثلا بعض المعاصي كالزنا، معنى قد يتنزه ويعظم أنه يزني، لكن قد يشرك ولا يعظم ذلك على نفسه، بل يعتبر ذلك عبادة وطاعة، مثل ما يعتقد كثير من الشيعة والصوفية، يعتقدون أن هذا طاعة وتقرب إلى الله، مع أنهم يتقربون إلى المخلوق. فهذا باب من باب الخوف، والباب الثاني: عظمة هذا الذنب، يخاف أن يقع فيه لعظمته، لأنه يخلط صاحبه في النار، يخلط صاحبه في النار. فلهذا ذكر المؤلف رحمه الله أول آية: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، هذا الكلام ابتدأ الله عز وجل به؛ لأجل أن يحذر الناس من الشرك، أن الله لا يغفر ويشرك به، كل شيء سامح فيه إلا هذا، كأن الكلام كلام الله عز وجل، كأنه يقول: كل شيء أسامح فيه إلا الشرك، لا أسامح فيه. وهذا يدل على عظمة هذا الأمر، أن الله لا يغفر ويشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، معنى: ممكن يتساهل في غير الشرك، أما الشرك فلا يتساهل فيه. معنى هذا الكلام؛ لأجل أن يفهم، ولعظمة هذا الشرك، فإنه يخاف من أن يشرك العبد؛ لأنه لا يغفر الله عز وجل له، ويكون من أهل النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، فلهذا هذا الشرك عظيم، معنى وقوعه من العبد، فلهذا لابد أن يخاف أن يقع فيه. فإذا خاف أن يقع فيه، خاف أيضا أن يطرق أسبابه ووسائله، أن يطرق أسبابه ووسائل، فكل ما يؤدي إليه، فإنه يجب عليه ألا يقع فيه. فلهذا فماذا؟ إن هذا الشرك ينافي التوحيد ويضاده، ويوجب دخول النار، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. ويحرم أيضا الجنة، وهذا متى؟ إذا كان شركا أكبر، وتذهب سعادة المرء في الآخرة، يكون في العذاب الخالد الذي لا ينفك عنه ولا يفتر عنه، فهذا كله يدل على الخوف أن يقع الإنسان في الشرك. كان معنا حقا على العبد أن يخاف أن يقع في الشرك بالله جل وعلا، بل أن يسعى في الفرار منه، يسعى أن يفر من هذا الشرك، ومن وسائله التي قد يقع فيها، أو التي تجعله أو تبلغه الشرك، الوسائل والأسباب التي قد توصله إلى الشرك الأكبر، فإنه أيضا يجتنبها. فلهذا الله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، قال بعض العلماء: إن هنا جاءت ﴿يُشْرَكَ بِهِ﴾ منكرة، والنكرة بعد النهي تفيد العموم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُشْرِكْ﴾ وتفيد العموم. فلهذا قال بعض العلماء - وهو قول أكثر العلماء - أن الآية داخل فيها جميع الشرك، سواء كان شركا أكبر أو شركا أصغر، أنواع الشرك كلها داخل فيه، سواء كان شرك محبة أو شرك دعوة أو شرك طاعة أو شرك دعوة، كل ذلك داخل. سواء كان شركا أصغر: رياء، تشريك في اللفظ، أو غيره، معنى اعتقاد في غير الله عز وجل، في الأنواء، نسبة النعمة إلى غير الله، إلى غير مسديها، أو ذكر أسباب غير الأسباب التي وضعها الله عز وجل شرعا وقدرا، وغيرها من هذه الأشياء التي يحصل بها الشرك، سواء كان أكبر أو أصغر، فهو داخل في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. لكن هل إذا أشرك شركا أصغر، معنى يخلد في النار؟ لا، لا يخلد في النار، وهذا باتفاق أهل السنة، لكن بعضهم يقول: إذا أشرك شركا أصغر، معنى ذلك أن لا يغفر الشرك، أي: أن من أشرك بالله عز وجل شركا أصغر ولم يتُبْ منه، أنه سيعذب في النار، معنى لابد أنه سيعذب في النار، لكن هل يخلد فيها؟ لا؛ لأنه من أهل التوحيد، لا يزال من أهل التوحيد، ما دام أنه لم يشرك شركا أكبر؛ لأن الذي يضاد التوحيد هو الشرك الأكبر، ينافي التوحيد تماما، فهذا الذي يخلد صاحبه في النار. أما الذي يأتي بشرك أصغر، فهو داخل في الوعيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، ولهذا معنى كلامهم - أو معنى كلام هؤلاء العلماء - أن من أتى بالشرك الأصغر، فإنه لا يدخل في المغفرة، لا يدخل في المشيئة: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، معنى: لا يدخل في المشيئة، لا يقال مثلا: من أتى بالشرك الأصغر، فإنه داخل في المشيئة، إن شاء غفر الله له، وإن شاء عذبه، لا، ما يقال هذا، هذا عند جمهور العلماء. على أن الشرك الأصغر يدخل في هذه الآية، لكن من يقول: إن الشرك الأصغر لا يدخل في هذه الآية - كما هو رواية عن شيخ الإسلام بن تيمية، وأيضا ذكرها بعض المفسرين - أن الشرك الأصغر لا يدخل في هذه الآية، هنا يقال: إنه داخل في المشيئة. لكن الصحيح: أنه لا يدخل في المشيئة؛ لأن الله عز وجل هنا نكر «شرك»، وأيضا جاء به في النهي، وصيغة النهي إذا جاءت منكرة تدل على العموم، النكرة بعد نهي أو نفي أو بعد شرط، كل هذا يدل على العموم، كذلك بعد إثبات، وإن كان بعد الإثبات أحيانا لا تدل على العموم، لكن إذا جاءت بعد نهي أو نفي، فإنه لا خلاف أنها تدل على العموم. هذه الصيغة تدل على العموم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فكل الشرك لا يغفره الله، هذا معنى الكلام. وما دام أنه لا يغفره الله، فهذا شيء عظيم، يجعل العبد يخاف أن يقع في هذا الشرك، ومن هذا الباب يجعل العبد ينمي الإخلاص في قلبه، يعني يسعى في إخلاص، في تنمية الإخلاص في قلبه، ويبتعد عن موارد خدش الإخلاص: من الرياء، من التعظيم الذي لا يليق، وكذلك أيضا من الأمور التي تخدش أحيانا في الإخلاص، أيضا التسميع، أنه أيضا العجب بكلامه وبرأيه وبفعله، هذه كل الأشياء تؤدي إلى وسائل الشرك أو الشرك نفسه. ولهذا شيطان الرجيم إبليس، اغتر بنفسه أول ما وقع في الكفر بالله، أنه اغتر بنفسه، وظن أنه له شأن عظيم عند الله، وأنه له شأن أيضا في خلقه، في خلق الله عز وجل له، فلهذا استحقر آدم، لكن أذله الله عز وجل، ورفع آدم، عز الله عز وجل آدم، وأذل إبليس هذا المتطاول. وأيضا المعجب بنفسه، فصار هو إمام المتكبرين، أي إمام الذين يتكبرون على الله عز وجل، وإمام الذين أذلهم الله، فالشيطان صار دليلا، وهو لا يغوي إلا من اتبعه، وأما أهل الإخلاص الذين يسعون إلى تصفية عملهم لله عز وجل، وإخلاص عملهم لله، فهؤلاء لا يستطيع أن يغويهم، وإن غواهم في شيء، فهو في شيء بسيط، لكن غالبا ما يتقون عليه. ولهذا جعل الله عز وجل كيده ضعيفا، لا يقاوم الإخلاص لله عز وجل، ولا يقاوم الارتباط بالله سبحانه وتعالى، ومحبة الله سبحانه وتعالى، لا يقاومها وسوسة إبليس ولا كيده أبدا، لكن قد يضعف الإنسان أحيانا، فيتغلب عليه شيطان في بعض الأمور، لكن المؤمن المخلص سرعان ما يتدارك نفسه، ويتوب إلى الله عز وجل، ويرجع، وهذا يقهر الشيطان، وأيضا يذهب قوته وغلبته. فلهذا قلنا: أن المؤمن يحاول أن يدفع هذا الشرك عن نفسه، ويدفعه بماذا؟ يدفعه بالإخلاص لله عز وجل، وبوسائل الإخلاص، وبأسباب الإخلاص، يسعى إلى بناء الإخلاص في نفسه، ويتتبع أماكن هذا الإخلاص والنية، وهذا من أهم الأمور التي يكون على العبد. قال الله عز وجل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، قال الخليل - خليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وليس هناك أحد خليل إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كنت متخذا خليلا من البشر لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله». ولكن تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا خليل مثل إبراهيم، وهذه الخلة منزلة عظيمة لا يشارك فيها أحد، فلهذا صارت لهذين النبيين الكريمين: نبي الله إبراهيم، ونبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا الخليل مع إخلاصه لله، وما سمي خليل إلا لقوة إخلاصه، وكمال متابعته لأمر الله، مع هذا إلا أنه كان يدعو الله عز وجل فيقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. لهذا قال إبراهيم التيمي: «من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟» من الذي يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ هذا ما دام إمام الموحدين، الذي كسر الأصنام، وأبان الحجة على بطلانها، يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فمن ذا الذي يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وهنا قال العلماء: «اجنبني» أي جنب، وباعد بيني وبين هذه الأصنام، ومعنى باعد: معنى باعد بيني وبينها، أي: أنني لا أقرب عندها، ولا أقرب أيضا إلى وسائلها. معنى من المباعدة، ولهذا قال العلماء: أن الله عز وجل لما حرم الخمر، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، لم يقل: محرم، أو لم يقل: انتهوا عنه، وإنما قال: «فاجتنبوه»، ومعنى الاجتناب: أي أنك لا تقرب عنده، ومعنى ذلك: أنك لا تأتي ولا تأتي وسائله، واحذر الطرق الموصلة إليه، واحذر الطرق الموصلة إليه. ولهذا أيضا بالمقابل في الزنا مثلا، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، أيضا هي من الاجتناب، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾ هو نهي عن القرب أيضا، نفس المعنى، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أي: لا تقربوا أبدا، ولا تقربوا وسائله، لا تقتربوا منه، والذي يأتي وسائل الزنا، معنى أنه اقترب من الزنا. لكن قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، أي: لا تقربوا، ولا تقربوا وسائله، وهذا هنا قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي: ابعدني بعدا كليا عن عبادة الأصنام، عبادة الأصنام، معنى المراد: أنني أبتعد عنها، وأبتعد عن وسائلها وطرقها. يدعو الله عز وجل أن يبتعد عن هذه الوسائل وطرقها، فإن الإنسان قد ينجو من عبادة غير الله عز وجل، لكن لا ينجو من الوسائل التي قد يقع فيها. ولهذا بعض الأشياء قد تكون في قلب الإنسان، وهي من الوسائل التي تقع في الشرك، قد تكون في فعل الإنسان، مثلا الرياء، الرياء هذا قل من يسلم منه، قل من يسلم منه، كما سيأتي في الحديث: حديث محمود بن الربيع، أخفى، معنى النبي صلى الله عليه وسلم سمى الرياء الشرك الخفي، سماه الشرك الخفي. قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾، قال في الحديث: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه، فقال: «الرياء»، «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، وهذا الحديث جاء من حديث محمود بن الربيع، وهو صحابي صغير، خرجه الإمام أحمد وغيره، والحديث قابل للتحسين. وأيضا جاء في لفظ: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، وهو «مثل دبيب النمل في الصخرة أو في الحجرة الملساء»، كما قال، معنى: أنه قريب، وقد يدخل على الإنسان وهو لا يشعر، فلهذا فالرياء لا يكاد أن يسلم منه، وهو يعتبر من الشرك، الشرك الأصغر، الشرك الخفي. فلهذا يحذر الإنسان من هذه الوسائل التي ترضيه إلى الشرك الأكبر، بل وقوعه في الشرك الأصغر هذا خطر، وقوعه في الشرك الأصغر خطر عليه. ومعلوم أن الرياء يحبط الأعمال إذا كان داخل أو مشارك للعبادة أو مشارك للنية، إذا شارك النية في بداية أمرها، لا شك أنه يبطل العمل، إذا طرأ على النية فإنه ينقص الأجر. قال: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار»، رواه البخاري، وهذا أيضا يبين لنا أن الشرك عظيم، ويجب الخوف من الوقوع فيه. فقلنا: الخوف من الوقوع في الشرك من طريقين: إما لأنه أقرب، أقرب بوسائله، وأن الإنسان قد يقع فيه بدون ما يشعر، مثل كما قلنا: الشرك في المحبة، الشرك في المحبة، كما قال الإمام ابن القيم: هذا البحر، أو الشرك في النيات والإرادات، أو هو أعظم من الشرك في المحبة، قال: وهو البحر الذي لا ساحل له. أن الشرك في المحبة يدخل فيه الشرك في النيات والإرادات، هذا قال: الشرك الذي لا ساحل له، مثل البحر، بحر لا ساحل له، معناه: سيكون محيط كبير جدا، فلهذا يدخل على الإنسان قد من غير أن يشعر، قد يكون إنسان متعبد، طائع لله، لكن يدخل عليه هذا الشرك: شرك الإرادات والمحبة والنيات، بدون أن يشعر، فيكون عبدا لغير الله. مثل هؤلاء الذين يشركون في المحبة، يعظم محبوبه حتى يكون أعظم من الله عز وجل، فحتى أنه يصرف له العبادات بدون أن يشعر، وإيش العبادة؟ العبادة هي الذل والتعظيم مع المحبة، الذل مع المحبة والتعظيم، هذه حقيقة العبادة. فقد يكون الإنسان بمحبة للشخص، يدخل في هذه العبادة، يدله ويحبه ويعظمه، معنى الذل يكون عن محبة وتعظيم، الذل يكون عن محبة وتعظيم، فإذا كان الذل عن محبة وتعظيم، فهذا يدخل في العبادات والشرك. فلهذا فهذا الأمر أيضا من الأمور الخفية التي قد يقع فيها الإنسان وهو لا يشعر، قد يكون الإنسان كما قلنا: طائعا لله، لكن يحب شخصا حتى يغلو في محبته، فإما أنه من شدة محبته يذل له ويعظمه كتعظيم الله جل وعلا، أو أنه لجهله يصرف له بعض العبادات، يصرف له بعض العبادات؛ لأنه عظمه على أنه شيء جليل وأنه كذا. مثل ما دخل الشيطان على بعض المتصوفة، فبين لهم أن هؤلاء أولياء، ولهم مقام عند الله، ولهم تعظيم، وأتوا بالقصص: أنه فعل كذا وفعل كذا، وأنه له الكرامات الكبيرة، معنى: تجد ما تجد كتابا من كتب هؤلاء التراجم الصوفية إلا وتجد فيه الكرامات، لابد يذكرون كرامات كبيرة جدا، معنى: ما حصلت حتى لبعض الأنبياء، يذكرون لهؤلاء حتى أنه يتكلمون وتشاورون في بطون أمهاتهم قبل ما يخرجوا، ويقرؤون باللوح المحفوظ من الغيب. أن هذا ما حصلت حتى للأنبياء، ما يتكلمون مثل هذا، نبينا عليه الصلاة والسلام خير سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، لم يذكر شيء عنهم مثل هذه الأشياء، فتأتي فيذكر عن هؤلاء، وغالبهم سفلة سحرة، فالمهم أن يعظمون الشخص بهذا، فيعظم في نفس الجاهل حتى يرى أنه يصرف له العبادات. إذا نذر، قال: «لأنذر للشيخ؛ لأن الشيخ يعرف»، وأيضا بعضهم يتبجح في مثلا الاستغاثة: «كنا في سفينة»، يعني يحكي قصة عن واحد، أنه قال: «السفينة غرقت»، قال: «يقولون: يا الله يا الله، والله ما استجاب لهم»، قال: «فجاء الرجل وقال لهم: استغيثوا بالحضار أو العيدروس أو كذا»، قال: «فقالوا: يا عيدروس»، «ما وجدوا أنفسهم إلا في البر»، معنى الشرك؛ لأجل أن يعظم هؤلاء الأولياء. فانظر إلى هذا الحد، معنى: أن الله عز وجل ما سينفعك، لكن لو دعوت هذا الولي سينفعك هذا الولي، ثم أرادوا أن يقرروا هذا، قالوا: قالوا: «هذا لأن هذا الولي طاهر، وأيضا قلبه مطهر، والله عز وجل يستجيب دعوته، ونحن ملوثون بالذنوب، فإذا دعونا الله ما استجاب لنا، لكن إذا دعونا هذا هو من نفسه يدعو الله حتى يستجيب لنا»، هذا الذي يعتقد أن هؤلاء ليس عندهم تصرف. أما الذي يعتقد أنه عندهم تصرف، فهو يرى أن هؤلاء هم الذين يفعلون هذه الأمور، وهذا من الشرك الذي في الربوبية والألوهية، لكن من يعتقد أن التصرف من الله، يقول: «لا، هذا فقط هؤلاء الذين عرفوا العلم»، معنى: تعلموا، فتجد أنهم لا يستطيعون يقولون: «لا، هذا الولي هو الذي يفعل مثل هذا»، لا يقولون هذا، من المجاز العقلي، معنى: هذا العبد يدعو هذا الولي، وهذا الولي بالنسبة لمعرفته بالله وكذا يدعو الله، معنى: ما يقول له: يدعو الله، لا، خلاص هو يفهم: يدعوه فقط. هذا يقولون: «مجاز عقلي»، وهذا لو أخذنا هذا لتغيرت الألفاظ على الناس، كل واحد سيأتي بكلامه، يقول: «هذا مجاز عقلي»، لكن الواقع خلاف هذا، هذا الذي يدعو هذا القبر أو يدعو هذا الولي، هل يدعوه لأجل أنه يدعو الله؟ لا، يدعوه لأجل أنه يريده منه، يريده منه، حتى لو أنه مثلا يريده منه أن يدعو الله، فهو أيضا كذلك: أراد منه شيء، ودعاه لأجل هذا الشيء، وهو غائب، من أين يسمعك؟ من أين يدرك أنك تدعوه؟ فهذا أيضا يدخل في شرك الربوبية، شرك الأفعال، وهو أعظم، فلهذا كما قال العلماء: أن هؤلاء الذين يدعون الله عز وجل أو يدعون غير الله عز وجل من أماكن بعيدة، أشركوا في الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؛ لماذا؟ لأنهم أعطوا أفعالا من أفعال الله عز وجل لهؤلاء العبيد، وجعلوا سمعهم غير محدود كسمع الله، أنه جعلوا سمع هذا المخلوق كسمع الله عز وجل غير محدود، من أي مكان يسمع، ومن أي مكان يعلم. طيب هذا كله يدل على أن هذا القول باطل، قال: وللمسلم أن جابرا رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار»، وهذا كما قلنا: من الأمر الثاني، من الأمر الثاني، وهو تعظيم دخول النار، أو تعظيم الشرك، أكسر وأعظم، وأن مما يعظم على العبد الشرك أنه يخلد في النار، المشرك يخلد في النار، ولا يخرج منها أبدا. إنه من يشرك بالله، فمن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، خلاص مأواه الذي لا محيد عنه هو النار، فلهذا فهذا ما يعظم فيه الخوف، فالخوف كما قلنا: يعظم بالشرك من جهتين: من جهة أن أسبابه قريبة، ومن جهة أيضا تعظيم هذا الشرك وأنه عظيم جدا، ومن أكبر كبار وأظلم الظلم، وصاحبه في النار مخلد، لا تفيده شفاعات، لا صديق ولا شفيع ولا صديق حميم، ما تفيده شيء، ولو أنه افتدى بما في الأرض جميعا، كل ذلك لا يفيده. قال: فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك، وعلى السببين معا، في الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، فيه الأمرين معا، أنه يدخل في ذلك الشرك الأصغر الذي هو أقرب، معنى أقرب إلى الشخص، حتى في ألفاظه ممكن يقع في الشرك الأصغر، فلهذا فالآية الأولى فيها الأمرين معا: التخويف من الشرك؛ لأنه لا يغفره الله أبدا، وكذلك أيضا لأنه أقرب طرقه قريبة، فيخاف أن يقع فيه، يخاف أن يقع في الشرك. الثاني: أن الرياء من الشرك، أيضا هذا جعل الرياء من الشرك، فهو من الطريقة الأولى التي هي أقرب إلى العبد، فلهذا يخاف أن يقع في الشرك، أنه من الشرك الأصغر، أي: الرياء. الرابع: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين، كما جاء في حديث محمود بن الربيع. الخامسة: قرب الجنة والنار، وهذا الوسائل، الوسائل، وسائل الجنة قريبة، وسائل النار قريبة، فلهذا يجعل الجنة قريبة كذلك. قال: السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد، وحديث عبد الله، حديث جابر بن عبد الله. السابع: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس، وقوله: «دخل الجنة» «من لقيه لا يشرك به شيئا»، وهنا «شيئا» أيضا جاءت منكرة في سياق النهي، أي: أي شرك، فإنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة. فهذا قد يحكم عليه أنه حكم دخولا أوليا؛ لأنه يأتي مصفى، وقد حقق التوحيد، أو أن المراد أنه دخولا غير أوليا، فهو الذي لم يشرك بالله عز وجل الشرك الأكبر، فهو يندخل النار، لكنه يخرج من النار ويدخل الجنة؛ لأنه معه التوحيد. قال: ثامنا: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له والي بني، وقاية عبادة الأصنام، لماذا؟ قال الشيخ: أنها مسألة عظيمة؛ لأن كيف يكون هذا النبي، وهذا الرسول الذي كسر الأصنام، وحاج المشركين وحاجهم وغلبهم في حجته، بعد ذلك يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، هل سيقع في عبادة الأصنام بعد هذا الجهد العظيم الذي بدله، وهو إمام موحدين؟ فهذا يدلك على أن الإنسان لا يأمن على نفسه من الوقوع في عبادة غير الله جل وعلا، أو الشرك بجميع أنواعه. قال: التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضِلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾، معنى: أن الإنسان يعتبر في الخوف من الوقوع - سواء كان في الشرك أو فيما هو دونه - بوقوع كثير من الناس؛ لأن البشر طباعهم واحدة، الناس طباعهم واحدة متقاربة. فما دام أن هذا الشرك قد يقع فيه كثير من الناس، فهو لا يبعد أن يقع فيه هذا الشخص الذي يحاول أنه يبتعد منه، فهو لا يبعد أن يقع فيه، كثير من الناس يقع فيه، وهذا الذي جعله يدعو الله عز وجل أن لا يقع في هذا الشرك: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضِلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾، معنى: كثير من الناس أضلهم الشيطان حتى عبدوا الأصنام، وعبدوا غير الله جل وعلا. قال: العاشر: فيه تفسير «لا إله إلا الله»، كما ذكره البخاري، معنى: أنه نفي وإثبات، نفي وإثبات، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضِلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، فالتوحيد هو عدم عبادة غير الله عز وجل، وعبادة الله سبحانه وتعالى. قال: الحادي عشر: فضيلة من سلم من الشرك، أنه يدخل الجنة، كما جاء في الحديث: «من سلم من الشرك دخل جنة الله جل وعلا».