الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 114، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن التوكل فريضة وشرط من شروط الإيمان، مستعرضاً الآيات الدالة عليه وعظمة قول "حسبنا الله ونعم الوكيل". كما يبين كيف يزيد التوكل الإيمان عند الشدائد وينبه إلى رواية ابن عباس عن بني إسرائيل.
يعرض المقطع قاعدة التعامل مع أخبار بني إسرائيل، ثم يشرح باب "أمن مكر الله" مبيناً أن المؤمن يسير بين الخوف والرجاء كجناحي طير. ويحذر من الاغترار بالنعم مع المعصية لأنها قد تكون استدراجاً، مستدلاً بآيات الاستدراج والأخذ بغتة.
يفسر المقطع آيتين: الأولى تحذر من الأمن من مكر الله عند كفر النعم، والثانية تنهى عن القنوط من رحمة الله حتى مع كثرة الذنوب. ويبين أن القنوط طعن في قدرة الله ورحمته، وأن التوبة الصادقة تمحو السيئات وتبدلها حسنات.
يعلن المعلم انتهاء الدرس الحالي ويؤكد أنه سيكمل الباب في الدرس القادم. يختم الجلسة بدعاء بالتوفيق والاستمرار في طلب العلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، في باب: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: المسألة الأولى: أن التوكل من الفرائض، ودليل ذلك أن الله عز وجل علق الإيمان به، كما في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. المسألة الثانية: أنه من شروط الإيمان، ويأخذ هذا من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، فمن شرط الإيمان إيمان التوكل على الله عز وجل. المسألة الثالثة: تفسير آية الأنفال، ويعني بها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾، وأخذنا معنى ذكر الله ومعنى كذلك التوكل على الله عز وجل، وما ورد في هذه الآية. المسألة الرابعة: تفسير الآية في آخرها، أي في آخر سورة الأنفال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فقوله: ﴿ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ أي يكفيك الله، وكذلك يكفي أتباعك من المؤمنين. المسألة الخامسة: تفسير آية الطلاق، ويعني بها قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾، أي فهو كافيه. المسألة السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، ويعني بها: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فلا تغفل عنها فإن شأنها عظيم، وأنها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم في الشدائد، فلك قدوة حسنة بهذين النبيين الكريمين، خليلي الرحمن سبحانه وتعالى. قال الشيخ ابن عثيمين: وفي الباب زيادة الإيمان، وأنه عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله. قوله: "زيادة الإيمان"، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾، في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾، فهذه الآية من أدلة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، والآيات في هذا الباب كثيرة. ثم قال: وأنه عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله عز وجل مع فعل الأسباب. نعم، لأن هذين النبيين الكريمين عندما ألقي في النار التجأ إلى الله، وهذا من أخذ الأسباب. من أخذ الأسباب أن من وقع في شدة أو كربة يدعو الله ويلجأ إلى الله ويوكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا من فعل الأسباب. فالأسباب قد تكون أسباباً حسية، وقد تكون أسباباً إيمانية معنوية. قالوا: أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان سبب لكفاية الله عز وجل للعبد، في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فمن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام فالله يكفيه، الله عز وجل يكفيه ويكلأه بحفظه سبحانه وتعالى. هذا يقول: آخر ما توقفنا عليه، قوله: "تنبيه". نعم، هذا في شرح الشارح. قال: "تنبيه: كون ابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل هو قول مشهور عند علماء المصطلح، لكن فيه نظر". ويريد العلماء من ذلك أن بعض الصحابة اشتهر بالتحدث عن بني إسرائيل، وذكر من أولئك ابن عباس. لكن هنا الشيخ ابن عثيمين يقول: فيه نظر، قال: فإن ابن عباس رضي الله عنه ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل. وما مناسبة هذا التنبيه في هذا الباب؟ ما مناسبة هذا التنبيه في هذا الباب؟ يقول: لماذا نبه هنا؟ نبه هنا للحديث الذي ورد عن ابن عباس: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار». فما يدري ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام قال ذلك؟ فبعضهم قال: أخذ هذا عن بني إسرائيل. ولكن يحمل هذا على أن ابن عباس أخذ هذا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يدخل في هذا الباب، لأن المراد بالتحدث عن بني إسرائيل: أي ما تلقاه الصحابة عن بني إسرائيل مباشرة. أما ما يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام فهذا لا يدخل في التحدث عن بني إسرائيل، لأنه جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كأخبار النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، هذا مما حدث به النبي عليه الصلاة والسلام. كذلك خبر ذلك الرجل الذي سمع صوتاً في سحابة: «اسقِ حديقة فلان»، وغيرها من الأحاديث التي يخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن بني إسرائيل أو عن الأمم السابقة. ثم قال: والأخبار الواردة عن بني إسرائيل، هل نصدقها أو لا؟ قال: أولاً: نصدقها إذا ورد في شرعنا أنها صدق، وهو ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما يخبر به الصحابة عن بني إسرائيل ولا تعارض شرعنا بل تصدق شرعنا وتوافقه. النوع الثاني: نكذبها إذا ورد في شرعنا أنها كذب، وأنها تخالف هذه الشريعة. النوع الثالث: نتوقف فيها إذا لم يأت في شرعنا تصديقها ولا تكذيبها، فهذا الذي لا نصدقه ولا نكذبه، لأنه ما في شرعنا ما يصدقه ولا يكذبه، فنتوقف فيه. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. هذه الأبواب: باب الخوف، وكذلك التوكل، وها هنا أردفه بهذا الباب، ويريد بهذا الباب ذم من يأمن من مكر الله، وكذلك ذم من يقنط من رحمة الله. فهذا الباب هو في الحقيقة يجمع، ينبغي للسائر أن يجمع بين الخوف والرجاء. كأنه يقول: ما مر الخوف من الله، فينبغي كذلك أن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، فيغلب الخوف على الرجاء. فيجمع السائر إلى الله بين الخوف والرجاء. فلذلك بدأ هذا الباب بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾. وهذا الباب لو عقده بعد باب الخوف مباشرة وقبل ذكر باب التوكل لكان أنسب، لأنه ذكر الخوف ثم بعده يذكر الرجاء، يذكر الرجاء وعدم تغليب الخوف عليه. فإن من معتقد أهل السنة والجماعة أن المؤمن في سيره إلى الله يكون بين الخوف والرجاء، فهو كجناحي الطير، يساوي بين الخوف والرجاء، ولا يغلب أحدهما على الآخر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحداً، أن يكون خوفه ورجاءه واحداً، وأنهما... فأيهما... فأيهما غلب فأيهما غلب هلك صاحبه. إذا غلب أحدهما على الآخر، يعني الخوف غلبه على الرجاء، أو الرجاء غلبه على الخوف، قال: هلك صاحبه، هلك صاحبه. ونص عليه الإمام أحمد، لأن من غلب خوفه رجاءه وقع في نوع من اليأس، الذي يغلب خوفه رجاءه هذا يقع في اليأس من رحمة الله. ومن غلب رجاءه خوفه وقع في نوع من الأمن، في نوع من الأمن من مكر الله. والمطلوب من المؤمن أن لا ييأس من رحمة الله، ولا يأمن من مكر الله. وخلاصة هذا الباب يدور حول هذين الأمرين. ففي هذه الآية تغليب الخوف: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾، لماذا ما يخافون من مكر الله؟ ﴿ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾، إلا القوم الخاسرون. يقول ابن عثيمين: اجتمل الباب على الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله. وهذا كما ذكرنا: من غلب الخوف على الرجاء وقع في نوع من اليأس والقنوط من رحمة الله، ومن غلب رجاءه على الخوف وقع في نوع من الأمن، فيأمن من مكر الله، فيتمادى في المعاصي والذنوب. فلذلك ابن عثيمين اجتمل الباب على الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وكلاهما طرفان قبيحان. فأراد أي المؤلف أن يجمع السائر إلى الله بين الخوف والرجاء. قالوا: يستفاد من الآية أولاً: الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد، لألا تكون استدراجاً. لأن من ينعم الله عز وجل عليه بنعمه وهو مقيم على معصية الله عز وجل لا يظن أنه في مأمن من مكر الله، ومن نزول العقوبة وإن تأخرت شيئاً. فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾. فرحوا في نعم، في أمن، في أمان، في رغد من العيش، وهم مقيمون على المعصية، فرحوا بما أوتوا، أخذناهم بغتة، أخذناهم فجأة، جاءهم أمر الله، جاءتهم العقوبة لأنهم أمنوا مكر الله عز وجل. فالآية تفيد الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد لألا تكون استدراجاً. فالمؤمن الذي يسير إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، كلما أنعم الله عز وجل عليه بنعمة زاد محبة لله وقربة له، وكثرة عبادة لله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾. إذا كفرت هذه النعمة، يعطيك من الخير وتوصل إليه الشر والمعاصي والذنوب، فهذا دليل على ذهاب هذه النعمة وزوالها. لذلك يقول الله عز وجل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾، إن شكرتم وآمنتم، فمن شكر وحقق الإيمان فإن الله عز وجل يبقي له النعمة التي هو فيها، بل ويزيده نعمًا على نعمه. فهذه الفائدة الأولى من الآية: الحذر من النعمة التي يجلبها الله للعبد لألا تكون استدراجاً. والثانية: تحريم الأمن من مكر الله، تحريم الأمن من مكر الله. فلا تأمن مكر الله، لا تقل: أنا ربي يحبني مهما عصيت، ومهما خالفت، ومهما تمرت على أحكامه وأوامره، فلم يعاقبني الله، ولم ينزل علي سخطه وعقابه. لا تقل ذلك، ولا تأمن من ذلك. نعم، فإن الله عز وجل قد أخبرنا في كتابه عن أقوام أتاهم أمر الله عز وجل، أليم أليم عقابه، بغتة وهم نائمون، وهم كذلك لا يشعرون، وهم ضحى يلعبون، كما أخبر الله عز وجل في كتابه الكريم. هذا هو مفاد هذه الآية. ثم ذكر آية أخرى، وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾. والقنوط من رحمة الله إلا الضالون، التائهون عن الحق، التائهون عن الحق. والقنوط من رحمة الله هذا مما يخالف الإيمان والتوحيد، يخالف الإيمان والتوحيد. فالاستفهام في الآية استفهام إنكاري، أي لا أحد يقنط من رحمة الله، لا أحد هنا بمعنى الإنكار والنفي، لا أحد يقنط من رحمة الله إلا الضالون، إلا الضالون. هذا معنى الآية. ويقول ابن عثيمين: المعنى أنه لا يقنط أحد، أو لا يقنط من رحمة الله إلا فاقد الهداية، التائه الذي لا يدري ما يجب لله، مع أنه سبحانه قريب، قريب الغير. والقنوط لا يجوز لأنه سوء ظن، لأنه سوء ظن بالله. لأنه أولاً: طعن في قدرته، مهما وقعت في المعاصي وفي الذنوب، ومهما أسرفت على نفسك، فالله عز وجل قادر أن يغفر لك إن صدقت في توبتك، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾. هذه الآية يقول العلماء إنها أرجى آية في القرآن. والإسراف: مجاوزة الحد، الشيء يعني أسرف على نفسه بكثرة المعاصي، فعلى كل الذنوب: الكبائر والصغائر، الظاهرة والباطنة. ومع هذا لا يقنط من رحمة الله، لا تقل: هل سيغفر الله؟ هل سيقبلني الله؟ لا تقل ذلك، اصدق مع الله وارجع إلى الله، والله عز وجل يتوب على من تاب. فالقنوط من رحمة الله فيه طعن في قدرة الله، لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئاً عليه. سمعتم قصة ذاك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل: هل لي من توبة؟ تسعة وتسعين نفساً، وهل هناك من الكبائر؟ خل الشرك أعظم من قتل النفس، ذنب عظيم، فهو لم يقتل نفساً ولا نفسين ولا ثلاث، تسعة وتسعين، ثم أتم المئة. فلما جاء إلى العالم قال: هل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ قول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾، يعني هذا قد أفسد دينه، وأفسد كذلك الأنفس المعصومة، وأفسد الأعراض بالزنى. ومع هذا يدعوه الله عز وجل إلى التوبة والرجوع: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾. فالله عز وجل لا يعجزه شيء. هذا أمر. الأمر الثاني مما يدل على أن القنوط من رحمة الله سوء ظن بالله، فهو طعن في رحمته، لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله. فالله رحيم، مهما يعني عصى الإنسان، ومهما ابتعد عن خالقه، فإذا قرب من الله وتاب إلى الله، فالله عز وجل يتوب عليه. فالآية الأولى فيها ذم من يأمن مكر الله، والآية الثانية هذه فيها ذم من يقنط من رحمة الله. فالأول فيه تغليب الخوف، والثاني فيه تغليب الرجاء، أو العكس: الأول فيه تغليب الرجاء، والثاني فيه تغليب الخوف. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم، ونكمل بقية هذا الباب في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى أعلم.