الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستحب للمصلي بعد الانتهاء من الصلاة أن يستغفر ثلاث مرات ثم يدعو بدعاء مأثور عن النبي ﷺ. هذا الدعاء يشمل قول "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
دعاء النبي ﷺ بعد الصلاة يتضمن معاني عظيمة حيث يخاطب الله بأنه "السلام" ومصدر "السلام". كما يتضمن تنزيه الله تعالى عن كل نقص وتقديسه. يبين معنى "تباركت" و"الجلال والإكرام".
كان النبي ﷺ إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثا ثم يدعو بدعاء مختصر يتضمن "يا ذا الجلال والإكرام". بعد الانتهاء من الدعاء، يتوجه الإمام إلى المصلين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، أن يسابور القشيري -رحمه الله- في صحيحه: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد، وهو ابن مسلم، عن الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمر. وعلمنا أن الوليد بن مسلم ثقة، إلا أنه مدلس، يدلس تدليس التسوية. ما هو ذي التسوية؟ هذا مرة معكم، بمعنى أن يروي الراوي عن ثقة، ثم يسقط الضعيف بين ثقتين، سمع أحدهما من الآخر. قال: عن أبي عمار، واسمه شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء، وهو الرحبي، عن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ. وهم من العرب، لكن سبي، فاشتراه النبي ﷺ، ثم اعتقه، فلازم النبي ﷺ سفرا وحضرا، ثم رحل إلى الشام، ومات في الشام. قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله. نعم، هذا الحديث حديث ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته -المراد بالانصراف السلام، إذا سلم من صلاته- فالمصلي إذا سلم من صلاته انصرف من صلاته، بمعنى انتهى. قال: استغفر ثلاثا، يعني وهو متوجه إلى القبلة، وهو متوجه إلى القبلة في محله، استغفر ثلاثا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». سئل الأوزاعي، قال له الوليد: كيف الاستغفار؟ قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، يعني ثلاث مرات: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثم يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يتوجه إلى المصلين. هذا هو هدي النبي ﷺ. وهذا الحديث فيه استحباب هذا الذكر بعد الصلاة، أن المسلم إذا فرغ من صلاته استغفر ثلاثا، ثم قال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وهل في هذا تعارض مع ما مر معنا في حديث أبي هريرة: «كنت أعلم انقضاء صلاة الرسول ﷺ بالتكبير»؟ أو حديث ابن عباس: «أنه كان النبي ﷺ إذا انتهى من الصلاة كبر». فالجواب: لا تعارض، فهذا يحمل على أن النبي ﷺ أحيانا كان إذا فرغ من الصلاة كبر، وأحيانا يستغفر، فيأتي بهذا الدعاء. فإذا فعل المسلم هذا أحيانا، وذاك أحيانا، فلا بأس، فيكون هذا من الأذكار التي ثبتت عن النبي ﷺ، وقد تنوعت ألفاظها، فيقال: هذا أحيانا، ويقال: ذاك أحيانا. وقوله: «اللهم أنت السلام»، السلام اسم من أسماء الله، فالله عز وجل من أسمائه السلام، ومعنى السلام: أي السالم من العيوب والنقائص، التي تنزه أن يوصف بها مما قد يصفه بها الواصفون، كاتخاذ الصاحبة والولد، والفناء والموت، إلى آخر ذلك من النقائص، فالله عز وجل سالم من ذلك كله، له الصفات الكاملة، والأسماء الحسنى، والصفات العليا، فهو جل وعلا السلام. ومنك السلام، أي من الله جل وعلا السلام، يعني الذي يحصل للإنسان أن يسلم من المصائب، أو يسلم من الفتن، أو يسلم من الأسقام والأمراض، فالذي سلمه هو الله، جل وعلا. قال: «تباركت»، أي تعظمت، تبارك: وهذا الاسم خاص، هذا اللفظ خاص، لا يطلق إلا على الله، ما يقال: فلان تبارك، يقال: فلان مبارك، «واجعلني مباركا أينما كنت»، أما تبارك: هذا خاص، لا يطلق إلا على الله، «تبارك الذي بيده الملك»، «تبارك الذي نزل الفرقان على عبده». أما في المخلوق، فيقال: فلان مبارك، فلان فيه بركة، «جعل الله عز وجل فيكم البركة»، أما تباركت فلان، تبارك خطأ، هذا لا يقال إلا على الله؛ لأن هذا من صفات الله الخاصة؛ لأنه بمعنى العظمة والكبرياء، وهذا لا يصف به إلا الله سبحانه وتعالى. «تبارك ذي الجلال»، أصلها: يا ذا الجلال، وحذف يا النداء، وذا بمعنى صاحب، يعني صاحب الجلال، الجلال هو بمعنى العظمة والكبرياء. والإكرام يعني المكرم لعباده، فالله عز وجل هو صاحب الإكرام، الذي يكرم عباده بالنعم الحسية والمعنوية، ما يتعلق بأرزاقهم، وما يتعلق بأمور معاشهم وحياتهم، هو المكرم لهم بالذرية والأولاد والأموال، وهكذا الصحة والعافية، والإيمان والهدى والعلم والنور، كل ذلك هو من إكرام الله سبحانه وتعالى لعباده جل وعلا. فهذا الدعاء العظيم المبارك يقوله النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته، فهذا مما يستحب أن يقوله المسلم إذا فرغ من صلاته، أن يستغفر ثلاثا، ثم يأتي بهذا الدعاء. قال -رحمه الله-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، عن عثمان -ثقة حافظ- قال: وابن نمير، وهو محمد، عن عبد الله، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد، عن خازم، عن عاصم، وهو ابن سليمان، عن عبد الله بن الحارث، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وفي رواية ابن نمير: «يا ذا الجلال والإكرام». قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبو خالد -يعني الأحمر- عن عاصم بهذا الإسناد، وقال: «يا ذا الجلال والإكرام». هذا الحديث أو هذه الرواية من حديث عائشة أخبرت -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ كان إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار هذا الدعاء، يعني لا يطيل البقاء إلى جهة القبلة إلا بمقدار ما يأتي بهذا الدعاء، يستغفر ثلاثا، ويأتي بهذا الدعاء، ثم يتوجه إلى المصلين. فبهذا يعلم خطأ ما يفعله بعض الأئمة إذا سلم من الصلاة، بقي متوجها إلى جهة القبلة بمقدار أكثر من ذلك، مقدار ما يقال هذا الدعاء ربما ثلاث مرات، وهو متوجه إلى جهة القبلة، هذا خطأ، السنة أنك إذا فرغت من هذا الدعاء تتوجه إلى جهة المصلين. فمن أراد أن ينصرف بعد ذلك من المصلين يقوم، وهذا أيضا من السنة: أنه لا يقوم المأموم وينصرف إلا بعد أن يتوجه الإمام إلى المصلين، ثم يقوم من أراد أن يقوم، فكونه يتأخر خالف بهذا هدي النبي ﷺ، والشيء الثاني ربما أوقع من خلفهم من المصلين في الحرج، منهم ربما يكون مستعجلا يريد أن يقوم، وهو ما زال متوجه إلى جهة القبلة. قال: وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وخالد، عن عبد الله بن الحارث، كلاهما هكذا عندكم ها عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وخالد، عن عبد الله بن الحارث، هكذا ها عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وخالد، عن عبد الله بن الحارث ها -يعني عاصم وخالد كلاهما روى عن عبد الله بن الحارث-. عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وخالد، عن عبد الله بن الحارث، نعم، كلاهما، كلاهما عن عائشة. طيب، كلاهما إذا كان يريد عاصم وخالد، فهو الآن يقول: عاصم عن عبد الله بن الحارث، وخالد عن عبد الله بن الحارث، كلاهما سيكون كلاهما عبد الله بن الحارث، ونفسه، فهذا فيه إشكال، الله أعلم. كلكم هكذا بالنسخ، طيب ينظر إن شاء الله في النسخ أخرى. قال: كلاهما عن عائشة: أن النبي ﷺ قال بمثله، أي رأى أنه كان يقول: «يا ذا الجلال والإكرام»، يعني في هذه الرواية أنه ذكر يا النداء: «يا ذا الجلال والإكرام». فخلاصة هذين الحديثين أنه يستحب هذا الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، يستغفر المصلي ثلاثا، ثم يأتي بهذا الدعاء، فإن كان إماما يتوجه بعد فراغه من هذا الدعاء إلى جهة المصلين، فهذا من الأدعية أو الأذكار المستحبة بعد الفراغ من صلاة الفريضة. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.