الدرس في كتاب الطهارة 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الأول حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، حيث سُئل عن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حتى آداب قضاء الحاجة، بينما يبين المقطع الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام علّم أمته كل ما يحتاجونه في دينهم.
تضمن المقطع الأول تفاصيل آداب قضاء الحاجة مثل عدم استقبال القبلة أثناء التبول أو التبرز، بينما يركز المقطع الثالث على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض طرق الاستنجاء.
جاء في المقطع الثالث والمقطع الرابع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظام والروث، حيث أكدت الأحاديث النبوية على هذا التحريم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وهو ثقة من رجال البخاري ومسلم، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش، قال: حدثنا يحيى، قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن إبراهيم، وهو النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، وهو الفارسي، قال: فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «سلمان منا أهل البيت». وقال عليه الصلاة والسلام: «لو كان هذا الدين في الثريا ناله رجال من أهل فارس»، وأشار إلى سلمان رضي الله تعالى عنه. قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة. فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. قال: وحدثنا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش، ومنصور، وهو المعتمر، قال: عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قال المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة. قال: أجل، إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار». هذا الحديث حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فيه أن رجلاً من المشركين قال لسلمان: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة. والخراءة يراد بها قضاء الحاجة، يعني ما يتعلق بآداب قضاء الحاجة في كيفية ذلك وما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله. وقول: «لقد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة»، فيه إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام ما ترك شيئًا من الخير إلا ودل الأمة عليه، ولا شيئًا من الشر إلا وحذرهم منه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كان حقًا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم». فعلّم النبي عليه الصلاة والسلام الأمة كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم، وبلغ البلاغ المبين كما أمره الله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام ما أوجب الله جل وعلا عليه هذه الأمة، وأعظم ذلك وأهمها أمر التوحيد، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة، وتحقيق هذا المقام العظيم، والنهي عن ضده، وهو الشرك، وبيان جميع طرقه ووسائله التي توقع العبد في الشرك بالله جل وعلا. فدل الأمة على أعظم الواجبات والفرائض، وهو التوحيد، ثم دلهم بعد ذلك على مكملات التوحيد من الطاعات والواجبات والمستحبات، ونهى الأمة عن أعظم محرم على جهة الإطلاق، وهو الشرك بالله جل وعلا، ثم كذلك نهاهم عن ثمرات هذا الذنب العظيم من المعاصي والمحرمات. فما توفي عليه الصلاة والسلام إلا وترك الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزغ عنها إلا هلك. ومما دل على ذلك أنه علم الأمة حتى آداب قضاء الحاجة، كيف يفعلون إذا ذهب أحدهم لقضاء حاجته. إذا كان هذا الأمر بيّنه، وهو من أدنى الأمور، فكيف بما هو أعظم من ذلك مما فيه هلاك العبد أو نجاته. وكما قال القائل: ما باله حتى السواك أبانه، وشرائع الإسلام لم تتقرر. يعني كيف يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام أبان فضل السواك وآداب السواك، بل ما هو دون السواك كقضاء الحاجة، فكيف لا يبين ما هو أعظم من ذلك من شرائع الإسلام. قال سلمان رضي الله عنه: أجل، علمنا كل شيء حتى الخراءة، وقضاء الحاجة. ثم قال: لقد نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، يعني إذا أراد الواحد منا أن يقضي حاجته، سواء كان ذلك للغائط أو البول، أن يستقبل القبلة. قال: أو أن نستنجي باليمين، يعني عند قضاء الحاجة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي المسلم بيمينه، لأن اليمين مكرمة، تكون في الأمور التي هي من أمور الإكرام والأمور الطيبة. والشمال تستعمل في الأمور المستقذرة، ومنها الاستنجاء، فإن الاستنجاء يكون باليد اليسرى، ولا يجوز للمسلم أن يستنجي بيمينه. قال: أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، يعني إذا أراد الإنسان أن يستجمر بالأحجار، نهى عليه الصلاة والسلام أن يستعمل المسلم أقل من ثلاثة أحجار، يعني لابد أن يستنجي وأن يستجمر بثلاثة أحجار. وهذا كما قال أهل العلم يدل على أن الإنقاء لا يحصل بأقل من ذلك. قال: أو أن نستنجي برجيع أو بعظم، الرجيع هو الروث، روث الدواب، والعظم أي عظامها. أما الرجيع فقد جاء في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري أنه لما أتى للنبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس». والركس يطلق على النجس، ويطلق ذلك على الشيء المستخبث. وجاء في حديث ابن مسعود وغيره وفي الصحيح أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الروث هو علف لدواب الجن. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء به. هذا إذا كان من دواب ما يوكل لحمه، لأن روثه طاهر، وأما ما لا يوكل لحمه فهو نجس، فإن روثه يكون نجسًا. وأما العظام، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها طعام الجن، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بها، لأجل ذلك. قال أهل العلم: يلحق بذلك كل ما كان مكرمًا، فإنه لا يجوز الاستنجاء به، ككتب العلم والأوراق التي فيها شيء من العلم، فإنه لا يجوز الاستنجاء بها. وهكذا أيضًا الطعام أو بقايا الطعام، مثلًا كذلك لا يجوز الاستنجاء به، لأن الطعام من الأمور المحترمة التي يجب الحفاظ عليها وعدم إهانتها. قال: وحدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا زكريا بن إسحاق، قال: حدثنا أبو الزبير، وهو محمد بن مسلم، أنه سمع جابرًا يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو ببعر. نعم، أيضًا بنحو معنى حديث سلمان: «أن نستنجي برجيع أو بعظم»، فالعظام والبعر والروث هذه كلها لا يجوز الاستنجاء بها. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.