الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض هذا المحور شرط ستر العورة لصحة الصلاة، مبيناً عورة الرجل من السرة إلى الركبة، ومفصلاً خلاف الفقهاء في عورة المرأة الحرة والمملوكة وما يستثنى منها ك الوجه والكفين والقدمين. كما يوضح الراجح من أقوال ابن تيمية والمرداوي والشوكاني، والفرق بين كشف العورة عمداً الذي يبطل الصلاة إجماعاً، وما يعفى منه سهواً أو بغير إرادة.
يبين المحور أحكام اللباس في الصلاة، موضحاً أن الخرق اليسير لا يبطل الصلاة ما لم يظهر لون البشرة، بينما يحرم الصلاة في ثوب شفاف أو ضيق يصف البشرة. ويذكر تفصيل المذاهب في العفو عن اليسير من العورة، وأن مجرد تحجيم العورة مكروه ولا يبطل الصلاة.
يؤكد هذا المحور وجوب تغطية المرأة لوجهها وكفيها وسائر بدنها إذا صلت في مكان يوجد فيه رجال أجانب، كالمسجد الحرام، مختتماً بالتأكيد على الاكتفاء بهذا الحكم الشرعي.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فشرح حديث عائشة -رضي الله عنها-: «لا صلاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»؛ أقصد الحديث قراءة، لكن الشرح قراءة. طيب، ذكرنا مسألة القدمين، حديث أم سلمة، وهذا في ضعفه كما قلنا، صحيح أنه موقوف على أم سلمة: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». أما من ناحية الرأس، فلا خلاف بين العلماء أن المرأة لابد أن تغطي رأسها، وسائر بدنها. إنما اختلفوا فقط في القدمين، وكذلك الوجه واليدين أو الكفين. قال جمهور العلماء: لا بأس أن تكشف الوجه وتكشف الكفين، خلافًا لأبي بكر بن عبد الرحمن التابعي، فإنه يقول: يجب أيضًا أن تغطي وجهها وكفيها، وهذا ليس صحيحًا، ولم يأتِ دليل يدل عليه. وأما الرجلين أو القدمين، فلم يأتِ دليل صريح على وجوب التغطية إلا هذا الحديث: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها». وأيضًا في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم، لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإزار: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وفي رواية: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ». فقالت أم سلمة: والمرأة يا رسول الله؟ قال: «تَرْخِيهِ ذِرَاعًا». قالت: إذا تنكشف أقدامهن. قال: «فَارْخِيهِ شِبْرًا، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ». وهذا الحديث ليس في الصلاة، وإنما المقصود به إذا خرجت المرأة من بيتها. أما إذا كانت في بيتها، فلا تلبس مثل هذا اللباس. فهل تكشف في الصلاة؟ كما قلنا: إذا كان هناك رجال، فلابد حتى أن تغطي وجهها، ولا تكشف كفيها، وكذلك قدميها. وأما إذا لم يكن هناك أجانب، فلا دليل كما قلنا على تغطية القدمين، وهو قول أبي حنيفة والثوري، وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وكذلك وجهه صاحب «الانصاف» المرداوي الحنبلي. لكن الأفضل أن تغطي خروجًا من الخلاف، لأن الأدلة محتملة. فقال جمهور العلماء: إنه لابد أن تغطي قدميها. وأما مسألة كشف العورة، هل هو شرط أو ليس بشرط؟ أقصد: ستر العورة. فالجمهور يرون أنه شرط، استدلوا بهذا الحديث -حديث عائشة-، واستدلوا أيضًا ببعض الأحاديث التي فيها ستر الفخذ ويجب ستره. وذهب جماعة من العلماء: إنه ليس بشرط مطلقًا، لا مع العمد ولا مع السهو، وهذا الذي رجحه الشوكاني، ويقول: إن الأدلة التي جاءت لا تنهض. هناك قول قال به إسحاق بن إبراهيم، وهو قول بعض المالكية، فرقوا بين العمد والسهو. فقالوا: الذي يتعمد كشف عورته تكون صلاته باطلة، والذي يسهو أو تنكشف عورته بغير إرادته، فهذا لا يبطل. وهذا لعله القول الصحيح بمجموع الأدلة. ومعنى ذلك: أن عورة الرجل في الصلاة كما جاء في حديث عمرو بن شعيب: أن يغطي من سرته إلى ركبته. حديث عمرو بن شعيب فيه اختلاف، لكن الظاهر أنه حسن. أيضًا كما قال الإمام ابن المنذر: أجمع أهل العلم، أو كل من أحفظ من أهل العلم، على أنها لا تجزئ صلاة رجل يكشف سوأتي القبل والدبر. فلابد أن يغطي قبله ودبره. فلذلك: فما كان من فعل كشف عورته متعمدًا، فهذا صلاة غير صحيحة، لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن يصلي الإنسان عريانًا، كما أنه لا يجزئ الطواف عريانًا، فكذلك لا تجزئ الصلاة، ولا يطوف بالبيت عريانًا. وأما من حصل منه شيء من كشف العورة بغير إرادة، ولا شعور، على سهو، فهذا يغتفر له. ويدل على هذا حديث عمر بن سلمة -رضي الله عنه-: أنه كان يصلي بقومه، في البخاري، كان يصلي بقومه وهو صغير، وكان عليه شملة ضيقة، فإذا سجد انحسرت هذه الشملة، حسرت عن سوأته. فمرت عجوز من الحي وهم يصلون والإمام مكشوف العورة، فقالت لهم: «يَا قَوْمِ، غَطُّوا سَوْأَةَ إِمَامِكُمْ». قال: فاشتروا لي شملة جديدة، فما فرحت بشيء مثل فرحي بهذه الشملة. وهذه الشملة نوع من أنواع الثياب يشتمل به. فما سيأتي إن شاء الله في الحديث الذي بعد، فهذا يدل على أن عورته كانت تنكشف في الصلاة، لكنه لم يتعمد ذلك. ويحمل عليه بعض الأحاديث التي فيها كشف العورات، مثل ما جاء أيضًا في حديث أبي سعيد أو غيره: كان الصحابة -رضي الله عنهم- يلبسون الأزر الضيقة، فإذا سجدوا انحسرت هذه الأزر حتى ترى أفخاذهم، الموكدة. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء: «لَا تَقُمْنَ لِرُؤُوسِكُنَّ حَتَّى يَقُومَ الرِّجَالُ». فلذلك: كل من لم يتعمد كشف العورة، فصلاته صحيحة. لكن هل نقول: شرط لا؟ أو نقول: شرط عند العمد؟ أما نقول: شرط عند العمد، أو نقول: إنه واجب؟ وأما المرأة، كما ذكرنا قبل، وفرق أكثر العلماء بين المرأة الحرة وبين المملوكة. فالمملوكة عند أكثر العلماء يجوز أن تصلي وشعرها مكشوف، كما قال ابن قدامة، وأكثر العلماء على أن عورة المرأة المملوكة من سرتها إلى ركبتها. وهذا كلام غير صحيح، لأن هذه المرأة هي امرأة معنا، فيظهر مفاتنها للناس. لهذا ذكر شيخ الإسلام: أن هذه بعض الأشياء التي لما رأى عمر -رضي الله عنه- امرأة مملوكة كانت تغطي وجهها، أمرها أن تكشف وجهها حتى لا تتشبه بالحرة. فقال شيخ الإسلام: هذا كان في زمن الصحابة -رضي الله عنهم-. وأما إن كانت المرأة تفتن، أو رؤيتها تفتن، مثل النساء التركيات وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أن تكشف وجهها، لأنها فتنة، ووسيلة إلى الفتنة. لكن من ناحية الصلاة: لو كشفت وجهها وكذا، وكشفت شعرها، عند أكثر العلماء: إن صلاتها صحيحة. ومسألة كشف شيء من العورة إذا كان يسيرًا: عند الشافعي، أو عند مالك وأحمد في رواية: أنه يعفى عن اليسير. وهذا صحيح لعدم وجود الأدلة القوية في هذا الباب، خاصة إذا كان... أما إذا كان غير ذلك، فهذا جائز كما قلنا، أو أقصد: أنه لا يبطل الصلاة. لكن إذا إنسان مثلًا عنده ثوب، وهذا الثوب فيه خرق يسير، فأنقول: صلاته غير صحيحة؟ نقول: صلاة صحيحة. لكن إذا كان هذا الكشف أو هذا المكشوف فاحشًا، يعني شيئًا كبيرًا، فهذا عند أكثرهم لا يجوز. وعند الشافعي: لا يفرق، لو كان ما دام يصف البشرة، يعني يظهر لون البشرة من هذا الشق، فإنه لا تجوز الصلاة في هذا الثوب. إذا كان عنده ثوب يرى من شقه لون البشرة، لون البشرة، لون البشرة، فهذا عنده لا يجوز. لكن إذا كان لا يرى لون البشرة، فلا شيء. ويدخل في هذا أيضًا الثوب الشفاف: إذا كان ثوبًا شفافًا، يعني يرى لون البشرة منه، فمثل هذا أيضًا لا يجوز أن يصلى فيه، سواء كان رجلًا أو امرأة. إذا كان هذا الثوب شفافًا يرى لون البشرة، فهذا لا يجوز. أنا بعض الثياب تجدها خفيفة جدًا، وخاصة إذا كان أبيض، تجد أنه يرى حتى لون البشرة. فمثل هذا لا يصلى به. وأما إذا كان ضيقًا، مثل بنطال مثلًا، صلى في بنطال حتى يحجم العورة، فهذا أقل شيء فيه الكراهة، وهو عند جمهور العلماء: أنه يكره أن يحجم العورة، ولا يبطلها؛ لأنه مغطى، معنى: لون البشرة لا يرى. أيضًا المرأة: إذا سترت قدميها بجورب، سترت قدميها بجورب، إن كان هذا الجورب خفيفًا جدًا يرى منه لون البشرة، فهذا لا يجزئها، لا يجزئ؛ لأن بعض الجوارب تجدها خفيفة جدًا، فيرى منها لون البشرة. مثل ما قال الشيخ الألباني: «تستر ولا تستر»، لما سألوه عن الجوارب هذه، قال: هذه الجوارب تستر ولا تستر، فهي جوارب لكنها لا تستر أصلًا البشرة، معنى: خفيفة جدًا يرى منها لون البشرة أحيانًا. لكن إن كان يغطي لون البشرة، فهذا جائز. وإن كان يحجم، لكن لا يحجم أصل العورة المغلظة التي يفتن بها. وإن كانت مثلًا تحجم، هل يعتبر كما قلنا مبطلًا؟ لا، إنما هو مكروه. يقرأ ذلك... لا، لا، كيف حجم الرجل؟ ها، يغطي... لا تغطي، معنى: إذا كان تحت العباية ما فيه شيء، هذا معنى ما ينبغي. بعض العلماء كره ذلك، معنى: ما نقول إنه حرام، لكن أقل شيء فيه أنه مكروه، إذا كان يحجم رجليها. طيب، المرأة: معنى عورتها في الصلاة أنها لا تكشف الوجه والكفين والقدمين على الخلاف. وأما في خارج الصلاة، فكل عورتها عورة، كلها عورة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ». فإذا خارج البيت تكون عورة، أو إذا خرجت من بيتها، أو عند الرجال الأجانب، تكون كلها عورة، سواء كانت في الصلاة أو في غير الصلاة. يعني: إذا كانت عندها رجال في الصلاة، عندها رجال مثل الحرم وما أشبه، فيجب عليها أن تغطي، أن تغطي وجهها وكفيها وكل شيء فيها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.