الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المؤلف بشرح تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، موضحا أنها تقوم على ركنين أساسيين هما النفي والإثبات. التوحيد يتطلب اعتقادا وعملا صحيحين وليس مجرد قول.
يشرح الشيخ معنى التوحيد والعبادة مستندا إلى الآيات القرآنية، مبينا أن العبادة تتطلب المحبة والتعظيم مع الخوف والرجاء. التوحيد هو إثبات ونفي في آن واحد.
يشرح المقطع أهمية الكفر بما يعبد من دون الله لتحقيق معنى لا إله إلا الله، مستدلا بآيات القرآن والأحاديث النبوية على ضرورة التبرؤ من كل معبود سوى الله. يُبين أن مجرد التلفظ أو المعرفة أو الإقرار بلا إله إلا الله لا يكفي.
يُعبر النص عن عظمة وجلالة مسألة التوحيد ويشيد بوضوح البيان في قطع المنازع وتوضيح الحق. يُظهر التعظيم للأمر المطروح وأهمية البيان في توضيح معنى التوحيد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. أنا بعدما انتهى من الدعاء إلى التوحيد، وقبل ذلك أهميته وفضائله وحقيقته، الآن سيذكر ما هو تفسير هذا التوحيد، ماذا يشتمل هذا التوحيد، وما هي أركانه، وما هي الأمور التي تبين هذا التوحيد؟ قال: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، وقوله: ﴿وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. هذا الباب هو تفسير هذا التوحيد، وتفسير هذه الكلمة العظيمة: لا إله إلا الله، مبنية على النفي والإثبات، معنى ركني التوحيد: النفي والإثبات. فلهذا نفي العبادة من دون الله عز وجل، لا إله: نفي العبادة الباطلة، وإثبات الإله الحق، فالتوحيد قائم على ركنين: نفي وإثبات، أو تحلية وتخلية. فإثبات ونفي، لكن هناك في الإثبات معنى إثبات اعتقادا وعملا، لابد أن يكون هذا الإثبات اعتقادا وعملا، كما أن النفي لابد أن يكون اعتقادا وعملا. كيف عملا؟ معنى: لا يصح أن يقول الإنسان: لا يجوز أن يشرك بالله شيئا، لكن في الفعل يعبد غير الله، يصرف العبادة لغير الله. فإذا قلت له: هذا شرك، يقول: لا، هذا ليس شركا، الشرك أن تتخذ شريكا مع الله. فهذا لأنهم ما فهموا الآيات، فأراد الشيخ هنا أن يبين هذه المسألة. ولأنها حصلت في زمن الشيخ رحمه الله، أن هناك أناسا يقولون: لا يجوز الشرك، والشرك محرم، لكن ما يعرفون الشرك. قال: وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَدْعُونَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، أن هؤلاء الذين تعبدونهم هم يتقربون إلى الله بالخوف والرجاء والمحبة. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أن الله عز وجل يحذر هؤلاء، ويبين عجز هذه الآلهة التي يدعونها من دون الله. فلهذا أراد الشيخ هنا أن يبين أن تفسير التوحيد هو العبادة نفسه، معنى ما يصح به العبادة يصح به التوحيد، لأن عبادة الله وحده. فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، أولا عندهم محبة وتعظيم، ثم أيضا عندهم رجاء وخوف، فلا تتم العبادة إلا بهذه الأركان الثلاثة: محبة وتعظيم مع خوف ورجاء. وفعل العبادة يكون بالذل والمحبة، فلهذا يقول العلماء: أن العبادة من ناحية فعلها هي ذل ومحبة. هذا عبادة: ذل مع محبة وتعظيم. لأن التعبد هو التذلل. فمن باب الفعل هي الذل والذل مع المحبة والتعظيم. قال: وقوله جل وعلا: ﴿وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أن هذه الكلمة صارت في عقبه، في أولاده يدعون إليها. فالتوحيد الذي أرسل الله عز وجل به الرسل هو إثبات ونفي. فقال إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذا نفي، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إثبات العبودية لله. قالوا: قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾، هذا فيه نفي العبادة من دون الله، ولو كان من الصالحين. وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». أنا لا يكفي أن يكون يقول: لا إله إلا الله، بل لابد أن يكفر بكل ما عبد من دون الله، لابد أن يتبرأ من كل معبود من دون الله. فهذه العدلة التي ذكرها المؤلف، وبينا هذه المسألة العظيمة التي هي لابد من الكفر بما يعبد من دون الله. قالوا: منها آية الإسراء، بيّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين. ومنها آية براءة، بيّن فيها أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله». هذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له. بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، لابد أن يتبرأ من كل ما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع.