الدرس في كتاب الصيام 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الصيام اختصه الله لنفسه وجعل أجره غير محدود، وخلوف فم الصائم أطيب من المسك. للصائم فرحتان: عند فطره وعند لقاء ربه.
يوضح الحديث القدسي أن الصيام عبادة خفية لا يدخلها الرياء، فيُضاف إلى الله ويجزى به. كما يبين الفرق بين الحديث القدسي والقرآن الكريم.
يشبه الصيام العبد بالله في الاستغناء عن الطعام والشراب، فيُضاف العمل إلى الله ويجزى بغير حساب. الصيام جنة تقي الذنوب والنار وتوجب فرحتين.
تعمد إنزال المني بالمباشرة أو النظر يفسد الصوم لأن الصائم يترك شهوته لله. إشباع الشهوة عمداً ينافي مقصود الصوم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثني حرملة بن يحيى التوجيبي، قال: أخبرنا ابن وهب، هو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب، وهو الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وهو ابن حزن المخزومي سيد التابعين، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». وقال: وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا المغيرة، وهو الحزامي القراشي ثقة، عن أبي الزناد، هو عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ». وقال: وحدثني محمد بن رافع، وهو النيسابوري القشيري الحافظ، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج ثقة إلا أنه مدلس، قال: أخبرني عطاء، وهو ابن أبي رباح أحد أئمة التابعين. قال الإمام الذهبي رحمه الله في التاريخ: أحد الأعلام، أعلام التابعين، كان إمامًا سيدًا أسود مجعد الشعر من موالي الجند، وكان فصيحًا علامة، بل كان يعني مفتي الناس في المناسك، وإليه أرجعت الفتوى في مكة ك مجاهد رحمه الله، رفعه الله جل وعلا بالعلم. قال: عن أبي صالح الزيات، وهو ما اسمه؟ ما اسمه أبي صالح؟ السمان الزيات، ذكوان، ذكوان، ذكوان السمان. وقيل له السمان والزيات نسبة إلى بيع السمن والزيت، فالسلف كانت لهم حِرَف، كان بعضهم يعملون ويتاجرون ببيع الزيت أو ببيع الثياب، فيقال لأحدهم البزاز، أو بصناعة الأحذية فيقال له الحذاء، أو غير ذلك من الحرف والأعمال، فما أنقص ذلك من قدرهم شيئًا، ولا عيب. لا عيب على العالم أو طالب العلم أن يكون له عمل أو حرفة أو تجارة يسد بها حاجته ويكف بها وجهه عن الناس، ليس هذا بعيب، بل العيب إذا ترك العمل وجعل يتلاعب بأموال الناس وبالصدقات والنفقات، هذا الذي يعيبه وينقص من قدره ومنزلته. أما أن يعمل عملًا مباحًا يكف به حاجته فلا عيب عليه في ذلك. قال: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّةٌ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يسفه، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وللصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». وقال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، ووكيع، وهو بن الجراح، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران. وقال: وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا جرير عن الأعمش. وقال: وحدثنا أبو سعيد الأشج، واللفظ له، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». وقال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضيل، وابن غزوان، قال: ومحمد بن فضيل، وابن غزوان ثقة إلا عنده تشيع، قال: عن أبي سنان، وهو ضرار بن مرة أبو سنان الكوفي ثقة ثبت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَيْنِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ اللهَ فَرِحَ، والذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». وحدثني إسحاق بن عمر بن سليط الهذلي، قال: حدثنا عبد العزيز، يعني ابن مسلم، قال: حدثنا ضرار بن مرة، وهو أبو سنان، بهذا الإسناد، قال: وقال: «إِذَا لَقِيَ اللهَ فَجَزَاهُ فَرِحَ». هذا الحديث حديث قدسي، والحديث القدسي ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين سبحانه وتعالى، فإذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل»، فهذا يسمى حديثًا قدسيًا. والحديث القدسي هو من كلام الله، من كلام الله جل وعلا. لكن ما الفرق بينه وبين القرآن؟ ما الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن؟ نعم، القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، والحديث القدسي هو من كلام الله معنى، ولفظه من النبي عليه الصلاة والسلام. أيضًا من الفروق بين الحديث القدسي والقرآن: نعم، القرآن يتعبد بتلاوته وقراءته، وأما الحديث القدسي فلا يتعبد بتلاوته. أيضًا نعم، القرآن يُقرأ به في الصلاة، والحديث القدسي لا يُقرأ به في الصلاة. أيضًا فارق أخير ما يتعلق بالطهارة: فالقرآن يشترط له الطهارة، والحديث القدسي لا يشترط له الطهارة. طيب، في هذا الحديث القدسي يقول الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به». ذكر الإمام النووي رحمه الله في الشرح عدة أقوال في بيان هذا المعنى، معنى قوله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام». ومن هذه الأقوال: أن الصوم أضافه الله عز وجل إلى نفسه لأنه عمل خفي، عمل خفي بين العبد وبين ربه، فقد يعني جميع الأعمال قد يدخلها الرياء، قد يصلي الإنسان رياء، أو يتصدق رياء، أو يقرأ رياء وسمعة، لكن الصوم ما يمكن أن يصوم الإنسان رياء، إذا أراد أن يرائي قد يتظاهر أمام الناس بأنه صائم ثم إذا خلَا أفطر، وفي هذه الحال ليس بصائم حقيقة، فكون الإنسان يصوم ويتعبد لله بهذه العبادة ويترك المفطرات لا يكون ذلك إلا من مخلص يريد ما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر والثواب، فهذا يعني تحقيق الإخلاص في هذه العبادة وفي هذه الطاعة، والبعد عن الرياء لا يكون إلا في مثل هذه العبادة، فلذلك اختص بهذه الإضافة إلى الله سبحانه وتعالى. أو كذلك يكون الصيام وترك الطعام والشراب هذا من صفات الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل لا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى شيء من الطعام والشراب، ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾، قيل الصمد الذي لا جوف له، وقيل الذي تصمد إليه الخلائق بطلب حوائجها، فالله عز وجل هو الكامل سبحانه وتعالى بخلاف المخلوق وهو ناقص يحتاج إلى ما يكمله من طعام وشراب إلى آخر ذلك، فلما ترك العبد الأكل والشرب وصام عن سائر المفطرات تشبه بالخالق سبحانه وتعالى بهذه الصفة، فناسب ذلك أن يشرف بإضافة هذا العمل إلى الله سبحانه وتعالى. وذكر رحمه الله أقوالًا أخرى، على كل ففيه فضيلة عظيمة لهذه العبادة، عبادة الصيام، وأن الله جل وعلا يجزي الصائم بجزاء من عنده، «فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وكل عمل يعمله العبد وكل طاعة وعبادة له فيها حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، فإن الصائم يجازى بجزاء لا حساب له، لا حساب له، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، قال بعض السلف: المراد بالصابرين هنا الصائمون، فهم يجازون ويثابون بثواب لا حساب له ولا عد له، قال بعضهم: يُغْرَفُ لَهُمْ غُرَفًا، أي من الأجر والثواب. قال: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ»، جُنَّةٌ أي وقاية، جُنَّةٌ أي وقاية يقي صاحبه من الوقوع في الذنوب والمعاصي والسفه والجهل، وجُنَّةٌ أيضًا وقاية له من النار، فالصيام عبادة عظيمة تسوق صاحبها إلى الجنان والفوز بنعيم الرحمن سبحانه وتعالى. قال: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْفِهْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». مرة الكلام على معنى ذلك في الحديث السابق، وأن الصائم ينبغي أن يكون على أكمل الأخلاق، فيحفظ لسانه ويحفظ جوارحه عما حرم الله سبحانه وتعالى، ويترفع عن الجهل والسفه والسب والشتم والطعن واللعن والصياح وغير ذلك مما ينافي الصيام. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ»، وهذا قسم بالله سبحانه وتعالى لأن الذي بيده الأنفس هو الله سبحانه وتعالى، وفي جواز الحلف والقسم من غير استحلاف إذا كان المقصود من ذلك بيان عظم أمر أو كذلك تعظيم أمر فلا بأس بذلك. قال: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ»، خُلُوف: الخلوف هي الرائحة التي تخرج وتنبعث من معدة الصائم فتظهر على فيه وفمه، تجد أن الصائم تخرج منه رائحة يكرهها من يشم هذه الرائحة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ»، أي هذه الرائحة التي تنبعث من فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، المسك أطيب الطيب، أطيب الطيب هو المسك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك هذه الرائحة التي تنبعث من فم الصائم أثر هذه العبادة والطاعة هي أطيب عند الله سبحانه وتعالى من رائحة المسك. قال: «وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ»، إذا أفطر وأكمل صيام هذا اليوم فإنه يفرح أن الله وفقه وأعانه حتى أكمل صيام هذا اليوم، ويفرح كذلك بأن الله أباح له ما قد حرم عليه حال الصيام من الطعام والشراب وسائر المفطرات، فهو يفرح بذلك، «إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»، هذا الفرح الثاني يوم القيامة، أنه إذا لقي الله سبحانه وتعالى وجازاه الله على هذه العبادة وهذه الطاعة فرح بصومه، فرح بصيامه وتقرب إلى الله جل وعلا بعبادة الصيام حين يجد ذاك الثواب العظيم وذاك الأجر الكبير بسبب هذه العبادة العظيمة المباركة، فرح بصيامه الذي تقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. وفي حديث أبي هريرة الرواية الأخرى من طريق الأعمش، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». استدل به أهل العلم، جمهور علماء، على أن الصائم ينبغي أن لا يحصل منه شيء من إنزال الشهوة، أي إنزال المني، سواء كان بمباشرة أو بغير ذلك أو بتعمد نظر وتفكر إلى آخر ذلك، فإن هذا مما يفسد صومه، لأن الله عز وجل يقول: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ