كتاب الصيام 12

كتاب الصيام 12

الدرس في كتاب الصيام 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل السحور وحكمه وبركاته العامة

يبيّن المحور حديث «تسحروا فإن في السحور بركة» موضحاً أن السحور سنة مؤكدة غير واجبة، ويعدد بركاته في موافقة السنة النبوية وتقوية الصائم على الصيام وإعانته على إدراك صلاة الفجر وأدائها في وقتها.

مزايا السحور التفصيلية وتمييزه عن صيام أهل الكتاب

يستعرض المحور بركات وقت السحور كنزول الله تعالى وإجابة الدعاء والمغفرة، ويوضح أن السحور يفصل بين صيام المسلمين وأهل الكتاب، ويكفي فيه القليل من تمر وماء مستدلاً بحديث «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر».

استحباب تأخير السحور إلى قبيل الفجر

يوضح المحور عبر حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يتسحرون ثم يصلون الفجر بعد قدر قراءة خمسين آية، مستدلاً على استحباب تأخير السحور لتحقيق موافقة السنة وإدراك فضيلة وقت السحر والاستعداد للصلاة.

الدعوة لاستغلال الوقت في تلاوة القرآن برمضان

يختتم الدرس بالتأكيد على حرص المسلم على استغلال وقته في شهر رمضان بالإكثار من تلاوة كتاب الله تعالى، مختتماً بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري رحمه الله في صحيحه، في ذكره لأحاديث الصيام: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي بن بكير التميمي أبو زكريا الملقب بريحانة نيسابور. قال: أخبرنا هشيم، وهو ابن بشير السلمي أبو معاوية، ثقة كما قال الحافظ، إلا أنه كثير التدليس والإرسال الخفي. قال: عن عبد العزيز بن صهيب، وهو أبو حمزة البناني، عن أنس، وهو ابن مالك الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: وزياد بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، عن ابن علية - واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم -، قال: عن عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه. وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، قال: عن قتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». هذا الحديث يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسحور، والمراد بالسحور: أي ما يؤكل في وقت السحر، وهو وقت آخر الليل قبل الفجر. قال: «تسحروا فإن في السحور بركة». هذا أمر بالتسحر، إلا أنه نقل الإجماع -كما قال الإمام النووي رحمه الله وغيره- على أن السحور مستحب وليس بواجب. «تسحروا فإن في السحور بركة»، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في السحور بركة، والبركة: كثرة الخير والنفع، أي أن السحور فيه خير كثير ونفع كثير للصائم. ومن بركة السحور: أنه عمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإن التسحر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بالسنة فيه خير وبركة. ومن بركة السحور: أنه يقوي الصائم على تحمل الصيام بترك الطعام والشراب، فيجد المتسحر في نهار صيامه نشاطاً وقوة وإعانة على صيامه، وهذا من بركة السحور، بخلاف ما لو صام من غير سحور، قد يشعر بالتعب والإرهاق، وكذلك شيء من الفتور بسبب عدم التسحر. أيضاً من بركة السحور: أنه يعين الصائم على المحافظة على صلاة الفجر، فإذا تسحر في آخر الليل قبيل الفجر، ما يبقى من سحوره ودخول الفجر إلا شيئاً يسيراً، فحينئذ يستعد لصلاة الفجر ويتهيأ لإدراكها، فيكون من بركة السحور أن يعينه على المحافظة على صلاة الفجر. بخلاف لو أكل شيئاً في نصف الليل ولم يتسحر قبل الفجر، فقد يضيع صلاة الفجر ولا ينتبه لها، فكان من بركة السحور أنه يعين الصائم على المحافظة على صلاة الفجر. أيضاً من بركة السحور في وقت السحر: أن الصائم أو المتسحر يدرك وقتاً فاضلاً ووقتاً مباركاً، وهو آخر الثلث الأخير من الليل، في الوقت الذي ينزل فيه الجبار سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله إلى السماء الدنيا، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فاستجيب له؟»، فيدرك فضيلة هذا الوقت بعد أن تسحر، يدعو الله سبحانه وتعالى بما يريد من خير الدنيا والآخرة، فيكون ذلك من بركة السحور. أيضاً كذلك قد يستغفر في مثل هذا الوقت، فالاستغفار في وقت الأسحار من صفات أهل الإيمان، كما قال الله جل وعلا عن صفة أهل الجنة: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. كذلك أيضاً من بركة السحور: أن فيه بيان الفاصل كما جاء بين صيام أهل الإسلام وبين صيام أهل الكتاب، فإن المسلمين يتسحرون، وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم لا يتسحرون. قال: ثم ينبغي أن نعلم أن السحور المقصود به أن يأكل الإنسان ما يتيسر من الطعام، سواء كان قليلاً أو كان كثيراً، يعني لا يشترط في السحور أن يكون وجبة كما يقال دسمة أو وجبة كبيرة أو ثقيلة، لا، ولو كان يتسحر بتمر وشرب ماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم سحور المؤمن التمر، نعم سحور المؤمن التمر». بل لو ضاق عليه الوقت، يعني نام ولم يستيقظ إلا قبيل الفجر بدقائق، لا يسع الوقت إلا أن يشرب ماء، يشرب الماء يتسحر بشرب الماء، ويجد أثر هذا السحور وبركة هذا السحور في صيامه، فالمقصود أنه يأكل شيئاً يتسحر به يؤدي به هذه السنة، ويجد بإذن الله بركة هذه الأكلة. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي المصري، عن موسى بن علي، موسى بن علي هو أبو عبد الرحمن المصري، كان أمير مصر في زمنه لآل أبي جعفر المنصور، وكان رجلاً صالحاً حافظاً للحديث، وقد وثقه جماعة من أهل العلم، من الإمام النسائي رحمه الله. قال: عن أبيه، وهو علي بن رباح اللخمي، وهو ثقة. قال: عن أبي قيس مولى عمر بن العاص، هو عبد الرحمن بن ثابت، وهو ثقة أيضاً. قال: عن عمر بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، يعني الفاصل والمميز بين صيام أهل الإسلام وصيام أهل الكتاب اليهود والنصارى: أكلة السحر، فاليهود والنصارى لا يتسحرون، وأما أهل الإسلام فإنهم يتسحرون. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة جميعاً عن وكيع، وحدثنيه أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، كلاهما عن موسى بن علي بهذا الإسناد. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان، القاضي والإمام المحدث، قال: عن هشام، وهو الدستوائي أبو عبد الله، عن قتادة، وهو ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، قال: عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، وهو الأنصاري النجاري، قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وزيد بن ثابت عمره إحدى عشرة سنة، فأسلم رضي الله عنه، وكان فطناً ذكياً، تعلم العربية والعبرانية، وكان يكتب الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، ووكله عثمان رضي الله عنه بكتابة المصحف في زمنه لما عزم على جمعه. قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة»، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: «خمسين آية». قال: وحدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا همام، وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سالم بن نوح، قال: حدثنا عمر بن عامر، كلاهما عن قتادة بهذا الإسناد. هذا الحديث فيه استحباب تأخير السحور، فزيد بن ثابت رضي الله عنه يقول: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة»، قال أنس: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ أي ما بين السحور وما بين القيام إلى الصلاة، قال: «خمسين آية»، يعني قدر قراءة خمسين آية. قال أهل العلم: المراد بخمسين آية يعني من الآيات المتوسطة، ليست بالطويلة ولا بالقصيرة، وقراءة قدر خمسين آية متوسطة تقرأ في قدر نحو ربع ساعة أو نحوها، وهذا وقت قليل متقارب بين السحور وبين القيام للصلاة، فهو يدل على استحباب تأخير السحور، فالمستحب أن يؤخر المسلم سحوره إلى قبيل الفجر، إذا سحر قبل الفجر بربع ساعة، بعشرين دقيقة، نصف ساعة، فيكون بينه وبين سحوره وبين الفجر وقتاً قريباً، هذه السنة، وهذا هو الأنفع كما سمعتم، لكثير من المنافع والخير الذي يتحصل عليها المتسحر في مثل هذا الوقت، من موافقة السنة وإدراك فضيلة آخر الليل ووقت السحر والتهيؤ لصلاة الفجر، إلى ذلك، هذه كلها تتحقق فيمن أخر سحوره في مثل هذا الوقت. وقوله هنا: «خمسين آية»، هنا قدر الزمن بقراءة خمسين آية، والعرب كانت من عادتهم أنهم يقدرون الأوقات بالأفعال، يقدرون الوقت والزمن بفعل، مثلاً يقولون: قدر حلب ناقة، أو قدر حلب شاة، أو فعل كذا وكذا من الأفعال، ولما كان شهر رمضان يعني شهر العبادة والطاعة والمسابقة في فعل الخير، قدر هذا الزمن بين السحور وبين القيام للصلاة بقدر خمسين آية، يعني يشير إلى أن الوقت وقت قراءة للقرآن وذكر لله سبحانه وتعالى، وهذا فيه إشارة إلى أنهم رضي الله عنهم كانوا يستغلون أوقاتهم في مثل هذا الشهر المبارك بطاعة الله سبحانه وتعالى والإكثار من ذكر الله ومن قراءة القرآن، حتى إنهم يتسحرون ثم يقبلون على القرآن تلاوة وقراءة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم حريصاً على وقته، وخاصة في مثل هذا الشهر، أن يستغل وقته في تلاوة كتاب الله جل وعلا والإكثار من ذلك. طيب، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.