الدرس في شرح كتاب التوحيد 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الدعوة إلى توحيد الله تعالى بعد استكمال الإنسان لأمر التوحيد في نفسه، مستدلًا بآيات القرآن وأحاديث النبي. الدعوة إلى الله تكون على بصيرة كما في قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾.
كانت غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة، قادها النبي صلى الله عليه وسلم ضد يهود خيبر الذين كانوا يتآمرون ضد المسلمين. يهود خيبر كانوا من أخبث اليهود وأشدّهم مكرًا وكانوا وراء تحريض الأحزاب على المسلمين.
بعد صلح الحديبية، عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومن ثم عزم على الذهاب إلى خيبر، وكان الله قد بشره بفتحها. كما ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيعطي الراية لرجل يحب الله ورسوله.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله تعالى. يُنهي المقطع بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
فلازلنا عباد الله في هذا الباب الذي بوَّب عليه المؤلِّف رحمه الله تعالى بقوله: باب الدعاء أو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وأشار المؤلِّف رحمه الله تعالى -أو أراد أن يشير- بهذا الباب إلى أن الإنسان إذا استكمل أمر التوحيد في نفسه، فإنه أيضًا يستكمله في غيره، وذلك بدعوة الناس إليه. ثم دلَّل المؤلِّف رحمه الله تعالى على هذا الباب بقوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾، وذكرنا ما يتعلق بهذه الآية من مسائل وأحكام. ثم عرَّج المؤلِّف رحمه الله تعالى إلى ما ثبت في الصحيحين حين بعث نبينا صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله»، وفي رواية: «إلى شهادة أن لا إله إلا الله». وفي ذلك بيان إلى أن الداعية ينبغي أن يجعل من أولويات دعوته الدعاء والدعوة إلى توحيد الله جل في علاه. ثم قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: أي لا يزال المؤلِّف رحمه الله تعالى يذكر لنا الأدلة الدالة على أن الموحد ينبغي أن يحرص على الدعوة إلى توحيد الله جل في علاه. فمما يستدل به على ذلك، قال: «ولهما» -أي للبخاري ومسلم- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه. وسهل بن سعد صحابي جليل من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويُعد من صغار الصحابة. توفي نبينا عليه الصلاة والسلام وله من العمر خمس عشرة سنة، إلا أنه عُمِّر طويلًا حتى قيل: إنه قد تجاوز المئة سنة. قال سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطينا الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله». الحديث سيأتي معنى ما يتعلق بهذا الحديث أولًا. في قوله عليه الصلاة والسلام: «قال يوم خيبر»، يوم خيبر: هذه إشارة إلى الغزوة المشهورة بغزوة خيبر. فيطلق على الغزوة اسم يوم، فيقال: غزوة بدر، يوم بدر، غزوة أحد، يوم أحد، غزوة الخيبر، يوم خيبر. فيطلق على الغزوة اسم يوم، ولو استدامت عدة أيام. خيبر هي منطقة زراعية، يكثر فيها النخيل والمحاصيل من القمح ونحوه. وهي مشهورة بالنخيل، وأرض زراعية. وصفة أهلها أنهم يعيشون فيها بحصون لهم، حصون مفرقة، يحصنون فيها، ويسكنها اليهود. يهود خيبر كانت هذه أراضيهم، وهؤلاء اليهود من أخبث اليهود، ومن أشدهم مكرًا. وهم الذين هيجوا الكفار على غزوة الخندق، هيجوا الأحزاب على أن ينقضوا على مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان هؤلاء اليهود هم أهل المكر والتخطيط. ومتى وقعت هذه الواقعة وهذه الغزوة؟ أصلها في السنة السادسة من ذي القعدة. توجه نبينا صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه إلى مكة، أراد أن يعتمر، ما أراد القتال، وما أراد شيئًا. اصطحب معه الإبل، فإذ بكفار قريش -من باب الحمية- رفضوا أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. ثم بعد مفاوضات هنا وهنا جاء ما يسمى بصلح الحديبية، والذي من خلاله تم إبرام الاتفاق على وضع صلح بين الكفار والمسلمين يستمر لعشر سنوات، تقف الحروب والمعارك بينهما لعشر السنين. وأن النبي يرجع هذا العام ولا يدخل مكة، ويأتي في العام القادم. وفتح كذلك باب الانضمام من أحب أن ينضم إلى حلف المسلمين انضمت هزاعة، ومن أحب أن ينضم إلى حلف الكفار يدخل كبني بكر. فلما تمت هذه الحادثة، رجع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، استمر في ذي القعدة، ذي الحجة، في أوائل محرم من السنة السابعة. عزم نبينا على الذهاب إلى خيبر. والله عز وجل قد بشر نبينا بفتح خيبر، لأن النبي عندما رجع من مكة إثر منصرف من الحديبية وأراد المدينة، نزلت عليه تلكم الآيات: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، بشره الله عز وجل بالفتح. قال سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطينا الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله». فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله، كل ينتظر من هذا الذي ينادى عليه من بين الناس، فتسلم له الراية. قال: «فلما أصبحوا غدوا كلهم يرجو أن يعطاها»، ليس من أجل السيادة ولا من أجل القيادة، بل من أجل الفضيلة التي فيها. حتى جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال عمر: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ»، ما أحببت الإمارة لا يحبون الإمارة ولا الزعامة. قال: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ»، هذا اليوم فقط أحببت الإمارة؛ لأني إذا أعطيت الراية أعطيت هذه المناقب العظيمة أن الله ورسوله قد أحبوني. نقف إلى هذا الحد إخوانًا في الله، ثم سنواصل في درس غد في ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي تعيينه لهذا الصحابي الجليل الذي أعطاه نبينا صلى الله عليه وسلم الراية، ثم كان الفتح على يديه. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.