شرح العقيدة الواسطية 48

شرح العقيدة الواسطية 48

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 48، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في علو الله ومعيته

يبدأ شيخ الإسلام رحمه الله بتوضيح معنى علو الله فوق عرشه ومعيته لخلقه، مستدلاً بالقرآن الكريم ويبين ثبوت الإيمان بذلك بالكتاب والسنة والإجماع. يُظهر أن المعية لا تعني الاختلاط بالخلق.

تفصيل معنى المعية والبائن

يشرح المقطع معنى "بائن" في وصف الله بأنه منفصل عن خلقه، ويوضح أقسام معية الله: العامة بمعنى الإحاطة والعلم، والخاصة بمعنى التأييد والنصرة، مع الرد على الفرق الضالة التي تنكر علو الله.

تفسير المعية الإلهية عند أهل السنة

يناقش معنى المعية الإلهية ويحذر من التعبير بأن الله معنا "بذاته" لما فيه من لبس قد يفهم منه الحلولية، ويُفضل التعبير بأن الله معنا "حقيقة" بعلمه وإحاطته وقدرته.

ختام المحاضرة وتأكيد على الدرس القادم

يختتم الشيخ المحاضرة لانتهاء الوقت ويعد بالحديث عن فقرة أخرى في الدرس القادم، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، وقفنا عند عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ونعيدها حتى نذكر ما فيها من مسائل وفوائد. قال رحمه الله تعالى: «وقد دخل فيما ذكرنا من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. وليس معنى قوله: ﴿وهو معكم﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله ومن أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. وهو سبحانه فوق عرشه رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله في السماء أن السماء تضله أو تقله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان. فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره». طبعًا هذه الفقرة إخواني في الله، وما يتعلق بأفرادها مما مر معنا، وإنما هذه إعادة صياغة نسميها إعادة صياغة ما مر معنا. يعيده يعيد الصياغة مرة أخرى لماذا؟ لماذا أعاد رحمه الله تعالى مبحث هذا الذي قد مضى ذكره؟ إما أنه أراد أن يدفع توهم التعارض بين صفتي العلو والمعية. يريد شيخ الإسلام رحمه الله أن يدفع توهم التعارض الذي يقع بين إثبات صفتي العلم والمعية في آن واحد. كيف يكون عاليًا ومعنا؟ فأعاد رحمه الله تعالى الترتيب هذه الفقرة لرفع التوهم. وكذلك من فائدة إعادة صياغته أنه أراد رحمه الله تعالى أن يأتي بالفهم الصحيح لهذه المسألة، لدفع التعارض ودفع عدم الفهم الصحيح لهذه المسألة. دفع التعارض فأعاد الصياغة، أو لوجود عدم الفهم الصحيح فأعاد رحمه الله تعالى صياغة هذه المسألة. هذه الفقرة إخواني في الله اجتمعت على عدة أمور. الأمر الأول أن علو الله سبحانه وتعالى ثابت، كما أشار رحمه الله تعالى الإيمان بما أخبر في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع. ففيه إبانة على علو الله أنه مما دل عليه القرآن والسنة والإجماع. وهذا قد مر معنا. كذلك في هذه الفقرة بيان على أن الله عز وجل في علوه مستوٍ على عرشه. وقد دلت على ذلك أدلة القرآن والسنة والإجماع السلف. وأن علوه يليق بجلاله. قوله رحمه الله تعالى: «من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن على خلقه». هذه الكلمة «بائن» هي من العبارات والإصطلاحات التي اصطلح عليها أهل السنة. يذكرون هذا في وصف الله بأن الله بائن عن خلقه. ما المراد من هذه الكلمة؟ المراد أن الله ليس حالاً في مخلوقاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته». إذن، هذا الذي نحب أن نفهمه في الفقرة عندما وصف شيخ الإسلام ربه عز وجل، وخاصة في قضية الاستواء والعلو وعلاقته بالمعية، بأن الله بائن من خلقه. والبينونة المراد منها عدم الاتصال في مسألة الحلولية. فليس الله حالاً في أحد مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته في ذات الله سبحانه وتعالى. كذلك في هذه الفقرة إثبات لمعية الله، وإثبات لصفة المعية. وقد أشرنا أن معية الله تنقسم إلى قسمين. هذا قد مر مضى معنا، لكن نذكر هذا من باب إيضاح الفقرة فقط. في هذه الفقرة إثبات لصفة المعية لله، وأن معية الله تنقسم إلى قسمين: إلى معية عامة وهي بمعنى الإحاطة والعلم، وهذه تكون لجميع خلقه، وهي بهذا الاعتبار تكون صفة ذاتية. والنوع الآخر من المعية معية خاصة، والتي هي بمعنى التأييد والنصرة. فارقوا بين أنواع المعيات. المعية العامة بمعنى الإحاطة والعلم وتشمل جميع الخلق، وهي صفة ذاتية. المعية الخاصة تختلف، تأتي بمعنى التأييد والنصرة، وهي تخص أولياءه، ويدخل في الولاية أهل الصلاح والأنبياء والرسل، كل ولي لله. وهي بهذا الاعتبار صفة فعلية. كذلكم هذه المساقة قد مضت معنا. وأيضًا في الفقرة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآية التي جمعت بين صفتي العلو والمعية. المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في هذه الفقرة الآية التي جمعت بين العلو وبين المعية. وفي ذلك إشارة منه رحمه الله تعالى أن الذي ليس بإمكان المخلوق فعله لا يقاس عليه الخالق. يستفاد إخواني في الله أن التعارض الذي ينقض في كثير من الناس، بل للأسف أقولها حتى للفرق الضالة، أشاعرة، ماتريدية، كلابية، وهم يقولون: كيف يكون الله في العلو ومعنا؟ نقول: لا تستشكل يا عبد الله، الله على كل شيء قدير. ومع أن الدلالة العقلية كما أشار شيخ الإسلام ما فيها تعارض. قال رحمه الله تعالى: «وأنه معنى حق على حقيقته». هذا والتعبير الصحيح الوارد الثابت عن شيخ الإسلام من أن الله سبحانه وتعالى معنى. هل بذاته أم بحقيقته؟ هنا عبارة لأهل السنة في هذا الباب، منهم من عبر بذاته، ومنهم من عبر بحقيقته. فرق بين الفئتين اثنتين: أنا تكلمت عن الفرقة الأولى عن من أنكر العلو وقال بأن الله معنى بذاته في كل مكان، مع إنكاره للعلو. هؤلاء ظلال، قولهم باطل يؤدي إلى الحلول الاتحادية. لكن نأتي إلى من هو من أهل السنة، من يقول بأن الله في علوه وهو معنى بذاته، نعم هذا قول، قال به جماعة من أهل السنة. انتبه للفرقة الثانية، لا تخلط بين الفرق. الفرقة الأولى من الأشاعرة والما تريدية ويدخل في ذلك الجهمية وعامة الحلولية، بأن الله ليس على العرش، ليس هناك علو، والله في كل مكان، قولهم باطل. نأتي إلى أهل السنة، نعم يقولون بأن الله سبحانه مستوٍ على عرشه، وهو معنى بذاته. هذا القول وإن قال به أهل السنة، بل من أهل العلم من يعبر بهذا التعبير، لكن يقال: الأفضل والأولى والأحرى والأصوب الترك. ترك مثل هذه العبارة لا تقول بهذا، لا تقول بأن الله معنى بذاته. لماذا؟ نقول لهذا القائل: إن كان اعتمادك على عبارة شيخ الإسلام رحمه الله، فالشيخ الإسلام ما عبر بهذا، بماذا عبر؟ قال رحمه الله تعالى: «وأنه معنى حق على حقيقته». ما قال «بذاته». وفرق بين الحقيقة والذات. فإذا كنت يا عبد الله يا من ينتسب للعلم والفكر ومن أهله، وأردت أنك تقتبس من كلام شيخ الإسلام، إذن وجد من أهل العلم من قال بهذا. فلما طُولب من قال بهذا، أخذ يستدل بكلام شيخ الإسلام. لكن شيخ الإسلام ما قال «بذاته»، ما عبر بالذات، وإنما قال: «الله معنى على حقيقته». وهذا الصحيح، وهذا الذي عليه أهل السنة. أن الله مع استواء على عرشه فهو معنى حقيقة، معنى بعلمه وقدرته وإحاطته. والأمر الثاني الذي نرى أن هذا التعبير يترك، أن فيه مدخلًا للمبتدعة. مدخلًا للمبتدعة الذي قد مضى ذكرهم. لا نقول: لا، استغفر الله، أن هذا العالم قال بقول الحلولية، لا حاشاه. فرق كما بين السماء والأرض. أولئك أنكروا علو الله، وهذا أثبت علو الله، لكن هذا من باب التأكيد على صفة المعية. يقال: التعبير بالذات ألا أفضل الترك؟ لماذا؟ لما يقع فيها اللبس مع الفرق الذي قد تم الرد عليهم، يقولون بأن الله معنى في كل مكان بذاته. فلحصول اللبس يترك هذا اللفظ. ولهذا من أراد أن يعبر عن معية الله عز وجل فليعبر بما عبر عنه شيخ الإسلام، بأن الله مستوٍ على عرشه، وأنه معنى حقيقة، حقيقة بماذا؟ بعلمه وإحاطته وقدرته سبحانه وتعالى. ومما يدل كذلك على أن الله معنى حقيقة، وأن الله محيط بخلقه، أدلّة كثيرة، منها ما جاء في قول عليه الصلاة والسلام في دعاء السفر: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل». من الذي معنا في السفر؟ هو الله. ومن الذي يخلفنا في أهلينا في ديارنا؟ هو الله سبحانه وتعالى. فالله معنا معنا بإحاطته وعلمه وقدرته جل وعلا، فهو مطلع على خلقه، لا يعزب عنه شيء، فهو معك يا عبد الله في حال سفرك، وكذلك مع من خلفتهم في ديارك، ولو طالت المدة أو بعدت الشقة. فهذا يدلك على أن الله معنا سبحانه وتعالى حقيقة. وأما التعبير بالذات كما قلنا يترك، وإن قال بهذا جماعة من أهل العلم، لكن الأفضل ترك ذلك. وقد تم توجيه من أهل العلم بحق من قال: أن الله معنا بذاته، وأن هذا ما ينبغي، وأن هذا يترك، وأن هذا يوهم كذا وكذا. نقف إلى هذا الحد إخواني في الله لانتهاء الوقت، وإن شاء الله نتكلم فيما يأتي بإذن الله حول فقرة أخرى كذلك فيها جمع لشتات الباب. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.