الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح هذا المحور جواز صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت دون اشتراط استقبال القبلة، وهو قول الجمهور، مع استحباب استقبالها عند الإمكان ثم متابعة السير، وعدم التفريق بين السفر الطويل والقصير في هذه الرخصة.
يناقش هذا المحور خلاف العلماء في صلاة النوافل على الراحلة وفي المشي، واشتراط استقبال القبلة عند التكبير، مع الاستدلال بأحاديث أنس وابن ربيعة وابن أنيس، وترجيح أن استقبال القبلة عند الإحرام سنة مستحبة لا واجبة، وأن الرخصة مختصة بالسفر عند الجمهور.
يبين هذا المحور أن صلاة الفريضة لا تصح على الراحلة إلا لعذر كخوف فوات الوقت أو تعذر النزول، فيجوز الصلاة حسب الاستطاعة مع استقبال القبلة والإيماء، بينما النافلة تصح مطلقاً، وفي السفينة والطائرة يُراعى الاستطاعة: من قدر على القيام واستقبال القبلة وجب عليه ذلك، وإلا صلى جالساً أو كيفما توجهت الراحلة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به. متفق عليه. زاد البخاري: يومي برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة. وهذه من الحالات التي يجوز فيها عدم استقبال القبلة. قلنا: إن استقبال القبلة شرط، لكن في حالات يسقط؛ حالة العجز عن استقبال القبلة، إما لمرض، وإما لعدم معرفة جهة القبلة، وكذلك الخوف الشديد الذي يكون مثل الحرب وغيره. ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾. قال ابن عمر: مستقبل القبلة وغير مستقبلها. وكذلك في حالة السفر في الراحلة في النافلة، فإنه يصلي النافلة على راحلته عليه الصلاة والسلام. قال: وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به. متفق عليه. قال: هو في البخاري عن عامر بن ربيعة بلفظ: كان يسبح على الراحلة. "يسبح" بمعنى: يصلي النافلة. وأخرجه عن ابن عمر بلفظ: كان يسبح على ظهر راحلته. وأخرجه الشافعي نحوه. حديث جابر: ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو على راحلته النوافل. وقوله: "زاد البخاري يومي برأسه"، أي: في سجوده وركوعه. زاد ابن خزيمة: ولكنه يخفض السجدتين من الركوع. قال: "ولم يكن يصنعه"؛ يخفض السجدتين، معنى السجود: يخفضه عن الركوع. "ولم يكن يصنعه"، أي: هذا الفعل وهو في الصلاة على ظهر الراحلة في المكتوبة، أي: الفريضة. قال: الحديث دليل على صحة صلاة النافلة على الراحلة، وإن فاته استقبال القبلة. وظاهره سواء كان على محمل أو لا، سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً. إلا أن في رواية رزين في حديث جابر زيادة: "في سفر القصر". وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء. وقيل: لا يشترط، بل يجوز في الحضر، وهو مروي عن أنس من قوله وفعله. والراحلة هي النافلة. والحديث ظهر في جواز ذلك للراكب، وأما الماشي فمسكوت عنه. الآن ذكر في هذا الكلام عدة مسائل: أولاً: صلاة النافلة في الراحلة في السفر. فهذا قول جمهور العلم، بل بعضهم ذكره إجماعاً على جواز أن يصلي المسافر في راحلته النوافل، وهو غير مستقبل القبلة، يصلي حيثما توجهت به راحلته. لكن هل يجب استقبال القبلة كما سيأتي في حديث أبي داود؟ هل يجب أولاً استقبال القبلة في الراحلة إن استطاع، أم لا يشترط؟ فمذهب جمهور العلم أنه لا يجب، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وما ذكره أنس لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب عند الاستطاعة. إذا استطاع أن يتوجه إلى القبلة، ثم توجه راحلته حيث ما شاء، فالصحيح أن هذا لا يجب، وإنما هو مستحب. مستحب أن يوجه راحلته إلى القبلة، ثم حيث ما توجهت به الراحلة. مثلاً: إذا كان معه سيارة، والسيارة متجهة إلى الغرب مثلاً، فإذا رأى طريقاً إلى القبلة وجهها إلى القبلة وكبر، ثم مشى في طريقه. فهذا من باب الاستحباب على الصحيح. وذهب جمهور، وذهب أحمد في رواية، وهو مذهب إسحاق، إلى أنه يجب. والصحيح أنه مستحب؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا يدل على الاستحباب، لأنه قد رخص في السفر وعدم استقبال القبلة، ولم يأت في حديث إلا في حديث أنس الذي ذكره أبو داود وغيره: أنه يوجه إلى القبلة أولاً. وهنا أيضاً مسألة أخرى: قال: "وإن فاته استقبال القبلة، وظاهره سواء كان على محمل أو لا، وسواء كان السفر طويلاً أو قصيراً". لأن هناك من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، على أن هذا في السفر الطويل. أما السفر القصير فيقولون: إنه لا يصلي على راحلته. وهؤلاء يفرقون، وهي رواية على أحمد، يفرقون بين الطويل والقصير، فيرون السفر الطويل هو الذي تقصر فيه الصلاة، فيرخّص للشخص كل الترخيص الذي يكون له في السفر، ومن ذلك الصلاة في الراحلة. وأما إذا كان السفر القصير الذي لا يوجب القصر، إن السفر لكنه قصير لا يوجب القصر، فهذا يقولون: لا يصلي إلا باستقبال القبلة. وهذا التفريق لا دليل عليه. التفريق بين السفر القصير والطويل هذا لا دليل عليه. والصحيح أن كل سفر سمي سفراً تكون فيه الرخص، تكون فيه الرخص. لكن حصل الخلاف في الحضر. حصل الخلاف في الحضر: هل يصلي على راحلته في حضر، أو في مكان مثلاً ليس هو سفر؟ مثلاً: الإنسان يريد المكلة، هل له أن يصلي النوافل في راحلته في سيارته مثلاً؟ يريد أن يدرك مثلاً ركعتي الفجر، يريد أن يدرك مثلاً ركعتي الظهر أو أربع ركعات، يصليها. فهل يصلي وهو في راحلته؟ فهذه مسألة خلاف. جاء عن أنس أنه يصلي حتى في الحضر، وهو قول إسحاق وإبراهيم، وقال به أيضاً ابن جرير الطبري، وهو قول أبي يوسف أيضاً من الحنفية. قال: يجوز. لكن ليس هناك دليل صريح في جوازه. الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في السفر، وإن كان في بعضها أنه كان يصلي على راحلته النوافل بدون تقييدها بالسفر، مثل هذا الحديث: حديث عامر بن ربيعة، لم يذكر السفر، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به، ولم يذكر سفر. ولكن أكثر الأحاديث التي جاءت أنه كان في السفر، يسبح في السفر، في السفر. فلذا الأصل أنه يفعل ذلك في السفر، لأن الرخصة إنما تحل بقدرها. لكن إن احتاج إلى ذلك في الحضر، إن شاء الله تعالى لا بأس، كما قلنا: ستفوت عليه ركعتا الفجر مثلاً، أو شيء من هذا، فلا بأس أن يصليها. وإن جاء مثلاً إلى المكان الذي سيصلي فيه وجد متسعاً صلىها. طيب. أيضاً هنا مسألة ذكرها أيضاً: إذا كان على محمل. هنا قال: سواء كان على محمل أو لا. المحمل: هذا الذي يفعل بالعربة، يجعل الخشب ثم يجعل تحته عربة كبيرة. هذا حصل في عهد الحجاج، وأول ما كان يعرف هذا المحمل. فهل هذا المحمل يكون يشترط فيه أن يتوجه للقبلة؟ قال به بعض العلم: إنه إذا كان في محمل يشترط أن يتوجه للقبلة، ويكون مثله مثل الذي في السفينة. إن المحمل هو مثل البيت، يغطى وكذا، ويدخل داخله هذا الذي يقود، أو أحياناً من يجلس عنده. فشبهه بعض العلم بالسفينة. فإن استطاع أن يصلي قائماً مستقبل القبلة، وإن لا فله أن لا يستقبل القبلة. يعني: إذا استطاع أن يستقبل القبلة، فالأصل أنه يجوز له أيضاً. مسألة أخرى: تكره هنا مسألة الماشي الذي يمشي، هو في سفر لكنه يمشي. هل يصلي النوافل على غير القبلة في المشي؟ أيضاً مسألة خلاف، ولم يأت فيها نص. جاء في حديث عبد الله بن أنيس أنه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل كعب بن الأشرف، في الظاهر فخرج ماشياً، وصلى العصر وهو يمشي. لكن هذا لم يثبت فيه، عن عبد الله بن أنيس، وهو مجتهد، وليس هناك ما يدل على المنع، لكن ليس هناك ما يدل على الرخصة كذلك. لهذا قال الشيخ هنا: "وأما الماشي فمسكوت عنه". فلذا فالأولى أن لا يصلي، لأن الرخصة تكون على قدر ما جاءت به. الأصل هو استقبال القبلة، الأصل هو استقبال القبلة، وإنما رخص في السفر إذا كان اللسان في الراحلة. قالوا: قد ذهب إلى جواز من العلماء قياساً على الراكب، بجامع التيسير للمتطوع. إلا أنه قيل: لا يعفى له عدم الاستقبال في ركوع والسجود وإتمامهما، وأنه لا يمشي إلا في قيامه وتشهده، ولا يمشي... وأنه من الراكب... وأنه... عنه بعض مفصل في هذه المسألة. وأما اعتداله بين السجدتين فلا يمشي فيه. إذا لا يمشي إلا مع القيام، وهو يجب عليه القعود بينهما. وظهر قوله: "حيث توجهت"، أنه لا يعتدل لأجل الاستقبال، لا في حال صلاته ولا في أولها. إلا أنه حيث توجهت به، أنه لا يعتدل لأجل الاستقبال، لا يعتدل لاستقبال القبلة، لا في حال صلاة ولا في أولها. إلا أنه في قوله: "ولأبي داود من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر، ثم صلى حيث كان وجه ركابه". وإسناده حسن. هذا الحديث كما قال المؤلف: أخرجه أبو داود، وإسناده حسن. قال: "وإسناده حسن"، ما يدل على أنه عند تكبيرة الإحرام استقبل القبلة، وهي زيادة مقبولة، وحديثه حسن فيعمل بها. لكن هل هو من ناحية الوجوب والسنة؟ الصحيح كما قلنا: إنه من السنة استحباب. قال: "وقوله: ناقته، وفي الأول: راحلتهما، بمعنى واحد، وليس بشرط أن يكون ركوبه على ناقة، بل قد صح في رواية مسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى على حماره". وقوله: "إذا سافر"، تقدم أن السفر شرط عند بعض العلماء، وكأنه يأخذه من هذا، وليس بظاهر في الشرطية. "إذا سافر" شرط. قالوا في هذا الحديث والذي قبله: إن ذلك في النفل لا في الفرض. أما الفرض فلا تسقط القبلة، بل يصلي وينزل من راحلته، لا يجوز له أن يصلي على راحلته في الفرض. لكن ذكر كثير من المعاصرين أن له ذلك عند الاضطرار وعند خشية فوات الوقت، فله أن يصلي كيف ما كان. مثلاً: الذين يكونون في الطائرة، أن تكون الطائرة مثلاً عشر ساعات، أحياناً أكثر، فهذا ستمر بعض الصلوات، فإذا ترك ذلك ستمر عليه صلاة. فلذا قال العلماء: يجوز أن يصلي في الطائرة. إن استطاع أن يصلي وهو مستقبل قبلة استقبل القبلة، وإن لم يستطع يصلي وهو جالس. كذلك إن استطاع أيضاً وهو جالس أن يستقبل القبلة استقبلها، إن عرف مكان القبلة. وإن غالباً ما يعرف. لكن مثلاً: إذا كانت الطائرة متجهة إلى مكة، فغالباً هو على القبلة، غالباً سيكون على القبلة، وخاصة إذا كانت ستنزل في مطار جدّة، سيكون أقرب إلى القبلة. فالمهم أنه على حسب استطاعته إذا اضطر. وأما إذا كان عنده وقت للصلاة أو للجمع، فيبقى حتى ينزل. قالوا في هذا الحديث الذي قبله: إن ذلك في النفل لا في الفرض. بل صرح البخاري: إنه لا يصنعه في المكتوبة. معنا في رواية البخاري. إلا أنه قد ورد في رواية الترمذي والنسائي: أنه صلى الله عليه وسلم أتى إلى مضيق، هو وأصحابه، السماء من فوق، والبلّة من أسفل منه، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأقام، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحلته فصلى بهم يومئ إيماء، فيجعل السجود أخفض من الركوع. قال الترمذي: حديث غريب. هذا حديث غريب، أي: ضعيف. الترمذي إذا قال غريب معناه ضعيف. قال: وثبت ذلك عن أنس من فعله، صححه عبد الحق، وحسنه النووي، وضعفه البيهقي. أي: ما جاء عن أنس. قال: وذهب البعض إلى أن الفريضة تصح على الراحلة إذا كان مستقبل القبلة. في حجة معنا التي تكون فيها النساء، ولو كانت سائرة كالسفينة، فإن الصلاة تصح فيها إجماعاً. على مثل السفينة يكون: إذا استطاع أن يصلي قائماً مستقبل القبلة يستقبل القبلة، يجب عليه، وإلا فيصلي حيثما توجهت به هذه الراحلة. وهنا مسألة الإيماء في الراحلة: السنة أنه يومئ، والإيماء يكون بالرأس. الإيماء يكون بالرأس، أنه يومئ برأسه، ويجعل سجوده أخفض من الركوع. وقوله هنا: "وقد يفرق بأنه قد يتعذر في البحر وجود طيب، وجود الأرض، فعفي عنه، بخلاف راكب الهودج". والصلاة على السفينة لم يأت فيها دليل على النبي صلى الله عليه وسلم، أي: صح، وإنما جاء عن الصحابة، عن جعفر بن أبي طالب وغيره: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع، أو فإن خشيت الغرق، فصلِّ جالساً". شيخ الألباني صححه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلم كأحمد وغيره يجزم أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السفينة شيء. لكن اتفق العلماء على هذا: على أنه إن خشي، إذا كان في البحر في السفينة، يجوز له: إن استطاع أن يستقبل القبلة استقبلها، وإن لم يستطع فيصلي حيثما توجهت به السفينة. إن السفينة ما... ما... ما تستقر، حتى إذا كانت واقفة تجد أنها تتحرك، خاصة القوارب هذه. ممكن السفينة الكبيرة هذه... السفينة الكبيرة يجب أنه يصلي فيها صلاته، استقبل القبلة، فإنها مثل البيوت، فيها بيوت، فيها كذا، فيصلي باتجاه القبلة. إن عرف اتجاه القبلة صلى اتجاه القبلة، ولا يجوز له أن يصلي غير مستقبل القبلة. أما من ناحية القيام: إن استطاع أن يقوم ولم يخشَ أنه يسقط، يصلي قائماً واجباً. وغالباً في السفن الكبار هذا يستطيع أن يقوم فيه، لأنه لا يشعر غالباً بتحرك السفينة. لكن هذا يشعر متى في القوارب، هذا الصغير، أو السفن الصغيرة، تجد يشعر بهذا التحرك. فالمهم: إذا استطاع في السفينة أن يستقبل قبلة ويصلي قائماً فواجب، وإن لم يستطع أن يصلي وهو قائم، يخشى على نفسه الغرق أو السقوط، فيصلي وهو جالس، وأيضاً استقبال القبلة مثله. ثم قال: "فعفي عنه، بخلاف راكب الهودج". وأما إذا كانت الراحلة واقفة: إذا كانت الراحلة واقفة، هل يستقبل القبلة؟ وهل يصلي فيها الفريضة؟ فقال: عند الشافعي تصح الصلاة الفريضة كما تصح عندهم في الزورق المشدود بالحبال، وعلى السرير المحمول على الرجال إذا كانوا واقفين. والذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي على الراحلة الفريضة، كان إذا أراد أن يصلي على الراحلة الفريضة نزل. وهذا أولى: أنه ينزل ولا يصلي على الراحلة، إلا إذا كان هناك خوف شديد أو كذا، فعنده عذر أن يصلي على الراحلة لا بأس. طيب، إن شاء الله. نكتب: اشتركوا في القناة.