الدرس في كتاب الصيام 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث نبوي أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري، مبيناً توثيق علماء الجرح والتعديل للرواة كالليث بن سعد وسهيل بن أبي صالح. ويختتم بذكر الحديث: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً».
يوضح المقطع حديث أبي سعيد الخدري عن فضل صيام يوم في سبيل الله بأنه يبعد الوجه عن النار سبعين خريفاً، ويبين أن المراد بـ (ما من عبد) هو المسلم فقط لأن الكفر مانع لقبول العمل. ويناقش خلاف العلماء في تفسير (في سبيل الله) هل هو الجهاد أم الإخلاص لله، وأن الصيام يُقصد به الإخلاص في العبادة لله وحده سواء في الجهاد أو الإقامة أو السفر.
إذا كان الصيام يضعف المجاهد عن الجهاد والقتال، فالمستحب له أن يفطر ولا يصوم، اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه. كما يشير العلماء إلى اشتراط ألا يضعف الصيام المجاهد عن أداء واجبه في القتال وحفظ حدود المسلمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، وهو أبو عبد الله التجيبي. قال الذهبي الحافظ: مكثر، كان علامة أخباري. قال فيه الإمام النشائي رحمه الله: ما أخطأ في حديث واحد، وهذا يدل على قوة حفظه. قال فيه الحافظ: ثقة ثبت. قال: أخبرني الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، كان ثقة فقيهاً إماماً، كما قال الحافظ رحمه الله. قال يحيى بن أبي كثير: الليث أفقه من مالك، الليث أفقه من مالك، لكن كانت الحظوة لمالك. وسبب في ذلك، كما ذكر بعض أهل العلم، أن تلاميذ الليث لم يعتنوا بفقهه وبعلمه، بخلاف الإمام مالك، فقد اعتنى تلاميذه وطلابه بعلمه، فظهر علمه وانتشر فقهه، رحمه الله. قال: عن ابن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة. قال: عن سهيل بن أبي صالح، وأبو صالح اسمه ذكوان السمان. وأبو صالح له ثلاثة أبناء: سهيل، وعباد، وصالح. وكلهم ثقات. نعم، وسهيل بن أبي صالح صدوق، احتج به الإمام مسلم، ولم يخرج له البخاري محتجاً به؛ وذلك أنه مرض فنسي بعض حديثه، فلم يخرج له البخاري محتجاً به إلا في النوادر، أخرج له مقروناً بغيره. قال: عن النعمان بن أبي عياش، وهو أبو سلمة الزرقي، وهو ثقة. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً». وقال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن سهيل، بهذا الإسناد. وقال: وحدثني إسحاق بن منصور، وعبد الرحمن بن بشر العبدي، كلاهما قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج، ثقة إلا أنه مدلس، عن يحيى بن سعيد، وهو الأنصاري، وسهيل بن أبي صالح، أنهما سمعا النعمان بن أبي عياش الزرقي يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً». هذا الحديث فيه فضيلة من فضائل الصيام، وأن الصوم من فضائله أنه ينجي صاحبه من النار، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «الصيام جنة»، أي وقاية تقي صاحبها من النار. وفي هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله». ما من عبد، يعني: سواء كان رجلاً أو امرأة، صغيراً أو كبيراً. قد يقول قائل: وبعمومه قد يدخل فيه المسلم والكافر. نقول: نعم، لكن الكافر دلت الأدلة على أنه لا يقبل منه العمل إلا بالإسلام، ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾، فالكفر مانع من موانع قبول الأعمال وصحتها. فقول: «ما من عبد»، المراد به: ما من عبد مسلم. ما من عبد مسلم يصوم يوماً في سبيل الله، يصوم يوماً، أي: أي يوم من الأيام، في سبيل الله. اختلف أهل العلم في المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «في سبيل الله». هل مراد به: في سبيل الله، أي في الجهاد؟ إذا كان يجاهد في سبيل الله فصام وهو في الجهاد، فينال هذا الأجر العظيم. أو أن المراد في سبيل الله: يعني لوجه الله، أن يصوم خالصاً لله جل وعلا، يريد الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى؟ وكل المعنيين محتمل. وقد يراد به: في سبيل الله، أي في الجهاد، وقد يراد: في سبيل الله، أن يصوم لله، أن يصوم لله محتسباً الأجر والثواب من الله، سواء كان في أرض الجهاد، أو كان مقيماً في بلد، أو مسافراً في أي أرض، يتعبد الله عز وجل بهذه العبادة العظيمة. قال: «إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً». سبعين خريفاً، أي: سبعين عاماً، أي: سبعين عاماً. هذه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة لمن صام يوماً في سبيل الله. وكما قلنا: المراد بسبيل الله أنه يخلص في عبادته، عبادة الصيام، يريد الأجر والثواب من الله جل وعلا، لا يصوم رياء ولا سمعة، ولا عادة، ولا شيئاً من مقاصد الدنيا، وإنما يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، فإنه ينال هذا الأجر العظيم: أن يبعده الله سبحانه وتعالى عن النار سبعين خريفاً. إذا كان هذا يوماً، فكيف إذا كان يصوم أياماً؟ كيف لو كان يصوم أياماً في سبيل الله؟ كلما صام يوماً، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً، فكلما ازداد من الصوم، ازداد بعداً من النار. فيكون من فضائل الصيام وفوائده أنه ينجي صاحبه من النار، ينجيه الله سبحانه وتعالى من دخول النار. فهذه فضيلة عظيمة تحث المسلم على الاعتناء بهذه العبادة العظيمة، وهذه العبادة المباركة، ألا وهي عبادة الصيام. نعم، ومن حمله من أهل العلم على أن المراد به: في سبيل الله، في الجهاد، فاشترط أهل العلم في حق من أراد أن يصوم في الجهاد ألا يكون ذلك سبباً في إضعافه عما ينبغي أن يقوم به من القتال في سبيل الله، والتقوي على ملاقاة الأعداء، أو القيام بما يجب عليه من حفظ حدود المسلمين ونحو ذلك. إذا كان لا يضعفه الصيام، فلا بأس، لا بأس أن يصوم. وأما إذا كان سيصوم ويضعفه الصوم عن الجهاد والقتال، فهذا المستحب في حقه أن يفطر ولا يصوم، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بعض مغازيه. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.