الدرس في كتاب الصلاة 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع حديث «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة» ويبين ضعف سنده لانفراد شريك القاضي، لكنه يؤكد صحة معناه المستمد من السنة العملية كفعل بلال رضي الله عنه. يوضح أن المؤذن مؤتمن على وقت الأذان فيبادر به، بينما الإقامة تابعة لإذن الإمام لارتباطها ببدء الصلاة، مستدلاً بأحاديث وآثار صحيحة تدعم هذا التفصيل.
يستعرض المقطع أقوال العلماء في وقت قيام المصلين للصلاة، مرجحين أن يقوموا عند حضور الإمام سواء قبل الإقامة أو أثنائها، بينما ينتظرون إتمام الإقامة إذا كان الإمام غائباً. كما يبين فضيلة الدعاء بين الأذان والإقامة وأنه من مواطن الإجابة، مستدلاً بأحاديث أنس وجابر رضي الله عنهما في استحباب الدعاء عند سماع النداء.
يستعرض المقطع الأدعية الواردة بعد الأذان كالتشهد والصلاة على النبي وطلب الوسيلة، والدعاء المأثور: «اللهم رب هذه الدعوة التامة...»، مع التنبيه على ضعف بعض الزيادات كقول: «والشفعة والدرجة العالية الرفيعة». كما يذكر دعاء ما بين الأذان والإقامة، ودعاء الإقامة، وحكم قول: «رضيت بالله رباً» بعد الأذان إن فاته بعد الشهادة.
أشار المتحدث إلى أن معظم الأدعية المذكورة لا تصح، لذا يجوز للمسلم أن يدعو بما يشاء. واختتم بالاكتفاء بهذا القدر.
قال الحافظ رحمه الله: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة». رواه ابن عدي وضعفه، والبيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله. وهذا الحديث كما ذكر أنه ضعيف؛ لأن فيه شريك القاضي وهو ضعيف، وجاءت له شواهد لكنها كلها ضعيفة منكرة. قال الصنعاني رحمه الله: وعلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤذن أملك بالأذان»، أي: وقته موكول إليه لأنه أمين عليه، والإمام أملك بالإقامة، فلا يقيم إلا بعد إشارته. رواه ابن عدي، وهو الحافظ الكبير الإمام الشهير أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، ويعرف أيضا بابن القصار، صاحب كتاب «الكامل في الجرح والتعديل». اشتهر الكامل بأنه «الكامل في الضعفاء»، كان أحد أعلام الحديث، وكتابه في تعليلات عظيمة. قال: ولد سنة تسعين وسبعين ومئتين، وسمع على خلائق، وعنه أمم. قال ابن عساكر: كان ثقة، فيه لين. قال حمزة السهمي: كان ابن عدي حافظا متقنا، لم يكن في زمانه أحد مثله. قال الخليلي: كان عديم النظير حفظا وجلالة. سألت عبد الله بن محمد الحافظ عنه -عبد الله بن محمد الظاهري، كأنه مطين- فقال: «زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع». يقول الخليلي: أنا سألت عبد الله بن محمد مطين وهو حافظ أيضا، فقال: «زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع». وهذا من باب المبالغة، أراد أن عبد الباقي بن قانع مع حفظه ومع جمعه لحديث كثير إلا أنه لا يأتي حفظه بحفظ ابن عدي. قال: توفي في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة. قال: وضعفه -أي ابن عدي- لأنه أخرجه من ترجمة شريك القاضي، وتفرد به شريك. وقال الباقي: وهذا يدل على أن شريكاً أحياناً يتفرد بمنكرات. وقال الباقي: ليس محفوظاً. ورواه أبو الشيخ، وفيه ضعف. وحتى ما جاء عن علي فيه ضعف. لكن الحديث معناه صحيح؛ أنه دلت عليه السنة. وقد ذكر الحافظ رحمه الله عند هذا الحديث في «التلخيص» أنه يدل عليه حديث جابر بن سمرة: كان بلال يؤذن إذا ضحضت الشمس، ولا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء في حديث كثير أنه كان يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الإقامة، وسيذكر المؤلف أيضا ما يدل على هذا. قال: الحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان. وتقدم أيضا معنى حديث: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن». صححه بعض العلماء. الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، وإنما وكل إليه الأذان وأنه أمين عليه. وهذا يدل على أنه هو أملك بالأذان عن الأذان عنده. حتى مثلا لو لم يشتشر الإمام أو يستأذنه، فمدام أنه قد وضع مؤذنا فيؤذن في الوقت. لهذا قال: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. لكن الإقامة تابعة للإمام، الإقامة تابعة للإمام، يعني لا يقيم حتى يستأذن الإمام؛ لأن الإقامة متعلقة بالصلاة، لهذا يستشير الإمام فيها. إلا إذا رخص له الإمام أن يقيم مثلا في وقت كذا، أو يقول له: إذا تأخرت أقم الصلاة، أو إذا تأخرت عن كذا أقم الصلاة، فهذا عنده إذن. قال رحمه الله: أي أن الحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان، أي أن ابتداء وقت الأذان إليه لأنه الأمين على الوقت والموكول بارتقابه. وعلى أن الإمام أملك بالإقامة، فلا يقيم إلا بعد إشارة الإمام بذلك. وقد أخرج البخاري: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني». هذا حديث في الصحيحين. فدل على أن المقيم يقيم وإن لم يحضر الإمام، فإقامته غير متوقفة على إذنه. كذا في الشرح. ولكن قد ورد أنه كان بلال قبل أن يقيم يأتي إلى منزله صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة والإذان لها بعد الأذان، استئذان في الإقامة. والحديث الذي استدل به الشارح -من الشارح هذا؟ المغربي اليمني الذي شرح «بلغة المرام»، ونقل الصنعاني بعض كلامه- فاستدلاله هذا ليس صحيحا؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تقوموا حتى تروني»، ليس معناه أن المقيم يقيم بدون إذنه، هو بإذنه لكن يقول: لا تقوموا حتى تروني. وهذه مسألة القيام للصلاة. فإذا كان الإمام موجودا فلا بأس أن يصطفوا مع الإقامة أو قبل الإقامة. حتى إذا كان الإمام موجودا كما جاء في حديث أبي هريرة: كانت الصفوف تقام ثم تقام الصلاة. وإن كان الإمام غير موجود لا يقام حتى يرى الإمام، لا يقام حتى يرى الإمام. طيب. قال: وقال المصنف -مصنف من؟ الحافظ ابن حجر-: إن حديث البخاري معارض بحديث جابر بن سمرة أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب وقت خروج رسول الله، فإذا رعاه يشرع في الإقامة قبل أن يراه عامة الناس، ثم إذا رأوه قاموا. أو أنه يستأذنه كما جاء في بعض الأحاديث أنه يأتيه إلى بيته يستأذنه، فكأنه إذا استأذنه ذهب وأقام الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم يأتي خلفه. قال: وأما تعين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة، فقال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حدا محدودا، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس. معناه: ليس هناك حد محدود يقال: يقوم للصلاة في هذا الوقت، مثل ما استحب بعضهم القيام عند إقامة الصلاة، يعني: إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، يقومون. وهذا لم يثبت شيء فيه. طيب. لكن قال: إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم ثقيلاً وخفيفاً. وذهب الأكثرون إلى أن الإمام إن كان معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. رواه المنذري وغيره، والظاهر أنه غير ثابت. وعن ابن المسيب: إذا قال المؤذن: الله أكبر، وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة، اعتدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله، كبر الإمام. ولكن هذا رأي منه، لم يذكر فيه سنة. قال: وفيق نحوه -أي نحو حديث أبي هريرة- عن علي رضي الله عنه من قوله. والصحيح الذي دلت عليه السنة في هذه المسألة كما قلنا: أنه إذا كان الإمام موجودا ممكن تقام الصفوف حتى مع الإقامة أو قبل الإقامة، لكن إذا كان الإمام غير موجود فلا يقام إلا بعد الإقامة. وإن كان المؤذن مثلا يعرف أن الإمام موجود لكن تأخر، فيبقى حتى يأتي الإمام. طيب. قال: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». رواه النسائي، صححه ابن خزيمة. وهذا الحديث لا بأس به، إسناده حسن. «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». قال: وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة». قال: أخرجه الأربعة. هذا في البخاري. هذا الحديث أخرجه البخاري. أما الحديث الأول قال: صححه ابن خزيمة، ذكره في صحيحه. قال: والحديث في «مرفوع سنن أبي داود» أيضاً، ولفظه هكذا على نص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي في «عمل يوم وليلة». قال: والحديث دليل على قبول الدعاء في هذه المواطن، إذ عدم الرد يراد به القبول والإجابة، ثم هو عام لكل دعاء. قال: إذ عدم الرد يراد به القبول. قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي في «عمل يوم وليلة». والحديث دليل على قبول الدعاء في هذه المواطن، يعني: بين الأذان والإقامة، إذ عدم الرد يراد به القبول والإجابة، ثم هو عام لكل دعاء. ولابد من تقييده بما في حديث غيره من أنه لم يكن -أو ما لم يكن- دعاء بإثم ولا قطيعة رحم. حديث بسعيد: «ما من مسلم يدعو بغير إثم ولا قطيعة رحم إلا كان له أحد الثلاثة: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم». طيب. هذه المسألة هنا: مسألة الدعاء، يستحب أن يدعو الإنسان بين الأذان والإقامة، وهي من المواطن التي يقبل فيها الدعاء أو يستجيب الله عز وجل فيها الدعاء، فهي من مواطن الإجابة. بين الأذان والإقامة من مواطن الإجابة. أما حديث جابر الذي ذكره هنا المؤلف، ما أدري ما تكلم المؤلف على حديث جابر. حديث جابر تقدم: استحباب الدعاء بعد الأذان، بعد أن يقول مثل ما يقول الإمام أو المؤذن، يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي بهذا الدعاء. وقد جاء أيضا بالصحيح أنه في حديث عبد الله بن عمرو: «ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة لا ينبغي أن تكون لأحد من عباد الله عز وجل، لا ينبغي أن تكون لأحد من عباد الله عز وجل إلا واحد، وأرجو أن أكون أنا». قال: وقد ورد تعيين أدعية بعد الأذان، وهما بين الأذان والإقامة. الأول: أن يقول: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا». قال صلى الله عليه وسلم: «من قال ذلك غفر له ذنبه». هذا لم يثبت بعد الأذان، وإنما ثبت بعد «أشهد أن محمدا رسول الله» كما في صحيح مسلم: «إذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا». الثاني: أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا «رضيت بالله» يأتي به بعد «أشهد أن محمدا رسول الله»، ثم إذا ختم الأذان يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفراغ من إجابة المؤذن. قال ابن القيم في «الهدي»: «أكمل ما يصلى به ويصل إليه كما علم أمته يصلي عليه، فلا صلاة عليه أكمل منها». قلت: وستأتي صفتها في كتاب الصلاة إن شاء الله. والمراد به ما جاء في حديث كعب بن عجرة. الثالث: أن يقول بعد صلاته: «اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته». قال: وزاد غيره: «إنك لا تخلف الميعاد». فهذا بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بهذا الدعاء. لكن «إنك لا تخلف الميعاد» زيادة ليست صحيحة. وأما ما يذكره بعضهم: «والشفعة والدرجة العالية الرفيعة»، هذا أيضا لم يثبت، لم يثبت في الحديث. «والشفعة والدرجة العالية الرفيعة» من الزيادات. رابعا: يدعو لنفسه بعد ذلك ويسأل الله من فضله، كما في السنن عنه صلى الله عليه وسلم: «قل مثل ما يقول المؤذن». قال: يقول: «قل مثل ما يقول المؤذن»، فإذا انتهيت فسأل تعطاه. وروى أحمد بن حنبل: طيب. قال: يأتي بهذا الدعاء ثم يدعو لنفسه بعد ذلك ويسأل الله من فضله، كما في السنن: «قل مثل ما يقول المؤذن»، فإذا انتهيت فسأل تعطاه. وروى أحمد بن حنبل عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال حين ينادى المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صل على محمد، وارض عنه رضا لا سخط بعده، استجاب الله دعوته». قال: وأخرج الترمذي بالحديث. ثم سلم -رضي الله عنها- قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي». طيب. قال: وأخرج الترمذي بالحديث. أم سلمة: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: «اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي». وهذا ليس صحيحا. وأخرج الحاكم عن أبي أمامة رفعه: «كان إذا سمع المؤذن قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة، دعوة الحق وكلمة التقوى، توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملا يوم القيامة». وهذا أيضا لم يثبت. الذي ثبت هو ما جاء في حديث جابر. حديث جابر أيضا أعله أبو حاتم، لكن صحيح أن له شواهد. قالوا: «كلمة التقوى، دعوة الحق، بالتقوى توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملا يوم القيامة». قالوا: قد عين صلى الله عليه وسلم ما يدعى به أيضا، لما قال: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد»، قالوا: يا رسول الله، قال: «فما تقول يا رسول الله؟» أو: «فما نقول؟» قال: «سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة». قال ابن القيم: إنه حديث صحيح. قال: وذكر البيهقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الإقامة: «أقامه الله وأدامه». وفي رواية أخرى أيضا: هذا لا يصح. طيب. الآن هناك أدعية يدعو بها: يدعو «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا» يدعو بها بعد التشهد، وإن شاء أيضا قال كثير من أهل العلم: إن شاء أن يدعو بها بعد الأذان إذا نسيها مثلا بعد «أشهد أن محمدا رسول الله» يأتي بها بعد الأذان. وذكر هنا أدعية لكن أكثرها لا يصح، فيدعو بما شاء، يدعو بما شاء. طيب. إن شاء الله نكتفي بهذا.