الدرس في كتاب الصيام 45، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع قاعدة في علم الجرح والتعديل مفادها أن تفرد أحد الحفاظ بتضعيف راوٍ مع توثيق الجمهور له يجعل قول الجمهور هو المقدم، ويضرب مثالاً على ذلك بهدبة بن خالد واختلاف النسائي فيه، ثم يسوق سند الحديث إلى حماد بن سلمة وثابت البناني ومطرف بن عبد الله بن الشخير مع توثيق أحوالهم.
يسرد المقطع حديث عمران بن حسين رضي الله عنهما حيث سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً عن صيامه من سرر شعبان (آخره)، وأمره بصيام يومين بعد رمضان إذا لم يصمه. ثم يستعرض الشيخ أسانيد الحديث مفصلاً، ويناقش أحوال الرواة ومصطلحات الجرح والتعديل مثل "المقبول"، ويوضح المعنى اللغوي لعبارة "سرر شعبان".
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أفطر في آخر شعبان لظنه أن النهي عن تقدم رمضان يشمل من له عادة صيام، بأن يقضي يومين بعد رمضان. وبين أهل العلم أن النهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان خاص بمن لا عادة له، أما من اعتاد صيام أواخر كل شهر فلا حرج عليه في صيام آخر شعبان، بل هو مستحب اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من صيام شعبان.
أشار الإمام مسلم إلى حديث يدل على استحباب الصيام في أواخر شهر شعبان (سرر شعبان) أو في شهر شعبان عموماً. واختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشكر الحضور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا هداب بن خالد. عندكم هداب أو هدبة؟ ها، هداب، نعم. وعندي كذلك في هذه النسخة هداب، وفي بعض التراجم ذكر باسم هدبة بن خالد القيسي، وهو ثقة عابد، كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله. تفرد النسائي بتليينه، الإمام النسائي ضعفه، وبقية الحفاظ على توثيقه، ولهذا قال: تفرد النسائي بتليينه. ولهذا كان الإمام النسائي رحمه الله شديداً في الرجال، وقول الأكثر هو الصواب أنه ثقة. وهكذا إذا حصل خلاف بين أهل الحديث في الكلام في رجل في توثيقه أو تضعيفه، فتفرد أحد أهل العلم بتضعيفه، والباقون على توثيقه، ولم يذكر المضعف سبباً بتضعيفه، أو ذكر سبباً، والذين وثقوه بينوا أن هذا السبب لم يثبت عنه، فلا شك أن قول من وثقه هو المقدم، ومن ضعفه في مثل هذه الحال فقد أخطأ، فقد أخطأ. وهذا قد يحصل في الكلام على الرجال، ربما ينفرد أحد أهل العلم في الطعن في رجل واتهامه بشيء من البدعة، وتجد الآخرين من العلماء يدافعون عنه، وكذلك أيضاً يردون هذه البدعة ويحكمون عليه بالسنة، وحينئذ تعلم أن هذا المتفرد قد شذ في هذا الحكم وأخطأ، وحصول الخطأ من الواحد أقرب من حصوله من الجماعة، أقرب من حصوله من الجماعة. وفي مثل هذه الحال يعلم طالب العلم أنه إذا حصل مثل ذلك، إن حصل شيء من ذلك، فيحرص أن يكون مع قول أكثر أهل العلم، لأن هذا أقرب إلى الصواب، وأسلم من الوقوع في الخطأ، وأسلم من الوقوع في الخطأ. وعلى سبيل المثال، مثلا، ما حصل في فتنة الحجوري حين طعن في الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، فتجد عامة أهل العلم أنهم لم يتابعوه على هذا التجريح، ولم يوافقوه، بل خالفوه، وأثنوا على الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، وأنه بريء مما اتهم به. وانظروا إلى الذين أخذوا بأقوال أهل العلم كيف سلموا ونجوا من هذه الفتنة، الذين أخذوا، أخذوا بقول أهل العلم الذين لم يوافقوا الحجوري على ما قال، سلموا ونجوا، والذين تابعوا الحجوري وتعصبوا له، انغمسوا في هذه الفتنة، وأصبحوا يقلدونه، ويدافعون عنه بالباطل، بالباطل، حتى صاروا أهلها، وعياذاً بالله. قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو ابن دينار، البصري، أبو سلمة، وهو ثقة عابد، إلا أنه تغير في آخره، في آخر حياته، وهو من أوثق الناس في ثابت، من أوثق الناس في ثابت، حتى قال من قال من أهل العلم: إذا اختلف الناس في ثابت فالقول قول حماد، فالقول قول حماد بن سلمة. قال: عن ثابت، وهو ابن أسلم البناني، وهو أيضاً ثقة عابد، كان من عباد أهل البصرة، بل قيل: لم يكن أحد خيراً منه في العبادة في زمنه من أهل البصرة، كان من أعبد أهل البصرة في زمانه. قال: عن مطرف، وهو ابن عبد الله بن الشخير، أبو عبد الله، وهو ثقة عابد فاضل، وأبوه صحابي، عبد الله بن الشخير، صحابي. قال: ولم أفهم مطرفاً من هداب. عن عمران بن حسين، رضي الله عنهما، صحابي ابن صحابي، أسلم هو وأبوه، وأبو هريرة في وقت واحد، عمران وأبوه حسين، وأبو هريرة، رضي الله تعالى عنهم، وغزى مع النبي عليه الصلاة والسلام غزوات، وبعثه عمر، رضي الله عنه، في خلافته إلى البصرة قاضياً في البصرة. قال الحسن البصري رحمه الله: لم يقدم على أهل البصرة أحد خيراً منه. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له، أو لآخر: أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يومين. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، يزيد بن هارون وهو الواسطي، وهو ثقة، ثقة، متقن عابد. قال: عن الجريري، وهو سعيد بن إياس، أبو مسعود الجريري، ثقة، إلا أن اختلط قبل موته بثلاث سنين، فضعف بسبب ذلك. قال: عن أبي العلا، وسند هذا في الشواهد فلا يضرب. قال: عن أبي العلا، وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال الذهبي رحمه الله: أحد الأئمة، كان ثقة فاضلاً، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه، ولهذا لم يسمع من عمر رضي الله عنه. قال: عن مطرف، عن عمران بن حسين، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن ابن أخي مطرف بن الشخير، واسمه عبد الله بن هان بن عبد الله بن الشخير، أبو الحسين، وهو مقبول. ما معنى مقبول؟ ما معنى مقبول؟ نعم، ما لكم، ما معنى مقبول؟ يقبل مطلقاً، يعني مثل الصدوق والثقة، متأكد. ها، ما معنى مقبول؟ ها، كيف يُتابع؟ يعني ضعيف، مقبول، يعني يقبل حديثه في المتابعات، إذا تابعه أحد آخر من الثقات، فنعم، أو تابعه ضعيف آخر، فيكون في الشواهد والمتابعات، وهو مجهول الحال. المقبول هو أيضاً مجهول الحال، الذي روى عنه اثنان ولم يوثقه معتبر، يقال له مجهول الحال، ويقال له مقبول، يعني إذا وجد من يتابعه قبلت روايته، أما إذا تفرد فإنها لا تقبل، وروايته هنا في المتابعات. قال: قال: سمعت مطرفاً يحدث عن عمران بن حسين، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ يعني شعبان. قال: لا. قال: فقال له: إذا أفطرت رمضان فصم يوماً أو يومين. شعبة الذي شك فيه، قال: وأظنه قال يومين. قال: وحدثني محمد بن قدامة، وابن إسماعيل السلمي، أبو عبد الله، هو مقبول أيضاً. قال: ويحيى اللؤلؤي، هو أبو زكريا اللؤلؤي المروزي، وهو أيضاً مقبول. قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، قال: حدثنا عبد الله بن أخي مطرف، في هذا الإسناد بمثله. هذا الحديث، حديث عمران بن حسين، رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له، أو لآخر، أو رجل آخر: أصمت من سرر شعبان؟ سرر شعبان، قال جمهور أهل اللغة: أي آخر شعبان، فسرر شعبان، وسمي بذلك من استسرار القمر في آخر أيامه، في آخر لياليه، فقوله: سرر شعبان، يعني آخر شعبان. قال: لا. قال: فإذا أفطرت، يعني من رمضان، فصم يومين، كما في الروايات الأخرى: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين، أي مكان اليومين من شعبان. وحمل أهل العلم هذا الحديث، كالإمام الخطابي رحمه الله وغيره، على أن هذا الرجل كان من عادته أن يصوم أياماً من آخر كل شهر، أن يصوم أياماً من آخر كل شهر، فلما جاء شهر شعبان، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يتقدم المسلم رمضان بصوم يوم أو يومين، يعني من شعبان، فظن أن هذا النهي يشمله، فترك الصيام، ولهذا سأله النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك. وقيل: أنه كان نذر نذر أن يصوم هذه الأيام، ثم ترك ولم يصومها، فلهذا أرشده النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوم بدلاً منها بعد رمضان، أي في شوال، يقضي صيام يومين التي قد نذرها في شعبان، هكذا قيل. ولعل المراد، والله أعلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام يعني أراد أن يحثه على الصيام في شعبان، أن يحثه على الصيام في شعبان، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً، كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام من شعبان، وذلك لأن الأعمال ترفع في شهر شعبان، وكذلك أيضاً أن الصيام في شعبان كالنافلة القبلية للفريضة، كالنافلة القبلية للفريضة، فيصوم المسلم في شعبان ويتهيأ لاستقبال شهر رمضان لصيام الفريضة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام له ذلك، الصوم من سر شعبان، ترغيباً له في الصيام من شهر شعبان. وما ذكر في توجيه الأول، أن الرجل كان يعتاد الصيام من كل شهر، أو من آخر كل شهر، هذا توجيه أقرب، يعني أنه كان يعتاد الصيام من آخر كل شهر، فلما جاء شعبان لم يصم خوفاً من الوقوع في النهي، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: أصمت من سرر شعبان؟ أي من آخر أيامه، فقال: لا، وكان يعني حريصاً، أي هذا الرجل، على الصيام من كل شهر، من آخر أيام كل شهر، فلهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا أفطرت فصم يومين، يعني قضاء عن هذه اليومين التي لم تصمها من شعبان، ليبين له فضل الصيام في شعبان، يبين له فضل الصيام في شعبان. وإذا كان المسلم له عادة في الصيام، كان يعتاد أن يصوم الأيام الأخيرة من كل شهر مثلاً، أو خمسة أيام الأخيرة من كل شهر، فإذا جاء شعبان فلا حرج عليه أن يصوم، لا حرج عليه أن يصوم آخر أيام شهر شعبان، لأن النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين هو في حق من ليس له عادة في الصيام، من ليس له عادة في الصيام، كما قال عليه الصلاة والسلام: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان له صوم فليصم، يعني من كان له عادة في الصيام فلا حرج عليه أن يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، وهكذا من كانت عادته أن يصوم آخر الشهر، أياماً من آخر كل شهر، فمثل هذا لا حرج عليه أن يصوم من آخر شهر شعبان. وعلى هذا قد يحمل هذا الحديث، والله تعالى أعلم. والإمام مسلم رحمه الله ساقه في هذا الموضع للاستدلال به على استحباب الصيام من سرر شعبان، يعني من آخر شهر شعبان، أو كذلك أيضاً على الصيام في شهر شعبان على جهة العموم، أنه يستحب الصيام من شهر شعبان. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. شكراً للمشاهدين، شكراً للمشاهدين، شكراً للمشاهدين، شكراً للمشاهدين.