الدرس في شرح كتاب التوحيد 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح معنى شهادة أن لا إله إلا الله وتفسيرها، مشيرًا إلى أنها تتطلب الاعتقاد والتكلم بها والإخبار والإعلام. كما يُفسر معنى كلمة التوحيد من الناحية الإعرابية واللفظية.
يفسر المقطع معنى كلمة 'إله' وتفسير 'لا إله إلا الله' من خلال أصل الكلمة واشتقاقها اللغوي، حيث تعني 'مألوه' أو 'معبود'. يُبين أن تفسير 'لا إله إلا الله' يكون 'لا معبود إلا الله' بناءً على قواعد لغوية وصرفية وبلاغية.
يشرح معنى "لا إله إلا الله" ويصحح المفاهيم الخاطئة حولها، مؤكدًا أن معناها "لا معبود حق إلا الله". يُنتقد تفسيرات خاطئة مثل "لا إله موجود إلا الله" ويُؤكد على أهمية إفراد الله بالعبادة.
يختتم الشرح بتوضيح معنى الألوهية وعبارة «لا إله إلا الله» وتعني عدم وجود معبود حق سوى الله وحده. يُؤكد على أن الله هو المستحق للعبادة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. أشرنا إلى أن كلمة تفسير بمعنى الكشف والإيضاح، وأن هذا المقام يقوم على العلم، وهو أن تتعرف إلى معنى شهادة أن لا إله إلا الله. والشهادة قد مرت معاني مسائلها في أوائل الرسالة، وأنها تأتي بعدة معان. والخلاصة في هذا الباب أن الشهادة لا تكون شهادة إلا بثلاثة أمور. الشهادة لا تكون شهادة إلا بثلاثة أمور، تكون أولًا بالاعتقاد، بأنك تعتقد بما تشهد عليه، لا بد أن الشهادة تحتاج إلى مطابقة القول مع القلب. فمن شهد على شيء وهو لا يعتقده فهذا شهادة زور، فلا يكون الشخص شاهدًا إلا إذا اعتقد. والاعتقاد يقوم على أمرين اثنين، على العلم واليقين. إذن فالشهادة تتضمن الاعتقاد. ثانيًا التكلم بها، لا بد أن يتكلم، فالشهادة تفتقر إلى النطق. الأمر الثالث أن الشهادة تحتاج إلى الإخبار والإعلام، تحتاج إلى إخبار، أن تخبر غيرك، أن تشعر غيرك. فهذه الأمور الثلاثة بها تقام الشهادة، أن تعتقد بما تشهد به. والشهادة بهذا الشرط، بالاعتقاد يحتاج إلى علم ويقين. الثاني التكلم، الثالث الإخبار والإعلام. ومن هنا، إخواني، فلا تجد أن الشريعة إذا طلبت من مسلم أن يقول لا إله إلا الله، أن يشهد لا إله إلا الله، فتجد كلمة الشهادة دائمًا ملازمة لكلمة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فتجد أن اختيار كلمة شهادة لم تأت من فراغ، إنما تأتي عن عمد وقصد، لأن كلمة شهادة فيها لوازم، فهي ليست لفظًا فقط، بل لفظ زيادة على ذلك إخبار، زيادة على ذلك الاعتقاد مما تشهد به. قال: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ما معنى لا إله إلا الله؟ هذه الكلمة، إخواني في الله، ننظر فيها من ناحية الإعرابية، ومن ثم من ناحية اللفظ، لأن الإعراب يعتمد على معنى هذه الكلمة. فهذه الكلمة، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، عبارة عن أربع كلمات. لا إله إلا الله، لفظ الجلال جل في علاه. أما «لا»، يقول العلماء بأنها «لا» هذه نافية للجنس، نافية للجنس بأنها تنفي الإسم الذي بعدها، فـ«لا إله» تنفي الإلهية والألوهية عن أي أحد، ما هناك أحد يستحق هذا المقام، مقام الألوهية والإلهية. «لا إله» نفي تام لجميع الآلهة. فإذا انضاف إلى هذا السياق وجود «إلا»، فهذا يعطي معنى آخر زيادة على النفي، يعطيك معنى الحصر والقصر، الحصر والقصر، كأن معنى العبارة أصبح: أنه ما هناك أي أحد إلا الله، أي لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى، ففيه معنى الحصر والقصر. إذا وجدت «إلا» بعد «لا» النافية، فكأنك تقول: إنه ما ليس إله إلا الله، ما هناك أحد سواه جل في علاه. هذا ما يتعلق بـ«لا»، «لا إلهة». وكلمة «إلهة» هذا الذي ينبغي أن ننظر فيها. اختلف العلماء ما معنى «إلهة»؟ ما معنى «إلهة»؟ من نظر إلى أقوال الكثير من أهل العلم، منهم من يجد أن من أهل العلم من يرى أن كلمة «إله» بمعنى القادر على الاختراع، فيكون المعنى: لا إله إلا الله، أي لا قادر على الاختراع إلا الله. ومنهم من يقول: الإله هنا هو الغني عما سواه، المفتقر إليه كل من عداه، هذا معنى الإله. لكن تجد أن هذه المعاني التي يذكرها هؤلاء في حق من قال بأن الله هو الغني، وأن الخلائق محتاج إليه، أو أن الله هو القادر على الاختراع، تجد أنها كلها في معان تفرض الله جل وعلا بأفعاله. هل هذا هو التوحيد أصلا؟ لأن لابد أن تفسر التوحيد على المراد الذي أراده الله عز وجل. لو أن إنسانًا اعتقد بأن الله هو الخالق، بأن الله هو الرازق، بأن الله هو الغني، بأن الله جل وعلا هو القادر على الاختراع، هو القادر على الإبداع، الخالق البارئ المصور، إلى هذا الحد، هل هذا هو التوحيد؟ ألم يكن الكفار الذين بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم يصرحون بملء أفواههم بأن الله هو الخالق والرازق؟ إذا ما الذي فعلناه؟ أتينا بشيء جديد أصلا؟ سندور وسنرجع من حيث بدأنا. الكفار يقولون: يا محمد، نحن نعتقد ولئن سألتم من خلق السماوات والأرض، يقولون: الله، يعتقدون بأن الله، ويقرون بأن الله هو الخالق وهو الرازق. فأنت عندما تأتي بتعريف التوحيد وتقول: بأن لا إلهة بأنه لا قادر على الاختراع، لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، ما أتينا بشيء جديد. ولهذا من الخطأ أن نجد جماعات من الناس، من أهل الكلام، من يفسر هذه الكلمة على هذا المعنى. لكن من نظر إلى أصل الشرع واللغة، وبحثنا عن كلمة «إله» من أين ما أخذوها؟ ما أخذوها من «ألها»، «ألها يأله إلهة ألوهية». ما معنى «ألها»؟ «ألها» في لغة العرب بمعنى «عبدا»، «ألها» في لغة العرب بمعنى «عبدا». ولهذا يقول طرف من الشعراء الجاهليين، قال: وهو يمدح ذاكم العابد المتنسك: «لله در الغانيات المدهي سبحنا واسترجعنا من تألهي»، من تألهي، بمعنى من تعبدي. «ألها» بمعنى «عبدا»، «يأله» بمعنى «يعبد»، «إلهة ألوهية» بمعنى «عبادة وعبودية». فتجد أن الاشتقاق اللغوي لكلمة «ألها يأله إلهة» بمعنى «عبدا يعبد عبادة». إذن معنى «ألها» بمعنى «عبدا»، فـ«لا إلهة» هنا «إله» فعال، وزن فعال يأتي على معنى المفعولية. وهذا كثير في اللغة، مثل «فراش» بمعنى «مفروش»، «كتاب» بمعنى «مكتوب»، يقع عليه الفعل. «فراش» بمعنى وقع عليه الافتراش فهو مفروش، «كتاب» فعال بمعنى أن الكتاب وقعت عليه فهو مكتوب. و«إله» فعال بأن الإلهية والعبادة وقعت عليه فهو مألوه. فمعنى «إله» بمعنى «مألوه»، فعال بمعنى مفعول، مثل «فراش» بمعنى «مفروش»، مثل «كتاب» بمعنى «مكتوب». إذن «إله» بمعنى «مألوه»، وقد علمت أن «ألها» بمعنى «عبدا»، فيكون «إله» بمعنى «مألوه»، بمعنى «المعبود». فـ«لا إله إلا الله» تكون «لا معبود إلا الله». إذا بدأنا في إنزال الكلمات في مواضعها، «لا إله إلا الله»، «لا معبود إلا الله»، هذا يا عبد الله يفيدك. لأن أحدًا سألك: كيف تفسرون «لا إله إلا الله»؟ «لا معبود إلا الله»، من أين جئت بهذا التعريف؟ يفهم بهذه الطريقة الأمور. هناك قواعد صرفية، قواعد بلاغية، قواعد عند النحاة، قواعد في اشتقاقات اللغة، وصلنا إلى هذا التعريف. ما كان من فعل أهل السنة عندما فسروا هذه الكلمة، كلمة التوحيد، عبثًا أو أتوا بها عشوائيًا، وإنما كانت عبارة عن نسق نظر إلى المعنى اللغوي. «ألها يأله»، افتح القاموس، يا عبد الله، وتجد أن من معاني «ألها» بمعنى «عبدا». ويأتي معنى في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلٰهَتَكَ﴾، عندما قام ملأ فرعون وأرادوا أن يحرضوا فرعون على موسى، ذكروا أن من فعل موسى ماذا؟ قال: إنه ماذا يدعو؟ يدعو ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلٰهَتَكَ﴾، «وإلهتك» أي وعبادتك، لأن «ألها» بمعنى العبادة، هذا في التفسير، وفي لغة العرب. فكلمة الألوهية تدور على معنى العبودية، فلما قال كلمة التوحيد «لا إلهة»، «إلهة» قلنا هنا «فعلة» بمعنى «مفعول»، أي «إلهة» بمعنى «المألوه»، «مألوه» بمعنى «المعبود». فـ«لا إلهة إلا الله» أي «لا معبود إلا الله». هل اكتفينا؟ لا، بقي «لا إلهة إلا الله»، «لا» قلنا «نافية للجنس»، لا محل لها من الإعراب، إلا أنها تعمل عمل «إن»، تنصب الإسم وترفع الخبر، فيحتاج إلى خبر. أين خبر «لا»؟ أين خبر «لا»؟ عندي «لا إلهة»، هل ينفع أن يقول: «لا إلهة إلا الله»؟ الله جل وعلا هو الخبر؟ لا، ما يصلح شرعًا، ما يصلح «لا إلهة إلا الله» أي «لا معبود إلا الله»، هذا لا يصلح، لأن هناك كثير أشياء عبدت في الدنيا. كل معبود هو الله، على هذا التعريف، «لا إلهة إلا الله» أي «لا معبود إلا الله»، تريد أن الله هو الخبر، سيكون المعنى: أن ما يُعبد إلا الله، بمعنى المعبودات هي الله، الذي يعبد الصنم فصنم هو الله، الذي يعبد الوثن فالوثن هو الله، الذي يعبد الشجر فالشجر هو الله، سيكون هذا المعنى، وهذا المعنى باطل، فما يكون أبدًا أن تجعل لفظ الجلال «الله» هو الخبر. إذن أين الخبر؟ خبر «لا» محذوف، وقد أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: أن كثيرًا ما يكون خبر «لا» محذوفًا، وخاص إذا كان معلومًا. إذن خبر «لا» محذوف، إذا علمنا أنه محذوف، طب بماذا نقدره؟ «لا إله» ماذا؟ «الله»، «لا إله» إيش «الله»؟ هناك خبر محذوف، هناك خبر محذوف. «لا إله» أي «لا معبودة»، خبر «الله». قال العلماء: ننظر بماذا تميزت العبودية لله سبحانه وتعالى؟ الله جل وعلا اتخذناه إلها لنا، طبعًا هناك من نافسنا، هناك من عبد المسيح، هناك من عبد عزير، هناك من عبد الأصنام، هناك من عبد النار المجوس، هناك من عبد الشمس، الكل يدعون هذه آلهة، آلهة، آلهة، وإحنا كذلك نقول: ربنا هو الإله، هو الإله الذي يعبد سبحانه وتعالى. طب بماذا تتميز ربكم؟ لو تكلم معنى كافر، نقول: بأن الله يعبد لأنه له الأحقية في العبادة، وأنتم الآلهة الذي عبدتموها باطلة، ما تستحق، الذي عبد الصنم، الصنم والحجر والوثن، ما يستحق أن يعبد. إذن تجد أن عبودية الله عز وجل كانت له حق، وهذا الذي صرح به القرآن، قال ربنا جل وعلا: بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. إذن قال العلماء: فهذا هو الخبر، «لا إله إلا الله»، «لا معبود حق إلا الله»، تقول: بحق، أو تقول: بحق، كلاهما بمعنى واحد. فهكذا وصل أهل السنة والجماعة إلى هذا التعريف الذي دائمًا تسمعونه من أهل السنة، معنى «لا إله إلا الله» معناه: «لا معبود حق إلا الله». وهناك خطأ آخر كذلك، يقول بعضهم: «لا إله إلا الله»، «لا إله موجود إلا الله»، وهذا كذلك خطأ، سيكون نفس المعنى، أي ما هناك إله عبد وجد إلا هي الله، وهذا باطل، إلا إذا قال: «لا معبود حق موجود إلا الله»، نعم يمكن أن يسلم له، يمكن أن يسلم له، لكن ما في داعي، كما قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ما في داعي للإطالة، نقول: «لا إله إلا الله»، «لا معبود حق»، أو «لا معبود بحق إلا الله» جل في علاه. هكذا ينبغي يا عبد الله أن تفهم هذه الكلمة التي من أجلها أقيم الجهاد، من أجلها قسمت الخليقة إلى مسلمين وكفار، إلى مؤمنين وفجار، لأجل هذه الكلمة قام سوق الجنة والنار، ويحق الله على جميع العباد، وعليها قامت دعوة الأنبياء والرسل، وهو أن الله جل وعلا يفرد بالعبادة. ولهذا سيأتي معنا: ما من نبي ما من نبي إلا ورفع راية «لا إله إلا الله»، وذلك يظهر في دعوته: «يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، هي هي «لا إله إلا الله»، هنا المحك، هنا المحك الذي تنازعت به الأنبياء مع الأمم، وتنازع به نبينا مع قريش: «اعبدوا الله»، «اعبدوا الله»، «وحدوا الله»، «أجعل الآلهة إلها واحدًا»؟ أنكروا هذا، «نجعل الإله يعبد واحد فقط»، الإشكال كله في العبودية. فنتذهب يا عبد الله يمنة ويسرة، وتظن أن كلمة التوحيد كلها إنما إثبات أفعال الله، بأن الله هو الخالق الرازق، هنا ليس هنا، هنا مكمن الخطأ. أمم كثر تعترف بأن الله هو الخالق وهو الرازق، فهنا ليس المحك، المحك يا عبد الله في إفراد الله بالعبودية. ولهذا أول أمر جاء في المصحف، إذا قرأت الفاتحة وتمضي قراءة تدخل في سورة البقرة، أول أمر: «يا أيها الناس اعبدوا الله»، العبادة التي ينبغي أن يصرف للرب سبحانه وتعالى. فالألوهية، و«لا إله إلا الله» بمعنى «لا معبود حق»، أو بحق أن يعبد ويستحق العبادة إلا الله وحده جل في علاه. نكتفي إلى هذا الحد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.