شرح كتاب التوحيد 73

شرح كتاب التوحيد 73

الدرس في شرح كتاب التوحيد 73، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الاستعاذة بالله

الاستعاذة بالله تعني الالتجاء والاعتصام من شيء يخافه الإنسان، وتكون بالله وبأسمائه وصفاته كما جاء في الأدلة الشرعية. يجب أن يعتقد الإنسان أن الله كافيه وحاميه عند الاستعاذة به.

الاستعاذة بالله من الشرور الداخلية والخارجية

الاستعاذة بالله من شرور النفس الأمارة بالسوء والشيطان أمر ضروري، حيث أن النفس لها شرور وهوى وشهوة، والشيطان دائم الوسوسة، فيجب الاستعانة بالله للحماية من شرورهما.

خطورة الاستعاذة بالغير واعتبارها شركًا أكبر

طلب الحماية أو الاستعاذة من الأموات أو الغائبين يعد شركًا أكبر، ويقدم أمثلة على ذلك مثل ترك السيارات المحملة بالمتاع بجانب القباب معتقدين أنها في حماية صاحب القبر.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع يختم درسًا حول الشرك بالاستعاذة بغير الله، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل في الدرس والصلاة على النبي محمد.

  • 16 جمادى الآخرة 1444هـ - 08/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الوقوف على قول المؤلف، رحمه الله تعالى: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله. وقد أشرنا إلى أهم مسائل هذا التبويب وما يتعلق ببعض مسائله. وأيضا مما يذكر، إخواني في الله، من المسائل المهمة في مسألة الاستعاذة، ينبغي أن نعلم أن الاستعاذة بالله جل في علاه من مقامات التوحيد، أنك تستعيذ بالله. وقد أشرنا في درس أمس أن الاستعاذة بمعنى الالتجاء والاعتصام من شيء أنت تخافه وترهب منه، فتهرب منه وتلتجئ إلى الله جل في علاه. ومن هنا كانت الاستعاذة من مقامات التوحيد، والمؤمن أمر بأن يفردها لله جل في علاه. وما من أحد إلا وهو يقرأ قول الله جل في علاه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾، فأنت دائما وأبدا تلتجئ بالله وتعتصم به سبحانه وتعالى. وقد ذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، أن الاستعاذة بالله تكون بالله، وبأسمائه، وبصفاته سبحانه وتعالى، كما جاءت في ذلكم الأدلة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فهنا الاستعاذة بكلمات الله. وأيضا جاء في حديث رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، أنه من دعائه عليه الصلاة والسلام: «وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي». وأيضا جاء في دعائه عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بعزة الله وقدرته». فهنا الاستعاذة بعزة الله وبقدرة الله. ومما يذكر كذلك من المسائل المهمة في مسألة الاستعاذة بالله، ينبغي أن تعلم، يا عبد الله، أن الاستعاذة ليست عبارة عن كلمات تقال باللسان، لها معنى وهو أنك تلتجئ وتعتصم. وهذا المعنى المتبادر بالأذهان ينبغي أن يصل إلى حد الكمال والتمام، أي تعتقد بأن الله جل وعلا هو كافيك وهو حاميك. فالاستعاذة كونك تهرب من شيء، تهرب من شر، تهرب من خطر، تهرب من أذى إلى الله جل وعلا لكي يعصمك منه. فينبغي أن يتقرر في العقيدة والاعتقاد والأذهان والقلوب والصدور بأنك إن التجأت إلى الله فالله كفاك والله حماك. وهذا في كل خطر، من البشر، ومن غير البشر. كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوما، خاف عدوا، كان يقول: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم»، أي أني أعتصم بك يا رب من شرورهم. فأنت تعتصم بالله إذا خفت من عدو، خفت من شخص، من أذى من حيوان مفترس، من هوام، من دواب، من كل ذي شر، تلتجأ إلى الله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقْ﴾، أي من شر كل ذي شر، أي كائن فيه شر وأنت تخشى من شره، فتستعين بالله من أذيته، فالله يكفيك، فالله يعصمك منه. ولكن يعتقد هذا كل إنسان في قلبه، لا تجعل الاستعاذة عبارة عن كلمات فقط تقال. ليس من الشر الاستعاذة من عدو خارجي، بل حتى من عدو نفسك، من شر النفس الأمارة بالسوء، هذه عدو بين جنبيك. وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا». هذه النفس التي بين جنبينا لها شرور، لها هوى، لها شهوة، لها مطامع تؤزك إلى معصية الله جل وعلا. أنت ضعيف، ما عندك القدرة على أنك تكبت جماح نفسك، فتستعين بالله وتستعيذ بالله من شر هذه النفس التي بين جنبيك. فالله جل وعلا حينها يعصمك من شر نفسك. كذلكم الشيطان، الشيطان الذي دأبه في ليله ونهاره، وهو الذي يجري في مجرى عروقنا ويجري من دمائنا، والذي لا يفتأ ولا يومض له غمض حتى يقهمنا إقحاما فيما يغضب الله جل وعلا. أنت لا تقدر عليه، مكره عظيم، لكن تستعين بالله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فتستعين بالله جل وعلا من شر الشيطان. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله. أحيانا مع ضعف إيمانك تجد أن النفس والشيطان يجرانك جرا إلى المخالفات، إلى المعاصي، والحرمات. فإذا أردت، يا عبد الله، أن تستعين بشيء، فما هناك إعانة أعظم لك في أنك تستعيذ بالله، في أن الله يكفيك شر الشيطان وشر النفس الأمارة بسوء. وهكذا قس، يا عبد الله، في مسألة الاستعاذة بالله، ما هي كلمات فقط تقال، وإنما هي معان تتذكر وتعتقد بما فيها حتى تؤدى، يأتي مفعولها. أما أنك تأتي بها كلمات من غير استشعار بها، فإن أثرها يضعف. مما يذكر كذلك من مسائل الاستعاذة، إخواني في الله، أن الاستعاذة تكون بالله، وبأسمائه، وبصفاته، ولا يجوز الاستعاذة بغير الله، مثل الاستعاذة بالأموات. فإن الاستعاذة بالأموات شرك أكبر، كونك تستعيذ وتستنجد بميت، تأتي إلى قبر قد أكل عليه الزمان وشرب، أكلت عليه الدهور ومضت عليه الأزمان والسنون، ثم تستنجد بصاحب القبر من عدو أنت تخشاه. هذا، يا عبد الله، شرك أكبر مخرج من الدين والملة، ما أنت من عداد أهل الإسلام، ما أنت من الموحدين أصلا. ما هذا من فعل الموحدين، كونك، عبد الله، تنطرح على عتبات الأضرحة والزيارات والقباب والقبور. أين الله سبحانه وتعالى؟ أليس العصمة بيده؟ أليس الحماية بيده سبحانه؟ فلماذا تلتجئ إلى قبر فلان وفلان؟ حتى وصل الحال إلى بعض من ضعف دينه، أنه في شدة الخطوب، كما وقع ذلك في إبان الاستعمار الغربي، عندما دب دول الكفر من كل حدب وصوب على البطش ببلاد الإسلام، باستعمار أراضيها واحتلال شعوبها، وجد أن من بعض القرى أنه كان إذا أراد أن يحمي قريته، ماذا يفعل؟ هل يستعد بالأسلحة والعتاد والعدة والرجال؟ لا، وإنما كان يلتجئ إلى الأضرحة والقبور وإلى العتبات، يستنجد بهذا الميت في أن يحميهم من هذا العدو الباغت. فماذا كانت الحصيلة؟ الحصيلة أن العدو دخل عليهم، وأكل الأخضر واليابس، من استعان ومن استغاث بغير الله أهانه الله سبحانه وتعالى. وكان من العبارات الشهيرة عند بعض القبورية: إذا داهمك الخطر فلذ بقبر أبي عمر -وهو أحد الأولياء على حد زعمهم- إذا داهمك الخطر فلذ بقبر أبي عمر. سبحانه، ألا تلوذ بالله سبحانه وتعالى؟ فهذا، إخواني في الله، من الشرك الأكبر، الاستعاذة والالتجاء والاعتصام وطلب الحماية من الأموات ضد الأخطار. والاستعاذة الشركية في هذا المقام قد تكون بلسان المقال، كأن يقول بعض الناس: يا قبر الفلان، جئناك نستعيذ بك، نلتجئ إليك، نطلب منك العصمة والحماية. هذا الشرك أكبر لصراحة اللسان بطلب الاستعاذة من غير الله. وقد يكون الاستعاذة بلسان الحال، بلسان الحال قد ما يتلفظ. وأذكر فيما أذكر، ولعل بعضكم يذكر هذه الصور من الصور الشركية التي وقعت في مثل هذه البلاد، وما كان من ضواحيها، أن بعضا من الناس كان إذا عنده قافلة، عنده سيارة محملة بالمتاع، وما عنده الاستعداد التام لحراستها وحمايتها، مليئة بالمؤن، فماذا يفعل؟ كان بعضهم يأتي بهذه السيارة والراحلة والناقلة ويجعلها بجنب عتبة أو قل بجنب قبة من القباب، يركنها ركنا ثم يذهب إلى بيته، لا عليها شيء. فإذا قيل: لماذا تفعل هذا؟ يقول: يكفيني هل جعل عليها حراسة؟ جعل عليها رقابة؟ يقول: لا، يكفيها أنها في حماية الولي الفلاني. فيعتقد أن هذه السيارة لما طرحت بجنب هذه القبة وفي هذه العتبة أنها في حماية هذا الولي. هذا من الشرك، وإن لم يصرح صاحبها، وإن لم يستنجد أو يهتف بصاحب القبر، لكن فعله ينشد ذلك ويطلب ذلك، هذا من الشرك الأكبر. وقد رأينا ذلك في بعض النواحي في بلاد المهرة، كان من القباب المشهورة حينها قبة آل فلان، وكانت تأتي السيارات المحملة بالخشب والمتاع ترص رصا هذه السيارات عند هذه القبة، لماذا؟ قالوا: هذا يعتقدون أصحابها أن هذه القبة تحميهم. هذا استعاذ بغير الله، وهذا من الشرك الأكبر. وهكذا، إخواني في الله، مما أدخله العلماء في الشرك الأكبر في الاستعاذة، أنك تستعيذ بغير الحاضر، تستعيذ بعالم مجهول، مثل الاستعاذة بالجن، تهتف بأساميهم، تنادي في العراء، تنادي في الفضاء، تنزي إلى بطن الوديان، فتستعيذ من أهل الجانب، تستعيذ بسيد الوادي. وهذا الذي كان عليه أهل الجاهلية، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وسأتي معنى هذه الآية في درس الغد بإذن الله، لأن المؤلف استدل به في هذا الباب. فكان هذا من أنواع الشرك الأكبر، أو أنك، يا عبد الله، تستعيذ بغير الحاضر. وإنما الخلاف تم بين العلماء وهو إذا كان هناك حاضر قادر على الإعانة، هل لك أن تستعيذ به أو لا يجوز أن تستعيذ به؟ وقع الخلاف بين العلماء. فمنهم من أجاز ذلك، انظر بهذا القيد: حاضر قادر، هنا وقع الخلاف، هل لك أن تستعيذ به أو أن لا تستعيذ به؟ على خلاف، وقد مر الخلاف في درس أمس بين أهل العلم، فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من لم يجز ذلك. وهذا مبحث آخر اختلف العلماء فيه، وهو الفرق بين العوذ وبين الاستعاذة، بين أنك أنت بنفسك تعوذ بشيء، وبين أنك تطلب الاستعاذة من شيء. فيرى جماعة من أهل العلم كونك أنت تلتجئ إلى شيء يعصمك، لك ذلك. أنت تلتجئ إلى شيء يعصمه، وهذا الشيء قادر على عصمتك، لك ذلك. لكن كونك تطلب، قالوا: لا، الطلب لا يكون إلا من الله، أنك تطلب الاستعاذة لا يكون هذا إلا لله سبحانه وتعالى. فهذا، إخواني في الله، مسائل سريعة تتم لدرس أمس حول ما يتعلق بما أورده المؤلف، رحمه الله تعالى، تحت هذا العنوان: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.