كتاب المساجد ومواضع الصلاة 35

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 35

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 35، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حياة عبد الله بن الزبير وشجاعته وعبادته

عبد الله بن الزبير هو أحد العبادلة الأربعة، ولد في المدينة بعد الهجرة، وكان فارسًا شجاعًا وعالمًا. كان معروفًا بشجاعته وعبادته، حيث كان يلقب بحمامة المسجد لكثرة صلاته.

عبادة عبد الله بن الزبير وذكر ما بعد الصلاة

كان عبد الله بن الزبير مجتهدًا في العبادة، وكان يقول ذكرًا معينًا بعد كل صلاة ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما وردت روايات حول بعض الأمور المتعلقة بعبادته وقوتها.

شرح معاني ألفاظ الذكر بعد الصلاة المفروضة

المقطع يشرح معاني ألفاظ الذكر الذي يستحب أن يقوله المسلم بعد الصلاة المفروضة، مثل لا إله إلا الله وحده لا شريك له. يبين دلالتها على توحيد الله وإخلاص العبادة له.

قول سبحان الله والحمد لله والله أكبر بعد الصلاة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر بعد كل صلاة، وهي من الأذكار المستحبة بعد الصلوات المفروضة. ينبغي للمسلم الاعتناء بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إسماعيل بن مسلم الحجاج أبو الحسين: أن يسابور القشيري، رحمه الله، في صحيحه قال: وحدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى المكي، قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، وهو عبد الله بن نمير، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبي الزبير، ومحمد بن مسلم بن تدرس الصدوق، إلا أنه مدلس، قال: كان ابن الزبير، وهو عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو خبيب القرشي المدني المكي، أحد العبادلة الأربعة الذين لقبوا بذلك من صغار الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. فمن هم؟ من هم العبادلة الأربعة؟ عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير. نعم، جمعوا في قول القائل: نعم، ابن عباس وابن عمر، وعمر وابن الزبير، هم العبادلة الغرر. ولد عبد الله بن الزبير في المدينة بعد الهجرة، وهو أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة إلى المدينة، ولد في سنة الثانية من الهجرة، وأدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية سنوات وأربعة أشهر. وكان رضي الله عنه فارسًا شديدًا شجاعًا، وتعلم الفروسية، ركوب الخيل، وهو ابن عشر سنين. ولهذا كان يقال فيه: فارس قريش. وشهد اليرموك وهو في سن المراهقة، يعني قد قارب البلوغ. وأيضًا شهد فتح القسطنطينية، ويوم الجمل مع خالته عائشة، رضي الله تعالى عنها. فأمه أسماء بنت أبي بكر، وعائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر، خالته رضي الله تعالى عنهم جميعًا. وبويع له بالخلافة بعد موت يزيد في سنة ستين وأربعين، نعم، وحكم له، يعني كان تحت حكمه الحجاز واليمن ومصر وبعض الشام، إلا أن الأمر لم يستتب له، لم يستتب له، فبويع لعبد الملك بن مروان من الحكم. بايعه أهل مصر، أهل الشام، ثم مات وتولى الأمر بعده ابن عبد الملك بن مروان. ولزالت، يعني البلاد تبايعه حتى وصل إلى مكة وحاصر ابن الزبير، وأمر الحجاج بقتاله. وصمد ابن الزبير رضي الله تعالى عنه حتى قتل رضي الله تعالى عنه، وذلك في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة. وكما ذكرنا كان رضي الله عنه شجاعًا حتى قيل: إنه، يعني لا يساويه أحد في ثلاثة أشياء: في الشجاعة والعبادة والبلاغة والفصاحة في الكلام. كان شجاعًا، وكان ذا عبادة، وذا فصاحة. ومن شجاعته أنه لما حوصر كان يرمى بالمنجنيق على البيت الحرام وهو صابر، يعني لم يخف. ذكر أنه كان يصلي عند البيت وتتساقط المنجنيق، وهي الحجارة المحرقة بالنار، ولا يلتفت، كان لا يلتفت، مقبلًا على عبادته. كذلك أيضًا لما أعطى الحجاج الأمان لمن كان معه، إذ إنه خذله رضي الله عنه، خذله من كان معه. وكان الحجاج يقول: لما تقتلون أنفسكم؟ من أتى إلينا أمناه. فتسلق الناس إلى الحجاج وتركوا عبد الله بن الزبير. وكانوا نحوًا من عشرة آلاف حتى بقي وحده، حتى بقي وحده. فكانت الخيل تحمل عليه من كل جانب، فإذا أتت من جانب من جوانب حمل عليها لوحده وردها. فتأتي من الجانب الآخر فيحمل عليها لوحده حتى سقط عليه حصى أو كذا فصرع، ثم بعد ذلك قتله رضي الله تعالى عنه. وكان كذلك ذا عبادة، كان ذا عبادة، وكان صوامًا قوامًا رضي الله تعالى عنه، حتى كان يلقب بحمامة المسجد من كثرة صلاته، من كثرة صلاته. ولذلك لما قتل وصلب مر عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فرآه مصلوبًا، فقال: أشهد الله أني، يعني كنت أعلمك صوامًا قوامًا لله، إلى آخر كلامه رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضًا من قوته أنه كان يواصل في الصيام، كان يواصل سبعة أيام أسبوعًا كاملًا، يصبح في اليوم الثامن، وهو من أشد الناس قوة، يعني لا يؤثر فيه الصيام والوصال ضعفًا. وإن كان هذا خلاف الصواب، لأن الوصال نهى عنه وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. ولعله لم يبلغه أنه نهى عن الوصال. لكن الشاهد أنه كان يواصل هذه الأيام كلها، ومع ذلك يصبح وفي غاية من القوة مما يدل على قوته. ويذكر أن القوة التي كانت عنده بسبب أنه شرب دم النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء عند الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ثم أعطى الدم لعبد الله بن الزبير وأمره أن يريقه، يعني يسكبه في موضع، فأخذه ابن الزبير وشربه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين ذهبت بالدم؟ قال: وضعته في موضع لا يراه أحد. قال: لعلك شربته؟ قال: نعم. فقال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس. لكن هذه الرواية فيها ضعف، هذه الرواية فيها ضعف، فهي من طريق الهنيد بن القاسم، وهو مجهول عين، مجهول عين، لم يروي عنه إلا موسى بن إسماعيل التبوذكي. وذكره البخاري في التاريخ الكبير، ومن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. نعم، وأيضًا من عبادته، كان مجاهد رضي الله عنه يقول: كان ابن الزبير إذا قام يصلي كأنه عود، يعني كأنه عمود، من شدة صلابته في الصلاة، أي لا يمل ولا يكل ولا يتحرك في صلاته. وهذا من شدة عبادته رضي الله تعالى عنه. أخرج له البخاري ستة أحاديث، ومسلم حديثين، واتفق له بحديث واحد. هذا أحد الحديثين في صحيح مسلم الذي بين أيدينا. والحديث الثاني مر معنا في صفة التورك في صفة تورك النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يضع قدمه اليسرى بين فخذه وساقه. قال: كان ابن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾. وقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة». قالوا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبي الزبير مولى لهم: أن عبد الله بن الزبير كان يهلل دبر كل صلاة بمثل حديث ابن نمير. وقال في آخره: «ثم يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة». قالوا: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا ابن علية، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وعليه أمه، وكان ينسب إليها، قال: حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب على هذا المنبر، وهو يقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سلم في دبر الصلاة أو الصلوات»، فذكر بمثل حديثه شام بن عروة. قالوا: حدثني محمد بن سلم المرادي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، وهو المصري، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، وهو صاحب السيرة: أن أبا الزبير المكي حدثه أنه سمع عبد الله بن الزبير وهو يقول في إثر الصلاة إذا سلم بمثل حديثهما. وقال في آخره: «وكان يذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». هذا الحديث: عبد الله بن الزبير فيه ذكر من أذكار ما يقال دبر الصلوات مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله وسلم كان يقول دبر كل صلاة: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون﴾. فقوله: ﴿لا إله إلا الله﴾ مر معنا أن كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، فلا إله نفي لكل ما يعبد من دون الله، وإلا الله إثبات العبودية لله، ولا يتحقق التوحيد إلا بإثبات هذين الركنين، وهما النفي والإثبات. وقوله: ﴿وحده﴾ هذا تأكيد للإثبات، وقوله: ﴿لا شريك له﴾ تأكيد للنفي. ﴿له الملك﴾ أي كل الملك لله سبحانه وتعالى، ﴿وله الحمد﴾ أي كل المحامد لله جل وعلا، ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ فلا يخرج شيء عن قدرة الله عز وجل. وقوله: ﴿لا حول ولا قوة إلا بالله﴾ أي لا حول لي ولا قوة لي في هذا التحول إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول لي ولا قوة لي في هذا التحول إلا بالله. وهذا يدل على ضعف الإنسان وعجزه وفقره وحاجته إلى ربه، وأنه لا قوة له في التحول من حال إلى حال إلا إذا قواه الله جل وعلا، سواء كان ذلك التحول يعني من بيته إلى مسجده أو إلى سوقه أو إلى عمله أو إلى غير ذلك من الأماكن والتحولات، فإنه لا يستطيع أن يتحول ولا قوة له على هذا التحول إلا بالله، إذا لم يقويه الله سبحانه وتعالى ولم يعنه الله عز وجل ما استطاع أن يتحول من مكانه، ما استطاع أن يتحول من مكانه. هذا يدل، كما سمعنا، على ضعف الإنسان وفقره وحاجته إلى ربه. ولهذا كان مثل هذا الذكر يشرع عند قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول السامع للأذان: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا يستطيع أن يتحول ويقوم ويجيب المؤذن إلا إذا قواه الله سبحانه وتعالى على ذلك. قال: ﴿لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه﴾، وهذا تأكيد لمعنى لا إله إلا الله التي معناها لا معبود بحق إلا الله، فلا أحد يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿له النعمة﴾، له النعمة، أي كل نعمة فهي لله سبحانه وتعالى، فهو جل وعلا مصدر النعم، وما بكم من نعمة فمن الله، نعم، وما بكم من نعمة فمن الله، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، فجميع النعم من الله جل وعلا، سواء كانت نعم دينية أو نعم دنيوية أو نعم حسية أو نعم معنوية، فكلها من الله جل وعلا هو المنعم بها سبحانه وتعالى. وقال هنا: ﴿له النعمة﴾، ما قال: النعمة له، وهذا يعني هنا قدم الجار والمجرور، مع أن حقه التأخير، لأجل إفادة الحصر، لأجل إفادة الحصر والاختصاص، كما هي القاعدة في باب النحو واللغة: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص. فقال: ﴿له النعمة﴾، أي جميع النعم له، ليست لغيره سبحانه وتعالى. هنا فيه إفادة تقديم الجار والمجرور الحصر، أي حصر النعمة لله سبحانه وتعالى. وهكذا ﴿له الفضل﴾، ليس لغيره جل وعلا، فالفضل كله له جل وعلا. وهكذا ﴿له الثناء الحسن﴾، فالذي يستحق الثناء الحسن هو الله جل وعلا، لكماله سبحانه وتعالى في ربوبيته وأسمائه وصفاته، ولعظيم فضله وإنعامه جل وعلا على عباده بالنعم الكثيرة المتوالية، فهو المستحق لأن يثنى ويمدح. قال: ﴿لا إله إلا الله مخلصين له الدين﴾، أي بتحقيق العبودية لله وإفراده جل وعلا بالعبادة وحده دون من سواه، ﴿ولو كره الكافرون﴾، أي ولو كره الكافرون ذلك وأرادوا أن يعبدوا غير الله جل وعلا، فالحن لا نعبد إلا الله جل وعلا، ونتبرأ من الكافرين ومن معبوداتهم وآلهتهم، كما قال الله جل وعلا: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين﴾، فالمؤمن الموحد لا يعبد إلا الله، ويخلص عبوديته لله سبحانه وتعالى وحده دون من سواه. فهذا الذكر العظيم مما يستحب أن يقوله المسلم بعد فراغه من صلاة الفريضة. قال ابن الزبير: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة»، كان يقولها عليه الصلاة والسلام بعد كل صلاة، فهي من الأذكار المستحبة التي تقال بعد الصلوات، صلوات الفريضة. فينبغي للمسلم ولطالب العلم أن يعتني بمثل هذا الدعاء.