الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 22، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ذهب إبراهيم عليه السلام بهاجر وابنها إسماعيل إلى مكة بوحي من الله وتركهما مع قليل من الماء والتمر، ثم دعا ربه أن يجعل ذريته مقيمي الصلاة ويرزقهم من الثمرات. سعت هاجر بين الصفا والمروة بحثاً عن الماء بعد نفاد الزاد متوكلة على الله قائلة: "إذن لا يضيعنا الله".
سعت هاجر سبع مرات بين الصفا والمروة خوفاً على ابنها حتى نبع ماء زمزم بموضع قدم الملك، فجمعت الماء وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركته لكان عيناً معيناً. نزلت قبيلة جرهم وسكنوا عندها، شب إسماعيل وتزوج منهم، وماتت هاجر، ثم زار إبراهيم امرأة إسماعيل في غيابه وأمرها بتغيير عتبة بابها دلالة على الطلاق لسوء خلقها.
اختبر إبراهيم زوجتي إسماعيل فأمر بطلاق الأولى لعدم صبرها وقناعتها، وأبقى على الثانية لصلاحها وشكرها، ثم بنيا الكعبة معاً متضرعين بالقبول. أمر الله إبراهيم بالأذان في الناس بالحج، وبقي مقام إبراهيم شاهداً على بنائه، وقد أخره عمر بن الخطاب لتخفيف الزحام.
أعلن المتحدث عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس مع وعد باستكماله في جلسة قادمة، وكرر ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام المقطع.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فلا يزال المؤلف رحمه الله في سياق ذكره لأحداث قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام. انتهينا في الدرس الماضي من ذكر ذلكم الفصل الذي ذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى ذهاب إبراهيم مع سارة إلى مصر، وما وقع لسارة من ذلكم الأمر الذي وقع لها مع ذلكم الملك الجبار، فعصمها الله عز وجل ونجاها من بطشه وكيده. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "فذهب بها" أي بهاجر؛ لأن هاجر أخدمها ذلكم الملك سارة، أي أعطاها إياه. فسارة عليها السلام ملكتها إبراهيم رجاء أن تلد له بولد؛ لأنها أي سارة كانت عاقرًا. فولدت هاجر لإبراهيم إسحاق، إسماعيل. فبعد ذلك وقع ما وقع بين سارة وهاجر مما يقع بين الضرائر، فاتخذت سارة أمرًا ألا وهو أن هاجر لا تساكنها في مكان أو في بيت واحد. فقال المؤلف رحمه الله: فذهب بها وبابنها إسماعيل إلى مكة، وهي في ذلك الوقت ليس فيها ساكن ولا مسكن ولا ماء ولا زرع ولا غيره، مكان فضاء لا يوجد به شيء من مقومات الحياة، لا بشر ولا ماء ولا مسكن ولا شيء. قال: وزودهما بسقاء فيه ماء وجراب فيه تمر. سقاء يعني قربة فيها ماء، وجراب فيه تمر أي مكتل أو نحوه مما يوضع فيه التمر. ووضعهما عند دوحة قريبة من محل بئر زمزم. الدوحة هي الشجرة الكبيرة، الشجرة الكبيرة. فوضعها تحت شجرة من شجر البوادي والقفار، وهذه الشجرة كانت قريبة من محل بئر زمزم قبل أن يعني ينبع وقبل أن كذلك يطلع ماءه لهاجر. ثم قفى عنهما. والمؤلفون اختصر، وإلا فحديث الذهاب بهاجر وإسماعيل إلى مكة ثابت في الصحيح، بلفظ أطول مما ذكر المؤلف. فمما ذكر في الحديث: أنه بعد أن تركها وإسماعيل عند هذه الدوحة ولّى وذهب عنها، فتبعته، قالت له: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا ماء ولا شيء؟ وهو لا يلتفت إليها في المرة الأولى، وفي المرة الثانية. ففي المرة الثالثة قالت له: آلله أمرك بهذا؟ هل الله عز وجل أمرك أن تتركنا هاهنا؟ فقال لها: نعم. فقالت: إذن لا يضيعنا الله. انظر إلى الثقة بالله عز وجل؛ طالما أن الله عز وجل أمرك بهذا، اذهب، فلا خوف علينا ولا يضيعنا الله سبحانه وتعالى. فذهب إبراهيم، فلما كان في الثنية بحيث يشرف عليهما، دعا الله. الثنية هو المكان الذي دخل منه النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وهو مكان مرتفع. فلما كان في هذا المكان ويشرف عليهما دعا الله، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]، إلى آخر الدعاء. وهذا فيه أن المؤمن لا ينسى نفسه وأهله من الدعاء. فانظر إلى عظم هذا الدعاء؛ ما دعا لهم بكثرة الأرزاق والأموال، وإنما دعا بصلاحهم: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ليعبدوك بهذه العبادة ويتقربون ويتقرب إليك بها، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ حتى يأنسوا، ثم قال: ﴿وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. وهذا فيه أيضًا أنه لا حرج على المسلم أن يدعو الله عز وجل بأمور الدنيا، لكن أولًا يدعو بأمور الآخرة، لا تقدم أمر الدنيا على الآخرة. بعض الناس إذا دعا، سواء كان في سجوده أو في الثلث الأخير من الليل أو نحو ذلك من مواطن استجابة الدعاء، يجتهد في طلب الدنيا: اللهم ارزقني، اللهم أعطني كذا من هذه الدنيا، لكن ما تجده يدعو بأمر الآخرة: بالصلاح والهداية والإيمان والاستقامة، وكذلك بالمحافظة على الصلاة والثبات عليها ونحو ذلك. فانظر إلى نبي الله إبراهيم، أول ما بدأ في الدعاء بطلب الآخرة: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال: ثم استسلمت لأمر الله، استسلمت لأمر الله: "إذن لا يضيعنا الله". وجعلت تأكل من ذلك التمر وتشرب من ذلك الماء حتى نفد، فعطشت. حتى انتهى التمر وانتهى الماء، والمكان ما فيه لا شجر تثمر ولا ماء ينبع ولا شيء. فقال: ثم عطش ولدها، فجعل يتلوى من العطش، يعني يتقلّب ويتمرج في التراب. حتى جاءت رواية: "فجعل يتلبط أو يتلبط"، يعني يتمرّغ في التراب من شدة العطش، من شدة العطش. فلا شك أنها تألمت لهذا الأمر، فاتخذت الأسباب. قال: ثم ذهبت في تلك الحال لعلها ترى أحدًا أو تجد مغيثًا. ذهبت تسعى لعل فرجًا يأتي من الله، يسخر الله لها مسافرين أو مكانًا فيه ماء أو نحو ذلك. فصعدت أذنى جبل منها وهو الصفا، الذي الآن أصبح من شعائر الحج والعمرة. هذا المرتفع الذي يبتدأ منه السعي. فكانت الصفا والمروة مرتفعين، وبينهما وادي الذي الآن يسعى فيه الحجاج والمعتمرون. فصعدت على الصفا تنظر، تنظر؛ لأن الارتفاع مظنة النظر إلى أماكن بعيدة، لعلها تنظر أحدًا بعيدًا فتذهب وتأخذ منه شيئًا من الماء، شيئًا من الماء. فصعدت أذنى جبل منها وهو الصفا، يعني أقرب جبل منها، وتطلعت فلم ترى أحدًا. تطلعت يعني نظرت من جميع الاتجاهات لعلها ترى هل أحد يغيثها. فصعدت أذنى جبل وتطلعت فلم ترى أحدًا، ثم ذهبت إلى المروة فصعدت عليه فتطلعت فلم ترى أحدًا. ثم جعلت تتردد في ذلك الموضع وهي مكروبة مضطرة مستغيثة بالله لها ولابنها، وهي تمشي وتلتفت إليه خشية السبع عليه. فإذا هبطت الوادي سعت حتى تصعد من جانبه الآخر لألا يخفى على بصرها ابنها، والفرج مع الكرب والعسر يتبعه اليسر. فلما تمت سبع مرات، تسمعت حس الملك، فبحث في الموضع الذي فيه زمزم فنبع الماء. يعني أن هاجر صعدت الصفا، نظرت، ما وجدت. في هناك مرتفع آخر وهو المروة، فنزلت من الصفا، فلما بلغت أصل الوادي سعت، والحكمة من سعيها حتى لا يغيب عنها ابنها؛ فهي تخشى أن يأتي حيوان كسبع أو أسد أو ذئب أو نحو ذلك من تلك الحيوانات المفترسة فيفترس ولدها. فكان الحكمة من سعيها في بطن الوادي حتى تسرع إلى الصعود على المروة حتى ترى ولدها. نعم، فلما ذهبت إلى صعدت على المروة نظرت لعلها تجد، لعلها تجد، نظرت في الجهة الأخرى في جهات أخرى لم ترها على الصفا، فلم تجد أحدًا. فنزلت من المروة، فلما بلغت بطن الوادي سعت حتى تصعد على الصفا. وهكذا تفعل سبع مرات. قال ابن عباس: وهو سعي للناس اليوم، وهو سعي الناس اليوم. يعني السعي الذي شرع للرجال في بطن الوادي، وهي علامات الآن موجودة، خضراء، أميال خضراء. فهذا الموضع هو الذي سعت فيه هاجر عليه السلام في بطن الوادي، في بطن الوادي بين الصفا والمروة. ففعلت ذلك سبع مرات. فلما وصلت في السابعة إلى المروة؛ لأنها ابتدأت بالصفا وانتهت بماذا؟ بالمروة. يعني من الصفا للمروة شوط، ومن المروة إلى الصفا الشوط الثاني، وهكذا الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن. فبدأت بالصفا وانتهت بماذا؟ بالمروة. فبعد ذلك سمعت كالصوت، سمعت كالصوت، فقالت: "صه"، تعني نفسها، كأنها تقول: هذا تخيل مني أن الصوت هذا مني أنا، ليس من أحد آخر. ولكنها بعد ذلك رأت ذلك الملك، فبحث في الموضع الذي فيه زمزم، قيل بجناحه وقيل بغير ذلك، فنبع الماء. نبع الماء، فجاء الفرج واليسر بعد الكرب والعسر، بعد الكرب والعسر. وكما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. فمهما اشتد الكرب فلابد له من انجلاء ومن زوال، لأن الله عز وجل وعد بذلك، وعد بذلك. وكما قال القائل: إذا لاح عسر فرج يسرا، فإنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر، قضى الله أن العسر يتبعه اليسر. ف جاء الفرج من الله عز وجل، فاشتد فرح أم إسماعيل به، وخافت أن يذهب هذا الماء وينتهي هذا الماء، فجعلت تحوضه، تحوضه يعني تجمع الماء في مكان واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أم إسماعيل، لو تركت الماء لكان عينًا معينا". نعم، جاريًا إلى يوم القيامة، أو عينًا معينا إلى يوم القيامة. فاشتد فرح أم إسماعيل به، فشربت منه وأرضعت ولدها، وحمدت وحمدت الله على هذه النعمة الكبرى، وحوطت على الماء لألا يسيح. يسيح يعني يذهب وينتهي وتشربه الأرض أو نحو ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أم إسماعيل، لو تركت ماء زمزم" أي لم تحوط، لم تحطه، "لكانت زمزم عينًا معينا". وهذا في البخاري، أي ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض، وصار ظاهرًا جاريًا على وجه الأرض، مثل بعض الأماكن الآن تجد تطلع منها يعني ينابيع تجري في الأرض، تجري في الأرض ولا تنتهي، تستمر في الجريان. قال: ثم عثر بها قبيلة من قبائل العرب يقال لهم جرهم، فنزلوا عندها، وتمت عليها النعمة. وجاء في هذا الحديث أيضًا، المؤلف اختصر، أن هذه القبيلة رأوا طائرًا عائفًا كأنه على ماء، فقالوا: عهدنا بهذا المكان ليس فيه ماء، ليس فيه ماء. فأرسلوا أحدهم كي يأتيهم بالخبر، فذهب فوجد أم إسماعيل مع ولدها وعندهم هذا النبع، هذا الماء. فنادى على قومه، فجاءوا وطلبوا منها السكنى عندها وعند ابنها، فوافقت، وكانت تحب الأنس، ولكن اشترطت عليهم أنهم ليس لهم في الماء شيء، فالماء ماءها. فوافقوا على ذلك، فجاءت هذه القبيلة وسكنوا في هذا الموضع. قال: وشب إسماعيل شابًا حسنًا، وأعجب القبيلة بأخلاقه وعلو همته وكماله. فلما بلغ صار بالغًا، تزوج منه امرأة، أي من جرهم. ففي أثناء هذه المدة ماتت أمه رضي الله عنها، أي هاجر رضي الله عنها. والتعبير "رضي الله عنها" أو "عليها السلام" هذا من باب الدعاء، وإن كان "رضي الله عنها" خاص أو أكثر ما يستخدم في الصحابة، لكن يجوز أن يستخدم في غيرهم على وجه الدعاء، وكذلك الندور. وإلا فهذا أمر أكثر ما يوصف به الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: وجاء إبراهيم بغيبة إسماعيل يتصيد، يعني جاء إبراهيم إلى هذا الموضع وقد ماتت هاجر وتزوج إسماعيل، وكان مجيئه في غياب إسماعيل، إنه راح يتصيد، يتصيد يعني يصيد صيد البر. فدخل على امرأته، أي امرأة إسماعيل، فسألها عن زوجها وعن عيشهم، ولم يقل لها: أنا أبو إسماعيل، وإنما سأل: أين زوجة إسماعيل؟ قال له: هذه. فسألها عن عيشهم: كيف عيشكم؟ فأخبرته أن زوجها قد ذهب يتصيد، وأن عيشهم عيش شدة، يعني ما عندها صبر وقناعة. فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، قولي له: يغير عتبة بابه. فكان بتغيير زوجته، لزوجة إسماعيل، بعتبة الباب. وهذا فيه كما تقدم، المعارض لا تفهم، لا تفهم هذه المرأة مقصده، فعبر بتغييرها بعتبة الباب لأنها امرأة غير صالحة، ما عندها صبر وما عندها قناعة. قال: ورجع من فوره لحكمة أرادها الله، يعني رجع إبراهيم ولم يلتقي بولده. فلما جاء إسماعيل، كأنه آنس شيئًا، يعني تفرس وشعر أن شيء وقع في غيابه، فسأل امرأته، فأخبرته أنه جاءهم شيخ بهذا الوصف، وأنه سأل عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا، وسألنا عن عيشنا، فأخبرته إنا في شدة، وأنه يقرأ عليك السلام ويقول لك: غير عتبة بابك. فقال: ذاك أبي، وأنت العتبة، الحقي بأهلك، يعني طلقها. ثم تزوج إسماعيل غيرها. قال: ثم جاء إبراهيم مرة أخرى، وإسماعيل أيضًا في الصيد، بعد فترة جاء مرة أخرى، فدخل على امرأته، فسألها عن إسماعيل فأخبرته، وسألها عن عيشهم فأخبرته أنهم في نعمة وخير، امرأة صابرة، امرأة قانعة، امرأة صالحة، وكانت امرأة طيبة شاكرة لله، شاكرة لزوجها. وهذا فيه أن المسلم ينبغي عليه أن يختار الزوجة الصالحة القانعة الصابرة الشاكرة، وإلا لو تزوج امرأة عامية أو غير شاكرة وصابرة لأتعبته، فلو أحسن إليها الدهر كله لقالت له: ما رأيت منك خيرا قط، ما رأيت منك خيرا قط. فيحذر المسلم من ذلك. قال: ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقري عليه السلام، وقول له: يثبت عتبة بابه. يثبت، يبقي هذه العتبة، هذه الزوجة الصالحة. نعم. قال: ثم رجع أيضًا من فوره قبل مواجهة إسماعيل لحكمة أرادها الله تعالى، يعني مرة ثالثة. فلما رجع إسماعيل من صيده، قال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: جاءنا شيخ بهذا الوصف. فقال: هل قال لكم من شيء؟ فقالت: سألنا عنك فأخبرته، وسألنا عن عيشنا فأخبرته إنا في نعمة، وأثنيت على الله. فقال: فما قال؟ قالت: هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. فقال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم عاد إبراهيم المرة الثالثة، فوجد إسماعيل يبري نبلا عند زمزم، يعني يصلح هذا النبل. فلما رآه قام إليه، فصنع كما يصنع الوالد الشفيق والولد الشفيق، يعني تحاضن وتعانق. فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا يكون معبدًا للخلق إلى يوم القيامة، وهو البيت الحرام، البيت الحرام. قال: سأعينك على ذلك. فجعلا يرفعان القواعد من البيت، القواعد يعني الأساس. إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، يناوله الحجارة يعني يعينه بمناولته الحجارة، وإبراهيم يبني ذلك البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. يقول الشيخ ابن باز رحمه الله وهو يبكي، عليه رحمة الله: انظر إلى هذين النبيين، يأمرهم الله عز وجل ببناء بيته وبهذا العمل الصالح، ومع هذا يخافان أن الله عز وجل لم يتقبل منهما هذه الطاعة، فقالا: ربنا تقبل منا، ربنا تقبل منا. فكيف بالعبد الذي لم يؤمر من الله أمرا خاصا بعبادة ما، أليس هو أحرى وأحق أن يدعو الله عز وجل أن يتقبل منه؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]. قال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]. هذا عند البناء، ما كانوا ينشدون، ولا مع أن يجوز ذلك، لكن كانوا يتضرعون إلى الله بالدعاء وكذلك التضرع ونحو ذلك. ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]. قال: فلما تم بنيانه، وتم للخليل هذا الأثر الجليل، والله عز وجل جعل علامة إلى يومنا هذا تدل على بناء إبراهيم لهذا البيت، وهو ذلك المقام الذي فيه أثر رجله عليه السلام. فلما بدأ في البناء وبدأ البناء يرتفع عليه، أتى بهذا المقام حتى يصعد عليه ويرفع من البناء، يرفع من البناء. قد يقول قائل: المقام الآن بعيد من البيت، بعيد، ليس هو قريب. فيقال: كان قريبًا ثم أبعده عمر، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لأنه صار في القرب من البيت ازدحام بسبب الصلاة خلف المقام، بقول عز وجل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]. فأخر هذا المقام إلى ما هو موجود في هذا الزمان. الآن تجد المقام ليس بالقرب من البيت، بينه وبين البيت مسافة، بينه وبين البيت مسافة. وهذا الأمر تم فيما بعد، وإلا كان في أول الأمر كان هذا المقام في موضعه الذي بنى عليه إبراهيم البيت، بنى عليه إبراهيم البيت. قال: فلما تم بنيانه، وتم للخليل هذا الأثر الجليل، أمره الله أن يدعو الناس ويؤذن فيهم بحج هذا البيت. وأذن في الناس بالحج: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]. قال: فجعل يدعو الناس وهم يفيدون إلى هذا البيت من كل فج عميق، ليشهدوا منافع دنياهم وأخراهم، ويسعدوا، ويزول عنهم شقاؤهم. وهذا والله تجده محققًا في من يذهب إلى ذلكم البيت، يذهب إلى ذلكم البيت، فتجد الأفئدة تهوى الذهاب إلى ذلكم البيت ببركة دعاء نبي الله إبراهيم، وهو القائل: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾، تهوي إليهم. وهكذا ما في ذلكم البيت من المنافع الدينية والدنيوية، والدنيوية، وما فيه من البركة، وما فيه من كذلك الأمن والأمان، ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97]. وكم من المنافع والمقاصد التي يعني تحدث وتحصل للذهاب إلى ذلكم البيت. طيب، نكتفي بهذا ونكمل إن شاء الله ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر