الدرس في كتاب الصلاة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح أركان الصلاة والنية كشرط لصحة الصلاة، وتفصيل أركان الصلاة المفروضة. يُشرح أيضًا حكم قراءة الفاتحة وتكبيرة الإحرام.
يُفصّل في مسائل قراءة الفاتحة للمأموم والإمام، وأهمية التشهد والتسليم، ورفع اليدين في المواضع الأربعة، مع عرض آراء الفقهاء واستدلالاتهم بالأحاديث.
يشرح واجبات الصلاة عند الحنابلة والحنفية، ويبين اختلاف المذاهب في اعتبار الواجبات، مع استعراض آراء العلماء في الاستدلال بالأحاديث على الوجوب.
يتناول مبطلات الصلاة مثل الكلام والاشتغال بما ليس منها وترك شرط أو ركن عمدًا، مع تفصيل أحكامها عند الفقهاء مثل حكم الكلام والحركة الكثيرة وترك الأركان والشروط.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام الشوكان رحمه الله: «باب كيفية الصلاة». قال: «لا تكون شرعية إلا بالنية، وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة». دخل في كيفية الصلاة، فقال: «لا تكون شرعية إلا بالنية». النية اعتبرها الشافعية ركنًا من أركان الصلاة، والمالكية والحنابلة يقولون: شرط، وكذلك الحنفية يقولون: شرط من شروط الصلاة. سواء كان ركنًا أو شرطًا، كلاهما لا تجزي الصلاة إلا بهما. الشرط والركن لا تجزي الصلاة إلا بهما، لكن الشرط هو ما لا يقوم الشيء إلا به ويكون خارجًا عنه، والركن ما لا يقوم الشيء إلا به ويكون داخله. قال: «لا تكون شرعية إلا بالنية، وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط والاستراحة». قال: «وأركانها كلها مفترضة»، قوله هنا: «أركانها كلها مفترضة»، معنى أي فرائض، ليست واجبات، معنى يريد أن يفرق بين الركن والفرض، ومعنى الركن والواجب. فهذه الأركان سيذكر بعضها هنا، والمشهور من هذه الأركان التي جاءت في حديث المسيء في صلاته، الذي لم يحسن صلاته، فهذه الأشياء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كلها أركان: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال، والطمأنينة فيه، والسجود، والطمأنينة فيه، والجلوس بين سجدتين، والطمأنينة فيه، والسجود الثاني أيضًا، والطمأنينة فيه. ثم ذكر أيضًا العلماء بعض الأشياء التي استطاعوا ذكرها، كالتشهد الأخير، وكذلك التسليم، وكذلك يذكرون الترتيب، ترتيب هذه الأركان. قال: «وأركانها كلها مفترضة إلا قعود التشهد الأوسط». قعود التشهد الأوسط جاءت فيها أحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام سها وترك وسجد له للسه، منها حديث عبد الله بن مالك بن بحينة، ويقال: مالك بن بحينة، عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال: مالك، أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم، ثم قام ولم يتشهد في التشهد الأوسط، فلما انتهى أو قبل أن ينتهي من صلاته سجد سجدتين، ثم سلم. فهذا الحديث وجاء أيضًا نحوه من حديث عدي بن حاتم، والمغيرة بن شعبة، ومن حديث ابن هريرة، وجماعة من العلماء من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول، ثم سجد للسه، ولم يرجع إليه. فالآن عدم رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إليه هذا يدل على أنه ليس بركن، ولو كان ركنًا مفترضًا لرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم. لهذا أجمع العلماء على أن من نسي ركنًا من أركان الصلاة، ثم ذكره قبل أن يقوم أو يشرع في ركعة أخرى، فإنه يرجع إليه. لو أن إنسانًا مثلًا سجد قبل أن يركع، قرأ الفاتحة والسورة، ثم سجد مباشرة دون أن يركع، فهنا معنى لا خلاف بين العلماء أنه لابد أن يرجع إلى الركوع، يقوم ويركع، فهذا لا خلاف فيه. لكن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ترك التشهد ولم يرجع إليه، فقال العلماء: لو كان ركنًا لرجع إليه. لكن اختلفوا: هل هو سنة أو واجب؟ فالحنابلة قال: واجب، والنصوص تقتضي ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وأمر بالتشهد، وهذا يدل على وجوبه. والآخرون قالوا: إنه مستحب، والصحيح وجوب القعود للتشهد. وأما الاستراحة -جلوس الاستراحة- فقال بها الإمام الشافعي رحمه الله، ورواية عن أحمد، قالوا: بجلسة الاستراحة. وجلسة الاستراحة هذه جاءت في حديث مالك بن حويرث، فقال: «وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يقوم -إذا أراد أن يقوم إلى الثانية أو إلى الرابعة- جلس قليلًا، ثم قام، واعتمد على يديه، ثم يقوم». هذا جاء في حديث مالك بن الحويرث، فهذا الحديث فيه هذه، وجاء أيضًا في حديث أبي حميد، فدل على أن جلسة الاستراحة مشروعة. وقال الشافعي كما قلنا، وكذلك رواية عن أحمد أنها مشروعة. وبعضهم يقول: إن هذا إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته؛ لأن مالك بن الحويرث جاء في سنة الوفود، سنة التاسعة، سنة التاسعة، في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان كبر سنه عليه الصلاة والسلام، وكان يقوم ويعتمد على يديه، أو يجلس قليلًا ثم يقوم. وهذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن الأصل عندنا الاقتداء، الأصل هو الاقتداء بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام، ما دام أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو قدوتنا في هذا الباب، لم يأت دليل على أنه إنما لأجل أنه كبر سنًا، ما في دليل على هذا، الأصل هو الاتباع، ولهذا فهي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ولا يجب من أذكارها إلا التكبير، والفاتحة في كل ركعة». معنى من الأشياء القولية في الصلاة، أولًا: تكبيرة الإحرام، هذا باتفاق العلماء، إلا قول جاء عن الزهري أنها مستحبة، وإلا أكثرهم العلماء، بل ذكر ابن المندر الإجماع على أنها ركن من أركان الصلاة، ويكون افتتاح الصلاة بها، عن الركن الذي يدخل به إلى الصلاة هو التكبير، إذا كبر دخل الصلاة، إذا لم يكبر لم يدخل الصلاة بعد. وأما التكبيرات الانتقال -تكبيرات الانتقال- فيها خلاف بين العلماء، فقال جمهور أنها مستحبة، وذهب أحمد إلى وجوبها، والصحيح أنه لا دليل على وجوبها. وأما حديث المسيء في صلاته، في حديث رفاعة بن رافع، فالظاهر أنه لا يصح، حديث رفاعة لا يصح، فلهذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام وجوب التكبيرات الانتقال، بل جاء أن الناس في زمن الصحابة كانوا قد تركوا بعض هذه التكبيرات، مثل ما جاء في حديث عمران بن حسين في الصحيحين، أن عليًا رضي الله عنه جاء إلى البصرة، فصلى بالناس، فكان يكبر في كل ركعة، في كل انتقال كان يكبر، وهذا قد تركه بعض الناس، حتى أن الناس تغربوا من صلاته، فكان يكبر في كل انتقال، فلما انتهى من الصلاة بكى عمران بن حسين، فقال له: «وما يبكيك؟» قال: «لقد ذكرني هذا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني يقول: أن عليًا هذا ذكرني بصلاة الرسول الله، هذه الصلاة قد نسيناها، معنى الناس يتركون التكبير، وهذا من أعجب الأشياء التي حصلت، معنى والتي وقعت، كيف تكون سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام يكبر في كل انتقال، ثم في زمن ابن أمية الذي هو أقرب خلافة إلى النبوة يترك هذا التكبير، بل إن هذا كان يحصل في المدينة، أن هذا كان يحصل في المدينة، وهذا من الأشياء الغريبة، معنى كيف يترك التكبير، خاصة في بعض المواضع، مثل مثلًا عند السجود، ما يكبرون، فتركت بعض التكبيرات في زمن ابن أمية. ولهذا قال العلماء: أن مسألة التكبيرات هذه، الصحيح أنها ليست واجبة، ولو كانت واجبة حتمًا لتكلم الصحابة رضي الله عنهم، فلهذا فالصحيح أنها ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، ولا دليل على وجوبها. قال: «والفاتحة في كل ركعة، ولو كان مؤتمًا». هذه المسألة مسألة عظيمة أيضًا، وشديدة في الخلاف، أولًا أنها في كل ركعة، هذا قول جمهور أهل العلم أنها في كل ركعة، وقال مالك: يجزئ ولو ركعتين، يعني لو قرأ في ركعتين تجزئ، والحنفية عندهم ركعة واحدة، لكن الصحيح الذي عليه أكثر العلماء هو أنه تقرأ في كل ركعة. ما هي الدليل؟ الدليل في حديث أبي هريرة، عندما صلى ذلك الرجل الذي لم يحسن صلاته، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم افعل ذلك في كل صلاة، أو في كل ركعة»، بعدما ذكر له ترتيب الأركان، قال: «يفعل ذلك في كل ركعة»، وينخل في ذلك القراءة، قراءة الفاتحة؛ فإنها تفعل في كل ركعة. لكن المسألة الأخرى وهي قوله: «ولو كان مؤتمًا»، قوله: «ولو كان مؤتمًا»، هذه في خلاف شديد: هل المأموم يقرأ مع الإمام؟ أو لا؟ أولًا: قول جمهور أهل العلم أنه يقرأ في السرية، هذا قول الحنابلة والمالكية والشافعية، وغيرهم من علماء الأمة، خالفوا الحنفية، قالوا: لا يقرأ أبدًا، لا في سرية ولا في جهرية، واستدلوا بحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، لكن هذا الحديث صحي فيه الإرسال، مرسل، ولو صح يحمل على الجهر، يحمل على الصلاة الجهرية، أو حمله بعضهم معنى: يحمل على غير الفاتحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقرأ أحدكم إلا بفاتحة الكتاب»، وقال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وجاء في حديث أبي هريرة: «من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاة خداج»، «خداج»، «خداج»، وغيره تمام، فهناك أيضًا كما قلنا مسألة في الجهرية: هل يقرأ مع الإمام أو لا يقرأ؟ لأن جاءت هذه النصوص التي ذكرناها: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وجاءت نصوص أخرى في أن المصلي ينبغي أن يستمع لإمامه، «وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون»، وبعضهم يصحح أيضًا الزيادة التي جاءت في حديث أبي هريرة: «وبموسى، وإذا قرأ الإمام فأنصتوا»، «وإذا قرأ فأنصتوا»، فقال أحمد وجماعة من السلف: بل جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود صراحة، وجاء عن علي، وجاء عن جماعة من كبار الصحابة، أنهم قالوا: إنه لا يقرأ خلف الإمام في الجهر، ويقرأ في السر، وجاء عن أبي هريرة أنه قال: «يقرأ مع الإمام»، «يقرأ مع الإمام»، كلام أبي هريرة يدل على أنه في السر أو في العلن، وبعضهم حمله على السر، وجاء حديث هناك في السنن أنه قال: «فسكت الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، لكن هذا الكلام الصحيح أنه من كلام الزهري، والمثلة متباينة، فمن قرأ فهو أحوط، وهذا الذي رجحه الإمام البخاري أنه أحوط، أنه يقرأ خلف الإمام، يقرأ خلف الإمام سواء كان في السرية أو في الجهرية، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله. قال: «والتشهد الأخير، والتسليم». التشهد الأخير أيضًا حصل خلاف فيه في ركنيته، والأدلة التي جاءت لم يأت فيها تفريق بين التشهد الأخير والتشهد الأول، لم يأت هناك شيء يفرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، إلا أن التشهد الأول جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تركه ولم يسجد للسه، وأما التشهد الأخير تركه النبي صلى الله عليه وسلم لكنه جلس بعد ذلك في الخامسة، جلس بعد ذلك في الخامسة، فلهذا ليس هناك فرق بين الأدلة التي في التشهد الأول والتشهد الأخير. لكن من باب الأحوط، ولأن التسليم لا بد يحتاج إلى تشهد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن مفقود: «يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن»، وهذا اهتمام لا بد أنه يدل على أنه ركن، فالفرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير: أن التشهد الأخير لم يتركه النبي عليه الصلاة والسلام، والتشهد الأول تركه النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال بعض العلماء بركنيته، وهو قول الشافعي وأحمد، ورواية عن أحمد مشهورة، يقول بالوجوب. قال: «والتسليم أيضًا». التسليم عند الجمهور أنه ركن، استدلوا بحديث ابن عباس ومعاوية، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وتحليلها التسليم»، «يفتتح الصلاة بالطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، وهذا مذهب جمهور العلماء. أما الحنفية يقولون: لا يشترط الخروج من الصلاة بالسلام، بل يخرج بأي شيء، حتى ولو يحدث يعتبر خرج، لو يقوم مثلًا يقوم دون سلام يعتبر خرج، لكن يقولون: يستحب السلام، يستحب السلام، وهذا الكلام قول الحنفية لا دليل عليه، والصحيح أنها ركن، التسليم ركن، لا يخرج من الصلاة إلا بالسلام، لو أنه مثلًا أحدث قبل أن يسلم، أو أنه أحدث قبل أن يسلم، فصلاته عند الجمهور غير صحيحة، وعند الحنفية صحيحة، وصحيح هو قول الجمهور، «وتحليلها التسليم»، وإن كان هذا الحديث فيه ضعف، لكن يحسن في الشواهد، طالما عدا ذلك في سنن، عدا هذه الأشياء سنن. قال: «وهي الرفع في المواضع الأربعة». يعني رفع اليدين في المواضع الأربعة، أيش المواضع الأربعة؟ عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، أي القيام، وعند القيام من التشهد الأول. أما الثلاثة المواضع هذه الأولى: عند تكبيرة الإحرام، عند الركوع، عند قيام من الركوع، هذا جاءت به أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الشوكاني: «قد جاء عن 28 رجلا من الصحابة»، ظهر هنا ذكرها، قال: «جاء عن 18 أو 28 صحابيًا». قال: «وأما عند التكبير فقد روى ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام نحو خمسين رجلا من الصحابة، منهم العشرة المبشرة بالجنة، ورواه كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء». أما عند تكبيرة الإحرام فهذا مجمع عليه، واختلفوا فيما عدا ذلك. وقد ذهب إلى وجوب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام داود، قال: وأبو الحسن أحمد بن سيار، والنيسابوري، والأوزاعي، والحميدي، وابن خزيمة. قال: «وأما الرفع عند الركوع، وعند الاعتدال منه، فقد رواه زيادة على 20 نفسًا من الصحابة»، زيادة على 20 نفسًا من الصحابة. وقال محمد بن نصر المروزي: «إنه أجمع العلماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة». فهذه كما قلنا المواضع الثلاثة جاءت بها الأحاديث المتكاثرة في الرفع، وأما الموضع الرابع وهو القيام من التشهد، جاءت فيه أحاديث مختلف فيها بين أهل الحديث، فجاء عن ابن عمر من طريق سالم، ومن طريق نافع، فنافع يقول: أن عبد الله بن عمر كان يرفع يديه إذا قاموا من التشهد، وسالم يقول: أن عبد الله بن عمر يحكي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يفعل ذلك، أن سالمًا ابنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونافعًا يطفه إلى عبد الله بن عمر، ولهذا البخاري ذكر رواية نافع، وذكر رواية سالم في صحيحه، والأمر سهل إن شاء الله، من اعتقد أن عبد الله بن عمر لا يفعل ذلك إلا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فله الرفع؛ لأن ابن عمر كان يتحرى السنة، تحرى السنة، فلهذا الرفع أقرب إلى السنة، وأقرب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «والضم والتوجه بعد التكبير». الضم معنى الضم لليدين، ضم اليدين بعضها إلى بعض، وجاء في كلام الشوكاني أنها واجبة أيضًا، كذلك قال في «نيل الوطار» أنها واجبة، الضم، لكن في أي موضع لم يثبت حديث صحيح في أي موضع، إلا أن أقرب المواضع في الصدر، أقرب المواضع التي جاءت في الحديث، وإلا فيها ضعف أيضًا، الصدر هذا أقرب موضع، ولو وضعها فوق سرته أو تحت سرته، إن شاء الله ما فيه شيء، لكن لا يضعها في الخصر، لا يضعها في خصره، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التخصر في الصلاة، وهو وضع الخصر على اليد، أو وضع اليد على الخصر. قال: «والتوجه بعد التكبيرة». التوجه بعد التكبيرة، أي دعاء الاستفتاح، دعاء الاستفتاح مستحب عند عامة العلماء، إلا الظاهرية يقولون بوجوبه، ولم يأت الوجوب، شيء هناك. قاعدة ممكن نتكلم عليها، وهي خلاصة ما يذكر في هذا الباب من ناحية الصلاة، معناه شروطها، أو أركانها، أو واجباتها، وسننها، هناك اختلاف بين المذاهب: هل في الصلاة واجبات أو ليس في الصلاة واجبات؟ المالكية والشافعية ما عندهم واجبات في الصلاة، عند الحنابلة والحنفية، لكن عندهم اختلاف أيضًا في الاستدلال. المهم أن الحنابلة عندهم ثمان واجبات في الصلاة، هذه التي تذكر في كتاب الشيخ محمد عبد الوهاب، فضيلة، المشي، آداب المشي إلى الصلاة، وكذلك شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، ثماني واجبات. والشافعية ما عندهم واجبات، عندهم ركن، ومستحبات. طيب كيف الاستدلال بالأحاديث على هذا؟ من العلماء من وضع قاعدة يمشي عليها، وهو الحافظ ابن دقيق العيد، أبو الفتح القشيري، صاحب كتاب «إحكام الأحكام»، وكذلك أيضًا الإمام ابن القيم في «زاد المعاد»، وغيرهما من الكتب. فهذا ابن دقيق العيد يقول: إن الأفضل أن يقال مثل ما قال العلماء: إن كل ما جاء في حديث المسيء في صلاته على أنه ركن، كل ما جاء في حديث المسيء في صلاته يكون ركنًا، وكل ما جاء فيه أمر شديد يكون ركنًا، مثل مثلًا التكبير الإحرام، «تحريمها التكبير»، هذا أمر شديد؛ لأن تحريم الصلاة هو التكبير، تكبيرة الإحرام، أو نهي شديد، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، هذا نهي شديد. أما إن يأتي أمر شديد، أو نهي شديد، وأما إن كان أمر ليس بشديد، ولا نهي ليس بشديد، لا يكون هذا الأمر واجبًا، ولا يكون تركه أيضًا في النهي واجبًا في الصلاة، وإنما يدخل باب الاستحباب. لكن الحنابلة قالوا: لا، لا نقول باب الاستحباب، لكن نقول باب الوجوب، وعند الحنابلة أن القاعدة أخرى، قالوا: كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت عنه أنه لم يتركه في الصلاة، فيعتبر من أركان أو من واجبات الصلاة، ولهذا يقولون بتكبيرات الانتقال، يقولون أنها واجبة، يقولون بركنية الركوع والسجود، «سبحان ربي العظيم»، «سبحان ربي العلا»، عندهم واجبة، وهكذا يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم استمر عليها، ولم يأت دليل على تركها. لكن الصحيح أنه يقال: إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا تدل على الوجوب، وأما قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فهذا يحسب على الأركان الفعلية، أو الأركان التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، أمر حتم، فلهذا أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، وأقواله في الصلاة ليست بواجبة، هذا هو الصحيح. لكن ما أمر به، وما نهى عنه، إن كان الأمر والنهي ليس شديدين، فهو من واجبات الصلاة، وأما إذا كان الأمر والنهي شديدين، فهو من أركان الصلاة، وهذا التفصيل فصل به الشوكاني، وكذلك أيضًا قول بعض الحنابلة. قال: «والضم والتوجه بعد التكبير». التوجه كما قلنا هو دعاء الاستفتاح. قال: «والتعوذ». والتعوذ هو من أربع، التعوذ الذي يكون بعد التشهد، جاء في حديث أبي هريرة: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ من أربع: من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال». وقالت عائشة: «كان نبي صلى الله عليه وسلم لم يصل صلاة إلا استعذ من أربع»، فهذا الفعل، والأمر، سيكون الحكم واجب، وليس بركن، واجب. وقد جاء عن طاوس اليماني أنه أنكر على ولده، وقال: «أتعصي الصلاة؟» لما ترك التعوذ من هذه الأربع، فالتعوذ هنا كما قلنا المراد به التعوذ من أربع، أو المراد به التعوذ قبل القراءة، إن كان المراد به قبل القراءة فهو مستحب، وأما التعوذ قبل السلام فهو واجب. قال: «والتأمين». التأمين أيضًا من المستحبات، «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على التأمين والسلام»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن فأمنوا»، هذا الحديث فيه الوجوب، لكن الوجوب على من؟ على المأموم إذا أمن الإمام، لكن الصحيح أن هذا الحديث لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على أن تأمين المأموم لابد أن يكون بعد تأمين الإمام، تأمين المأموم لا بد أن يكون بعد تأمين الإمام، «إذا أمن فأمنوا»، «إذا أمن الإمام فأمنوا»، فليس هو المراد به الوجوب، وإنما لابد أن يكون بعده، لا يسبقه، ولا يوافقه. أن الأمور أربعة كما ذكر الإمام: مع المأموم أربعة حالات: إما أن يسابقه، وإما أن يوافقه، وإما أن يتابعه، وإما أن يخالفه، هذه أربعة أشياء، والمشروع هو الاتباع، وأما الموافقة فليست مشروعة إلا في التأمين، إلا في التأمين فهي مشروعة، وكذلك أيضًا المسابقة منهي عنها، فالموافقة في التأمين فقط، أما في باقي الأركان لا يوافقه، بل يتابعه، إنما جعل الإمام ليتم به. قال: «وقراءة غير الفاتحة معها». يعني السورة، السورة هل هي واجبة أن تقرأ سورة بعد الفاتحة؟ قال الجمهور على أنها مستحبة؛ لأنها جاءت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. أما حديث ابن سعيد: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، وجاء في حديث أبي هريرة: «أمرنا أن نقرأ القرآن بفاتحة الكتاب فصاعدًا»، فهذه لا تدل على الوجوب. وأما حديث ابن سعيد فالصحيح أنه موقوف على ابن سعيد، وأما حديث أبي هريرة فهو معلول كذلك، يعني أخطأ بعض أصحاب قتادة، فنسبها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. حتى ولو صحت فهي لا تدل على ما أراده، معنى أنها أنه واجب يقرأ سورة، لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هنا قال في الحديث أبي هريرة: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا»، وجاء في حديث ابن سعيد: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، «وما تيسر»، وهنا قوله: «فصاعدًا»، «وما تيسر»، ليس المراد أنه يقرأ لابد شيء آخر، لا، المراد: إن اكتفى بالفاتحة فبها، وإلا يقرأ له ما تيسر من القراءة، يقرأ له هذا يدل عليه كما جاء في حديث الصحيحين: «لا تقطع يد إلا في ربع دينار فصاعدًا»، «إلا في ربع دينار فصاعدًا»، فاتفق العلماء على أن اليد تقطع في ربع دينار، إذا سرق ما قيمته ربع دينار تقطع يده، «وصاعدًا» أي وما كان زائدًا على ذلك، فقوله: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر»، أو «فصاعدًا»، فالمراد به أي: إما أن نكتفي بها، أو نقرأ ما يكون أكثر منها. قال: «والتشهد الأوسط». التشهد الأوسط قد تكلمنا عليه. قال: «والأذكار الواردة في كل ركن». أن «سبحان ربي العظيم»، «سبحان ربي العلا»، الصحيح أنها مستحبة، وليست واجبة، كما تقول الحنابلة، قالوا: لاستكثار من الدعاء بخير الدنيا والآخرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في عائذ بن عباس: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقوموا أن يستجاب لكم». وأيضًا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالدعاء، وخاصة في الصلاة، وقال في التشهد في حديث عبد الله بن مسعود: «فإذا فعلت ذلك فادع بما شئت»، «فادع بما شئت»، «ويفعل بما شئت لكم»، «ومثنى»، «ومثنى لكم»، وقال في العرب: «بخير الدنيا»، «ادعوا بما شئت»، وقال في أموال: «ورزقًا حسنا»، وفي قوم: «ادعوا حسنا»، وقال في قائل: «إلا»، وقال في قائل: «قال بما ورد وبما لم يرد»، هنا لأنه قال: «فادع بما شئت»، فلهذا يدعو بما ورد وبما لم يرد، لكن الأفضل بما ورد، الأفضل بما ورد. قال: «فصل: تبطل الصلاة بالكلام، وبالاشتغال بما ليس منها، وبترك شرط أو ركن عمدًا». هنا ذكر بعد ذلك مبطلات الصلاة، وقال: «تبطل بالكلام»، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إننا في الصلاة لشغل»، وقول الله عز وجل: «وقوموا لله قانتين»، جاء في حديث زيد بن أرقم قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، حتى نزلت: وقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام»، ونهينا عن الكلام، هذا في رواية مسلم، البخاري ليس فيه، فهذا يدل على أنه لا يجوز الكلام في الصلاة، وأنكر الصحابة على معاذ الحكم السلمي لما قال لآخر: «أرحمك الله»، فأنكروا عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، «لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، لهذا الكلام يبطل الصلاة، وإن قاله ناسيًا أو جاهلًا، فيصح، لكن إن قالوا فيه مصلحة الصلاة، فعند الجمهور أنه لا يصح، عند المالكي يصح. كيف مصلحة الصلاة؟ مثلا أراد أن يرد على الإمام، والإمام لم يفهم، فيقول مثلًا: «عليك سجدة»، مثلا هكذا يقول: «عليك سجدة»، فالأصل أن هذا يبطل الصلاة، لكن في هذا المقام فالمالكي يجوزونه، وإن فهم بغير الكلام أفضل، فهم بغير الكلام أفضل. قال: «وبالاشتغال بما ليس منها». معنى الحركة الكثيرة التي تظهر الرجل أنه ليس في صلاة، فهذه تبطل الصلاة، الحركة الكبيرة التي تظهر الرجل أنه ليس في صلاة، هذه تبطل الصلاة بإجماع العلماء، واختلفوا في الحركات التي دونها، وذكر الشيخ ابن تيمية أن الحركة على أقسام خمسة: قد تكون مبطلة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون أيضًا مباحة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة، وفي كل شيء له دليل. قال: «وبترك شرط أو ركن عمدًا». إذا ترك ركنًا عمدًا، أو شرطًا، فإن صلاته باطلة، فإن صلاته باطلة، أو عند الحنابلة أيضًا، وقول المالكية: لو ترك أيضًا شيء من الواجبات، مثل مثلًا صلى وفي ثوب نجاسة، فعند كثير منهم العلماء أنها تبطل صلاة، حتى الذين يقولون أنها أنه ليس بشرط، لكن يقولون: إذا تعمد تبطل صلاة، فإذا ترك شرطًا متعمدًا، أو ركنًا متعمدًا، تبطل صلاة. أما إذا كان ساهيًا، فيجب عليه الرجوع، إذا كان شرطًا، لو مثلًا صلى الصلاة بغير وضوء، هنا لابد أن يتوضأ ويصلي، لكن لو صلى بنجاسة في ثوبه، فصلاة صحيحة إذا فرغ منها. وأيضًا كذلك إذا اكتشف أن ثوبه يرى عورته منه، أيضًا كذلك، إن صلى فصلاة صحيحة، إن ذكر في الصلاة، أو تبين له ذلك في الصلاة، فإنه يجب عليه أن يستر عورته، أو يخرج، وهكذا. وأما إذا ترك ركن من أركان الصلاة، كتكبيرة الإحرام، والفاتحة، إن كان سهوًا، فيجب أن يأتي به، ويجب عليه السهو، يعني يأتي به، ويسجد للسهو، هذا إذا كان غير تكبيرة الإحرام، أما إذا كان تكبيرة الإحرام، لابد أن يعيد الصلاة، النية، وتكبيرة الإحرام لابد أن يعيد الصلاة. وأما غيرها، ممكن أنه يرجع إلى ركعة، أو يلغي ركعة، إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب في أي ركعة بركعاته، فهو أن يلغيها، ويأتي بركعة أخرى.