الدرس في كتاب الصيام 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع أحاديث تصف نمط صيام النبي صلى الله عليه وسلم وإكثاره من صيام شعبان مع اعتداله بين الصيام والإفطار. وتؤكد الأحاديث أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وعلى المسلم أن يأخذ من العمل ما يطيق.
يؤكد المقطع على أهمية الاعتدال في العبادة وعدم تكلف ما يشق على النفس مستشهداً بأحاديث النبوية. ويوضح أن المداومة على العمل القليل خير من الكثير المنقطع، وأن الإفراط يورث الملل والانقطاع بينما هدي النبي يقوم على الاقتصاد وإعطاء النفس حقها.
يذكر المؤلف الصلاة والتسليم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يعبر هذا المقطع عن الدعاء النبوي المعتاد في بداية الخطب والدروس العلمية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، الهمداني، المشهور بابن راهويه، وهو من حفاظ الثقات. قال: أخبرنا معاذ بن هشام، وهو أبو عبد الله الدستوائي، الصدوق، ربما وهم. قال: حدثني أبي، وهو هشام الدستوائي، ويقال له صاحب الدستوائي، وهو من الحفاظ الثقات، إلا أنه رمي بالقدر. قال: عن يحيى بن أبي كثير، وهو أبو نصر، أبو محمد البصري اليمامي، ثقة ثقة ثبت، لكنه يرسل ويدلس. قال: حدثنا أبو سلمة، وهو ابن عبد الرحمن القرشي. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر من السنة أكثر صياماً منه في شعبان، وكان يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا»، وكان يقول: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل». قالوا: حدثنا أبو الربيع الزهراني، وهو سليمان بن داود العتكي، ثقة. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو واصل بن عبد الله اليشكري، وهو من حفاظ الثقات. قال: عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس اليشكري. قال: عن سعيد بن جبير، وهو محمد الكوفي، الإمام الحافظ الثقة الفقيه، تلميذ عبد الله بن عباس. قال: عن ابن عباس، هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، حبر هذه الأمة. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً قط غير رمضان، وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. قال: وحدثنا محمد بن بشار، أبو بكر بن نافع، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، بهذا الإسناد، وقال: «شهراً متتابعاً منذ قدم المدينة». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة... عندكم ما بن أبي شيبة؟ ها ابن أبي شيبة، نعم. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن نمير. حاء وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب، ونحن يومئذ في رجب، يعني في شهر رجب. قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. يعني: إذا شئت أن تصوم فصم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني كان يحرص على الصيام، فلا يمر شهر من الشهور إلا ويصوم منه. فإذا رأت أن تصوم شيئاً من رجب فصم. هذا مقصود من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: وحدثنيه علي بن حجر، قال: حدثنا علي بن مسهر. وحدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهما عن عثمان بن حكيم، في هذا الإسناد، بمثله. قال: وحدثني زهير بن حرب، ومن أبي خلف، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا حماد، ومن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، ومن ثقة الناس، في ثابت. قال: عن ثابت، ومن أسلم البناني، قال: عن أنس، ومن مالك رضي الله عنه، رضي الله عنه. حاو. حدثني أبو بكر بن نافع، واللفظ له، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا ثابت، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى يقال: قد صام، قد صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر، قد أفطر. فهذه الأحاديث فيها بيان هدي النبي عليه الصلاة والسلام في الصيام، وأنه كان عليه الصلاة والسلام معتدلاً، فيصوم أحياناً ويفطر أحياناً. فإذا صام قال الناس: قد صام، يعني ربما يستمر أو يسرد شيئاً من الصيام. وإذا أفطر قال الناس: قد أفطر، بمعنى أنه ما كان يسرد الصيام سرداً من غير أن يقطع الصيام، ولا كان يفطر ويسرد الفطر من غير أن يصوم، فيصوم أحياناً ويفطر أحياناً، فيصوم ما شاء الله أن يصوم، ويفطر ما شاء الله أن يفطر. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في عبادته مقتصداً معتدلاً، متى ما وجد نشاطاً صام وأقبل على العبادة، ويترك أحياناً حتى لا يصيبه الملل والكسل والفتور، فيستمر على العبادة والطاعة وإن كانت قليلة، وهذا أحب إلى الله جل وعلا. وهذا ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة، قالت: كان يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون»، يعني على حسب استطاعتكم من غير تكلف ومشقة على النفس. لماذا؟ لأن نهينا لأن نهينا عن التكلف، الله عز وجل يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فالمسلم ينبغي أن يعمل من الأعمال والطاعات ما بطاقته ووسعه، سواء كان ما يتعلق بالصلاة، أو ما يتعلق بالصيام، أو ما يتعلق بقراءة القرآن، أو ما يتعلق بطلب العلم، أو قيام الليل، أو غيرها من العبادات والطاعات، فيعمل العبادات على قدر طاقته وعلى قدر استطاعته، فلا يكلف نفسه ويشق على نفسه، ثم بعد ذلك يترك الطاعة والعبادة، يترك الطاعة والعبادة، لماذا؟ لأنه يجدها ثقيلة، يجدها ثقيلة عليه، ولا يتحملها، فيصيبه بعد ذلك الملل والكسل، ويترك العبادة والطاعة. ولهذا قال هنا: «فإن الله لا يمل، لن يمل حتى تملوا»، وكان يقول: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل». الملل هو ما يصيب الإنسان من الكسل، من فعل الشيء فيتركه ويهمله، يتركه ويهمله. هذا بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق سبحانه وتعالى، فصفات الخالق لا تماثل صفات المخلوقين. في هذا الحديث صفات الملل لله، لكنه يليق بجلال الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. والله عز وجل قد نزه نفسه عن مثل هذه الصفات، صفات النقص، من الكسل والتعب والملل الذي هو بهذا المعنى، فهذا منزه عنه الخالق سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، أي من تعب. فالله عز وجل لا يوصف بالتعب والكسل كما يوصف به المخلوق. فيكون من معاني هذا الحديث: كما أن في إثبات صفة الملل لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، أن عطاء الله عز وجل وخيره لا ينقطع عن العبد إلا إذا انقطع عن العبادة، إلا إذا انقطع عن العبادة ومل فترك العبادة وطاعتها. ولهذا كان أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل. فعمل قليل مع المداومة والاستمرار خير من عمل كثير مع الانقطاع والترك. فربما يقبل العبد على الطاعة، يجد عنده نشاطاً وهمة وقوة، فيكثر على نفسه، فما يدري مع مرور الأيام إلا ويجد ثقلاً في فعل هذه العبادة والطاعة، ثم يصيب بعد ذلك الملل والكسل والفتور والضعف، حتى يؤدي به إلى أن يترك هذه العبادة. مثلاً: من أراد أن يقوم الليل، فجاء إلى قيام الليل بقوة، وقال: أنا سأقوم نصف الليل، من الساعة الواحدة إلى الفجر. بدأ بذلك في أول الأيام، قد يجد نشاطاً وهمة، ثم ربما بعد ذلك يصيبه الضعف، يصيبه الكسل والملل، حتى يؤدي به إلى ترك هذه العبادة بالكلية. لكنه لو أخذ من قيام الليل شيئاً يسيراً، لو قام ساعة، نصف ساعة، مع المداومة والاستمرار، هذا أحب إلى الله، هذا أحب وأفضل وأنفع للإنسان. كذلك في باب قراءة القرآن: لو قال: أنا سأقرأ في اليوم ثلاثة أجزاء، وسأستمر على ذلك، فأقبل على قراءة القرآن، استمر فترة، ثم وجد الملل والكسل، فبدأ ينقص من ثلاثة أجزاء إلى جزئين، ثم جزء، ثم نصف جزء، ثم ربما بعد ذلك لا يقرأ شيئاً. ولو أنه من أول الأمر أخذ بجزء مثلاً، كل يوم يقرأه ويستمر عليه، لكان هذا خير له. وهكذا في باب الصيام: إذا أراد أن يصوم ويستمر في عبادة الصيام، فيأخذ منه بقدر طاقته، ولو شيئاً يسيراً، مع المداومة والاستمرار، فيصوم الاثنين والخميس مثلاً، أو ثلاثة أيام من كل شهر، مع الاستمرار. هذا أفضل، أفضل من أنه يقول: سأصوم، سأصوم يوماً وأفطر يوماً. هذا لا شك أنه أمر طيب، وهو أفضل الصيام، وعدل الصيام. لكن هل تطيق ذلك؟ هل تستطيع أن تستمر على هذه العبادة؟ الجواب: ربما لا تستطيع، سيصيبك بعد ذلك الملل، ويصيبك الفتور، فتترك ربما هذه العبادة بالكلية. لكن قليل مع الاستمرار، فهذا أفضل. هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل». كان عملاً قليلاً مع الاستمرار والمداومة، والعمل إذا كان قليلاً لا يثقل على النفس، يكون شيئاً يعني سهلاً ويسيراً. كونه يصوم مثلاً الاثنين والخميس ليس بشيء شاق، بخلاف لو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، هذا فيه شيء من المشقة. وهكذا الاقتصاد في قراءة القرآن، وفي الصيام، وفي الصلاة، وسائر العبادات، فهذا يعين العبد على المداومة والاستمرار. والله جل وعلا قد ذم قوماً كلفوا أنفسهم من الأعمال ما لا تطيق، فتركوا ولم يستمروا. قال جل وعلا: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، يعني تركوا ما كلفوا أنفسهم به. والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض روايات هذا الحديث، كما في الصحيحين، أنه دخل على عائشة، وعندها امرأة، فقال: «من هذه؟» قالت: فلانة، تذكروا من صلاتها وعبادتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عليكم من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا». ودخل مرة على المسجل، كما في الصحيح، وجد حبلاً ممدوداً بين ساريتين. قالوا: من هذا الحبل؟ قالوا: لزينب، إذا فترت تعلقت به. يعني في الصلاة كانت تصلي، فإذا أصابها الفتور والتعب، تعلقت بهذا الحبل حتى تستمر في الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حلوه، أي اقطعوا هذا الحبل، وليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد». يصلي وهو نشيط، شعر بالتعب يذهب ينام، فإذا فتر فليرقد. هكذا النبي صلى الله عليه وسلم معلم أمته الاقتصاد في باب العبادة والطاعة. وفي حديث المسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». وفي حديث الثلاثة، الثلاثة الذين قالوا: قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الثاني: أنا لا أتزوج النساء. وقال الثالث: أنا لا آكل اللحم. لما سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، كأنهم تقالوها، قالوا: قليلة. أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فلما بلغ مقالتهم النبي عليه الصلاة والسلام، قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». من رغب عن هدي وطريقتي فليس مني. هذا هو هدي في العبادة والطاعة. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل خلق الله، وأخشى الناس لله، وأعبد الناس لله، كان على هذه الطريقة في العبادة: يصلي وينام، يقوم وينام، يصلي نشاطه وينام، ليعطي جسده حقه من الراحة. كذلك يصوم ويفطر أحياناً، يصوم وأحياناً يفطر. وهكذا يتزوج النساء، ويعطي للنفس حقها مما تحتاج له من مثل هذه الأمور. فكانت أعمال النبي عليه الصلاة والسلام على الاقتصاد وعلى العدل، لا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في عباداته وطاعاته، وإلا لا مال عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام، وخالف سنته صلى الله عليه وسلم. طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.