شرح كتاب التوحيد 43

شرح كتاب التوحيد 43

الدرس في شرح كتاب التوحيد 43، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صحة حديث النهي عن لبس الحلقة والتحذير من التعلق بالخرافات

يناقش صحة حديث النهي عن لبس الحلقة لرفع البلاء، ويحذر من التعلق بالخرافات والتمائم. يبين اختلاف العلماء في تصحيح الحديث وتأكيدهم على رفض التعلق بالخرافات.

خطورة التعلق بالحبال والتمائم وأثرها على التوحيد

يشرح خطورة التعلق بالحبال والتمائم ويبين تأثيرها السلبي على التوحيد. يحذر من أن التعلق بها قد يؤدي إلى الشرك الأصغر وعقوبة الله.

وجوب إزالة النجاسة من الأجسام

يؤكد على وجوب إزالة النجاسة من الأجسام سواء كان جسم الشخص نفسه أو جسم غيره. يجب رمي النجاسة ونزعها بقوة دون تركها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلزن في هذا الباب، والذي بوَّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: "من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه". قال رحمه الله تعالى: "وعن عمران بن حسين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة". وفي رواية عند الحاكم: "أنه نفسه عمران رضي الله تعالى عنه هو الذي كان لابسًا لهذه الحلقة". جاء ذلك في رواية الحاكم: "رأى رجلاً في يده حلقة". وقلنا: والحلقة هو كل ما يتحلق بالعضو، قد يكون خيطًا، قد يكون معدنًا أو حبالًا من أوتار ونحوه. قال: "في يده حلقة من صفر"، أي من نحاس. فقال: "ما هذه؟" قال: "من الواهنة". فقال: "انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا". رواه أحمد. هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا التبويب في بيان النهي عن لبس الحلقة ونحوها. وقبل الشروع في ذكر معنى هذا الحديث وما يتعلق بمسائله، هنا النظر في صحة هذا الحديث. ذهب جماعة من أهل العلم إلى تضعيفه وإلى أنه معل، وممن ذهب إلى ذلك العلامة الألباني رحمه الله، وهكذا صاحب النهج السديد؛ لأنه من رواية الحسن عن عمران بن حسين. وبالمقابل ذهب جماعة من الأئمة إلى تحسين هذا الحديث. والنقاش في صحة هذا الحديث وتضعيفه يدور على هذه المسألة؛ لأن الحديث من طريق الحسن البصري عن عمران بن حسين عن رسول الله. الإشكال في رواية الحسن عن عمران: هل سمع منه أو لم يسمع منه؟ فعلى هذا التقعيد سينبني صحة الحديث أو تضعيفه. فمن أهل العلم من يرى أن الحسن لم يسمع من عمران بن حسين؛ إذن فالحديث عندهم منقطع. ومن ذهب إلى عدم سماع الحسن من عمران: ابن المديني رحمه الله تعالى في العلل، وذكر هذا القول عن الإمام أحمد وعن أبي حاتم: أنهم يرون أن الحسن لم يسمع من عمران؛ إذن فالحديث ضعيف. وطائفة أخرى من أهل العلم على خلاف ذلك، يرون أن الحسن قد سمع من عمران رضي الله تعالى عنه. ومن ذهب إلى ذلك: الإمام الحاكم رحمه الله تعالى، ويذكر كذلك عن البخاري: أن البخاري أثبت سماع الحسن عن عمران. والمذهب الثالث في هذه القضية: وهو التفصيل. التفصيل في رواية الحسن عن عمران. وما وجه التفصيل في ذلك؟ قال هؤلاء: أن هذه الطريق إن كانت من رواية الكوفيين، أي أهل الكوفة، يرون حديثًا ما عن الحسن عن عمران، فهذا يُحكم على السماع. وما كان من رواية البصريين، أي أهل البصرة، يرون حديثًا ما عن الحسن عن عمران عن رسول الله، فهذا يُحمل على الانقطاع. وهذا التفصيل قد ذكره الإمام الدارمي رحمه الله تعالى في تاريخه، وينسب كذلك إلى ابن معين: أن ابن معين رحمه الله يرى هذا التفصيل. فمن خلال هذا النظر إلى اختلاف العلماء في رواية الحسن عن عمران رضي الله تعالى عنه، تجد أن المسألة فيها نظر، تحتاج إلى نظر. فالجزم بضعف الحديث نتأنى فيه. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذا الحديث له شواهد، إما شواهد بلفظه، وإما شواهد تؤيد المعنى. ولهذا كان من ترجيح العلماء والمشايخ: أن هذا الحديث ينهض للحسن. وكان شيخنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر مرعي حفظه الله في تدريسه لهذا الكتاب، كان يميل إلى تحسين الحديث لهذه الشواهد الذي سمعتموها. وأننا لا نتجاسر على الجزم بضعف الحديث. نعم، مسألة خلافية بين العلماء في حكم هذا الحديث. لكن ما سمعناه من اختلاف العلماء أولاً، زد على ذلك ما كان من الشواهد التي تتوالى إلى معنى الحديث وإلى لفظه، فإنها تنهض بالحجية. فأقل ما يقال في هذا الحديث: أنه حسن. هذا ما يتعلق، إخواني في الله، في الحكم على الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام، عندما رأى هذا الرجل -سواء كان عمران كما جاء عند الحاكم، أو عن غيره- أن النبي رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذا؟" إما يحمل أن هذا الخطاب من رسول الله للرجل من باب الإنكار، وهذا ما يسمى بسؤال إنكاري، استفهام إنكاري. أو يحمل أن هذا الكلام من رسول الله استفهام تفصيلي، يريد أن يستفصل نبينا عن هذا المعذق في يد هذا الرجل: "ما هذا؟" فيحمل على أن هذا إما سؤال استفهام إنكاري، أو استفهام تفصيلي. ولعل الثاني هو الأوجه؛ لأن الصحابي أجاب، قال: "يا رسول الله، إنها من الواهنة". أجاب، فدل على أن النبي أراد أن يستفهم. وفيه دلالة، إخواني في الله، على أنك يا عبد الله في مقام إنكار المنكر، تأكد، لا تتعجل، لا تتعجل في مسألة إنكار المنكر، تأنى في أقوالك، في أفعالك، لا تستعجل. ولهذا يذكر في هذا المقام عن بعض الدعاة قصة عن رجل: أنه نظر إلى شخص ما فرأى شيئًا يدعو إلى شيء، فذهب حسيه. ومقصود أن هذا الرجل قد علق تميمة، أو علق شيء من الخرز، فأشار إلى جذبها، فنهاه صاحبه. فإذا بها سماعة سمعية قد جعلها مريض في أذنه. فأحيانًا تحتاج إلى تأكد. فلهذا نبينا قال: "ما هذا؟" استفهم من هذا المعلق في جسد هذا الصحابي. فقال الرجل: "يا رسول الله، من الواهنة". الأصل أن الوهن هو الضعف في اللغة، الوهن بمعنى الضعف. ثم أخذ يطلق على المرض؛ لأن من آثار المرض أن يصيبك بالوهن والضعف والتعب. فقال: "يا رسول الله، من الوهن". فقال العلماء: "الواهنة" هو عبارة عن مرض يصاب به المرء، فيكون ماذا؟ تعب، يصاب بالتعب، يصاب بالإرهاق. فكانوا يتعالجون بهذه التعلقات. وقيل: "إن الواهنة" عبارة عن مرض يكون في المنكب. وقيل: في العضد، في المنكب أو العضد. وهذا أكثر ما يكون عند الرجال، أكثر ما يكون عند الرجال دون النساء. قال: "إنه يكون من أجل العمل". الرجل الذي يعمل ويشتغل بيده، فإن هذا المرض يصيب -عبارة عن عرق- يصاب به، فتصاب اليد كلها بهذا المرض، فلا يستطيع أن يحركها. فكان العربي في الجاهلية إذا أراد أن يتعالج من هذه العلة -الواهنة- وهو من هذا العرق الذي يصيب اليد، إما برقى، وإما بخرز، بخرز يجعل شيء على معصمه، على عضده، على منكبه -حبل، خيط، وتر-. وهذا الذي فعله هذا الصحابي: أن جعل هذه الحلقة -الحلقة من صفر، من نحاس- من نحاس، علقها طلبًا للعلاج. فقال: "يا رسول الله، من الواهنة". وهذا لا يزال موجودًا، هذا لا يزال موجودًا في بلادنا، وفي بعض القرى والأنحاء. تجد تذهب إلى بعض القرى، فتنظر إلى صبيانهم، فتجد أن الصبي قد علقت عليه خيوط في عضده، في يده. وكذلك في الدول النائية البعيدة عن العلم، كما ذكر لي في بلاد أفريقيا: أن هناك محلات تبيع هذه الخيوط بمقاييس، على حسب المقياس يعطونك شيء من هذه الخرز. وكل ذلك من الدجل. فقال عليه الصلاة والسلام: "انزعها". النزع هو الجذب بقوة، هو الجذب بقوة. فهذا أولاً أمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وتأمل إلى هذا الأمر: ما أمره نبينا ماذا؟ أن يفكها، بل جذب، أن ينزعها بقوة وشدة. لماذا؟ حتى ينتزع من هذا النزع ما كان في القلب من التعلق، ما كان في القلب من التعلق. وقد أشرنا في درس أمس: كيف أن هذه الخيوط، وإن كانت في الظاهر تتعلق، لكنها قد تعلقت أولاً بالقلوب. فصاحبها متعلق بها، ما ينام إلا بها. بل إذا افتقد هذا الخيط، لو ربما افتقد الحياة، فلا يحس براحة، ولا يشعر بالاطمئنان حتى يعلق هذه التعلقات. فحينها يطمئن. فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بجذبها، قال: "انزعها". وفيه إشارة إلى الأمر بالتوحيد، وأنه لا هوادة في هذا الباب. لا تستخف، يا عبد الله، بصور الشر. كل ما يضاد التوحيد -سواء كان ما يضاد أصله، أو ما يضاد كماله- ينبغي أن يمنع. فنبينا صلى الله عليه وسلم ما عذره لهذا العذر: أنه يطلب العلاج. قال: "انزعها". وقد مر معنا أن هذا لا يجوز؛ فإن ذلك ليس من الأسباب الشرعية. قال: "انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا". أي أن ضررها وما ضرت، هذه الحبال والخيط أعظم من نفعها، أعظم من نفعها. ماذا عساك أن تنتفع؟ مع التنبيه، إخواني في الله، صحيحة، لا نكذب: أن من الناس بل ربما إذا علق شيء من هذه التعلقات، يجد شيء من الراحة، يجد شيء من الصحة. لكن هذه حالة نفسية، هذه حالة نفسية، ليس للحبال أثر. لو ربما يقول: قد يقول قائل: "يا أخي، أنا والله أجد تعبًا، وأجد نكدًا، وأجد مرضًا، وأجد همًا. لكن لما آتي بهذه التميمة، وبهذه الخرازات التي ورثتها عن أبي وعن جدي، ومن آلي بيتي، وألبسها، أجد راحة". ونعم، الراحة موجودة. لكن الراحة من أين؟ عامل نفسي، هذا عامل نفسي، ليس من أثر هذا الخيط. وأخواني، سيأتي المسألة في باب الرقى. تجد أن من الناس من لا يجد الراحة في الرقية إلا من فلان فقط. وأنا أذكر شخصًا من القرى أخبرني بهذا. قال: "هناك مريض يمرض، إذا أتاه أهل القرية -فلان وفلان وفلان- يقول: "لا، لا، لا، فلان يؤتوني به". قال: "فيتصلون عليه". قال: "فأخذ التليفون: أين مريضكم؟ يقول: فلان، كيف حالك؟ بسم الله الرحمن الرحيم". قال: "فاتح". قال: "الحمد لله، يشهد بخير". بخير، من أين جاء الخير؟ حال نفسية فقط، شعور نفسي، ليس الأمر علاقة بالرقية التي قرئت، ولا بتلك الحبال التي علقت عند أصحابها. ولهذا قد مر معنا، إخواني في الله، أن الأسباب إن إما أن تكون شرعية، وإما أن تكون كونية قدرية. علمت بالتجربة، واشترط العلماء في هذه التجربة: أن يكون أثرها واضحًا جليًا مباشرًا. لماذا هذه الشروط في السبب الكوني القدري؟ إذا استخدمت علاجًا، دواء، أي علاج تستخدمه، أي وسيلة تستخدمها، لابد أن يكون الأثر فيها واضحًا جليًا. قال: "إخراج العامل النفسي، العامل النفسي ليس سببًا". فمن لبس الخيوط أو التمائم، أو تعلق بشيء من هذه التعلقات، ثم ادعى أنه يشعر براحة، قد لا نكذب ونصدقه. لكن اعلم، يا عبد الله، أن هذه الراحة وما تجده من غاية ما كان من هذا الأثر، وإنما لعامل نفسي كان في قلبك. فشهد من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنزعها، قال: "انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت ما أفلحت". لو مت، أي ميت على هذه الحالة من غير توبة. فأين يأتيك الفلاح؟ والفلاح والظفر والفوز: الفلاح والظفر والفوز. فما الذي يعنيه نبينا صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل بقوله: "لو مت ما أفلحت؟" قال العلماء: "الفلاح هنا على أحد معنيين". إما أنك ما أفلحت أبدًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إذ أنك لن تدخل الجنة. هذا متى؟ إذا اعتقد الرجل في هذا الخيط، أو في هذا النحاس، أو في هذا الذي تعلق به، اعتقد أنه هو المؤثر، وهو الشافي، وهو النافع، وهو الضار؛ لأنه قد جعل مع الله ندًا. هذا ما يفلح أبدًا، وهذا في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها؛ لأنه جعل مع الله الند في ربوبيته. وعلى المعنى الثاني: "ما أفلحت أبدًا"، أي أنك لن تفلح الفلاحة الكاملة؛ إذ أنك عرضة لعذاب الله. هذا في حق من؟ هذا في حق الذي يقول: "بأن الله هو الشافي، وأن الله هو النافع الضار". لكن اعتقد أن هذا سبب. وقد مر معنى أن هذا ليس من الأسباب -لا من الأسباب التي دل عليها الشرع، ولا من الأسباب التي دلت عليها التجربة والواقع-؛ إذ أن هذا من الدجل. فكونك تجعل لنفسك شريكًا مع الله، بأن تجعل لنفسك أسبابًا وهي ليست أسبابًا، هذا من الشرك الأصغر. ومن مات على الشرك الأصغر، فهو معرض لعقوبة الله جل في علاه. إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. لكنه معرض للعقوبة. فإن فلاحه إذن لا يكمل. فقول نبينا لهذا الرجل: "إنك لو مت ما أفلحت"، إذن يحمل الفلاح إما على الفلاح، عدم الفلاح بالكلية، إذا اعتقد فيها النفع والضر. أو عدم الفلاح الكامل، إذا اعتقد أنها سبب من الأسباب. الشاهد من هذا، إخواني في الله، ومن هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى: أن تعلم خطورة هذه الأشياء التي يعلقها الإنسان في جسده. وأن حقها أن ترمى، وأن تنزع، وأن تأخذ بقوة، ولا تترك -لا في جسد نفسه، ولا في جسد غيره-. هذا ما يذكر في هذا المقام. وأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.