الدرس في كتاب الصلاة 40، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه صلاة الفجر فسمعه نفر من الجن فآمنوا، وأنزل الله الآيات الأولى من سورة الجن. كما يبين أن الجن كالإنس منهم المؤمن والكافر.
يستدل المقطع على مشروعية صلاة الجماعة في السفر والحضر من خلال قصة إسلام الجن، ويبين أن مؤمني الجن يدخلون الجنة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن عليهم.
يشرح النبي صلى الله عليه وسلم للجن عدم الاستنجاء بالعظام والبعر لأنها طعام وعلف لإخوانهم من الجن، ويظهر تأثيره صلى الله عليه وسلم على الجمادات في قصة حنين الجذع وغيرها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين: حدثنا شيبان بن فرخ، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن، وما رآهم. انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو سوق من أسواق الجاهلية، كانوا يجتمعون فيه، فيقيمون فيه نحوًا من عشرين يومًا، ينشدون الأشعار، ويبيعون البضائع. قال: وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما هذا إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون الأرض، مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وتهامة يعني يطلق على ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة، وسميت بذلك، قيل: لشدة حرها- قال: وهو بنخل، هكذا. ونبه الإمام النووي رحمه الله أن الصواب بنخلة، وهو موضع معروف، كما في رواية البخاري. قال: عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبًا، يهدي إلى الرشد، فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدًا. فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ﴾. هذا الحديث قول ابن عباس رضي الله عنهما: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن، وما رآهم. وذكر الإمام مسلم رحمه الله بعد هذا الحديث حديث ابن مسعود، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب ذات ليلة مع الجن، وقرأ عليهم القرآن. وجمع الإمام النووي رحمه الله بين الحديثين بأنهما قضيتان مختلفتان، فحديث ابن عباس كان في أول الأمر، وفي أول النبوة، حين ذهبوا وانطلقوا، كما ذكر، يبحثون عن سبب منعهم من خبر السماء، وإرسال الشهب، وسَماعهم القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام. وحديث ابن مسعود في قضية أخرى جرت بعد ذلك بفترة، فحينئذ لا تعارض بين نفي ابن عباس قراءة النبي عليه الصلاة والسلام على الجن، وبين إثبات ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذلك. وفي هذا الحديث أن الشياطين كانوا يسترقون السمع، وكان ذلك كثيرًا في الجاهلية، مع كثرة الكهانة. قد كانت الكهانة منتشرة، والكهان -كما تعلمون- يستمعون لما يلقيه عليهم الجن مما يسمعونه، ويسترقون السمع من خبر السماء. وكانت الشهب -يعني- ترسل في الجاهلية، لكنها قليلة. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، كثرت الشهب، حتى ما استطاع الشياطين أن يسترقوا السمع، فعلموا أن تغير هذا الوضع، وهذا الحال، هو بسبب حدوث شيء حصل، حال بينهم وبين خبر السماء. فلذلك انطلقوا يبحثون عن هذا السبب، يضربون مشارق الأرض ومغاربها، حتى جاء النفر منهم إلى نحو تهامة، فأدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فسمعوا القرآن، وجعلوا ينصتون، فعلموا أن هذا هو السبب الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم، وقد آمنوا بما سمعوا من القرآن، من النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قولهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأنزل الله عز وجل على نبيه عليه الصلاة والسلام هذه الآيات من أول سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ﴾. فأوحى الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بسماع الجن للقرآن، من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أسلموا، ورجعوا إلى قومهم، ينذرونهم. وفيه دليل على الجهر بالقراءة في صلاة الصبح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح، وجهر بالقراءة، حتى سمعت الجن قراءته عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا قوله: "يصلي بأصحابه" معنى أنهم كانوا يصلون جماعة، فيدل هذا على مشروعية صلاة الجماعة في السفر، كما أنها تشرع في الحضر. وكذلك أيضًا على مداومة النبي عليه الصلاة والسلام عليها من أول النبوة، فقد كان يصلي بأصحابه جماعة عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضًا أن الجن -أو هذا العالم- كعالم الإنس، منهم المؤمن، ومنهم الكافر، ومنهم المطيع، ومنهم العاصي. واتفق أهل العلم على أن الكافر من الجن أن ما أواه النار. واختلفوا في مؤمنهم، هل يدخل الجنة أم لا؟ فقال بعضهم: لا يدخلون الجنة، وإنما ينجون من النار، وبعد ذلك يقال لهم: كونوا ترابًا كالبهائم. والقول الثاني: أنهم يدخلون الجنة، وهو صحيح أن مؤمني الجن يدخلون الجنة، كمؤمني الإنس. ويدل على ذلك قول الله عز وجل في سورة الرحمن، في آيات متعددة: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. فإذن هذا على أن الجن يدخلون الجنة، وأنهم ينعمون في الجنة كما ينعم الإنس. وفيه كذلك أيضًا ما كان عليه هؤلاء الجن من سرعة إيمانهم، حين سمعوا القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام، فوقع ذلك في قلوبهم، فآمنوا بالله جل وعلا، وبرسوله عليه الصلاة والسلام، ورجعوا إلى قومهم، يخبرونهم، وينذرونهم عذاب الله جل وعلا، ويأمرونهم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكن كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب -يعني يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: فقلنا: استطير أو اغتيل. استطير يعني طارت به الجن، أو اغتيل يعني قتل خفية، وهي الغيلة، قتل المرء خفية. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، لفقدهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحب الناس إليهم، رضي الله تعالى عنهم، فلا شك أن فقدهم له أمر عظيم. قال: فلما أصبحنا، إذا هو جاء من قبل حراء، أي من قبل غير حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن». وهذا فيه كما ذكرنا قبل، أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ عليهم القرآن، وأن هذه واقعة غير التي نفى فيها ابن عباس قراءة النبي عليه الصلاة والسلام القرآن على الجن. قال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. آثارهم يعني شيء مما يدل على وجودهم في ذلك الموضع، وآثار نيرانهم كان يكون من بقايا الحطب، الرماد، نحو ذلك. قال: وسألوه الزاد -يعني الطعام- فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم». قال: وحدثني علي بن حجر السعدي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، بهذا الإسناد، إلى قوله: «وآثار نيرانهم». قال: قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث، من قول الشعبي، مفصلًا من حديث عبد الله. قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى قوله: «وآثار نيرانهم»، ولم يذكر ما بعده -يعني أن حديث ابن مسعود كان إلى قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم»، ثم قوله: «وسألوه الزاد» هذا ذكره الشعبي، وليس هو في نفس حديث ابن مسعود، كما نبه الإمام مسلم رحمه الله في هذه الروايات الأخرى، ولعله يعني ذكره الشعبي مما سمعه من ابن مسعود أو غيره، لكن لم يكن بهذه الطريق. قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما كنت ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووددت أني كنت معه. ومن حرصه رضي الله عنه على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله هنا في حديث ابن مسعود، قال: قال: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن». هذا في أن الجن يستمعون للقرآن، كما يستمع له الإنس، وأنه يؤثر فيهم كما يؤثر في الإنس. وكما مر معنا في حديث ابن عباس، كيف أنهم آمنوا حين سمعوا القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا لما تقرأ على المريض الذي به مس، كيف ترى أنه يتأثر تأثرًا عظيمًا، وأن الجن الذي في هذا المريض يتأذى إذاء عظيمًا بما يسمع من القرآن، وخاصة إذا كان كافرًا، فإن القرآن يعني يحرقه ويؤذيه. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه» يعني أن زاد الجن كل عظم ذكر اسم الله عليه، فإنه يكون طعامًا للجن، فيجدونه أوفر ما يكون لحمًا، أي يجعلوه الله عز وجل لهم مليئًا باللحم. وهل هذا يعني بحق جميع الجن، أم هذا فقط في من كان مؤمنًا؟ هذا ظاهر في من كان مؤمنًا. وأما من كان كافرًا من الجن، فإنهم يعني يأكلون من العظام التي لم يذكر عليها اسم الله. وقوله: «وكل بعرة علف لدوابكم»، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم» يعني العظام والبعر، قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظام، لأنها طعام الجن، زاد إخوانكم من الجن، أي من المؤمنين، لأن الكافر لا يكون أخًا للمؤمن. وكذلك البعر والروث لدواب الجن، فهو علف لدوابهم، لأجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بهما. قال رحمه الله: وحدثنا سعيد بن محمد الجرمي، وعبيد الله بن سعيد، قالا: حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن معن، قال: سمعت أبي، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمع القرآن؟ قال: حدثني أبي -يعني ابن مسعود- أنه آذنته بهم شجرة -يعني من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بوجود الجن، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو ابن مسعود بأن الذي آذنته بهم شجرة- وهذا فيه أن الجماد قد يكون له إرادة وتمييز، والله عز وجل يجعل ذلك في من شاء من مخلوقاته. وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إني لأعلم حجرًا كان يسلم علي بمكة». ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على جبل أحد، هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم الجبل، قال: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي، أو صديقان، وشهدان». وهكذا قصة حنين الجذع الذي بكى لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستناد عليه في خطبة الجمعة، لما صنع له المنبر، فحن الجذع وبكى، وغير ذلك كثير في السنة، في تأثر الجمادات، وكذلك ما يجعل الله سبحانه وتعالى فيها من تمييز وتأثير طيب.