كتاب الصلاة 17

كتاب الصلاة 17

الدرس في كتاب الصلاة 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط الصلاة وحديث علي بن طلق في نواقض الوضوء

عرف المؤلف شروط الصلاة لغةً واصطلاحاً، وفرّق بين شروط الوجوب (الإسلام، العقل، التمييز) وشروط الصحة، مبيناً خلاف العلماء في التمييز والبلوغ. ثم ناقش حديث علي بن طلق في أن الفساء ينقض الوضوء ويبطل الصلاة، مستعرضاً خلاف المحدثين في راويه ومسماه، وضعف الحديث لجهالة مسلم بن سلام الحنفي، مع ترجيح بعض الشراح له لكونه مثبتاً للاستئناف.

حكم انتقاض الوضوء في الصلاة وحديث خمار الحائض

يناقش المقطع مسألة من انتقض وضوءه أثناء الصلاة: هل يبني على صلاته أم يستأنفها، مستعرضاً أقوال الصحابة والعلماء والراجح وهو الاستئناف. ثم ينتقل لشرح حديث «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، مبيناً سنده ومعناه وأن المراد بالحائض المكلفة، وأن الخمار هو ما يغطي الرأس والعنق، مع مناقشة علل الحديث وتصحيحه.

أحكام ستر عورة المرأة في الصلاة وكشف الرأس والقدمين

يبيّن المقطع أن عورة المرأة في الصلاة تشمل الرأس والعنق وسائر الجسد حتى ظهور القدمين، مع جواز كشف الوجه والكفين، ويذكر خلاف العلماء في اشتراط تغطية الشعر والقدمين، مؤكداً أن تعمد كشف ما يجب ستره يبطل الصلاة بينما لا يؤثر الكشف السهو أو النسيان، وأن الحكم مشترك بين الرجل والمرأة في وجوب ستر العورة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: باب شروط الصلاة. قال: شرط لغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فقد جاء شراطها﴾ أي: علاماتها، أي: علامات الساعة. وفي اصطلاح الفقهاء: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته. ما يلزم من عدمه العدم: إذا عدم العدم الصلاة، لكن لا يلزم من وجوده وجود؛ فقد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط. قد يتوضأ الإنسان لكن لا يصلي. وهناك شروط لم يذكرها المؤلف ولم يشر إليها، وبعضها قد تقدمت؛ مثل الوضوء والوقت، هذه شروط متفق عليها. كذلك هناك شروط وجوب: وهي الإسلام، وكذلك العقل، العقل أيضا شرط من شروط الوجوب، وكذلك التمييز. وعندنا شافعية يقولون: البلوغ. لكن اتفقوا على أن صلاة المميز تصح. المميز: الذي يبيز، الطفل المبيز الذي يعرف السؤال ويجيب على قدر السؤال. بسبب مبيز، فهذا عند الحنابلة أنه شرط، يقولون: إن الصبي الصغير غير المبيز صلاته لا تصح، وإنما تصح صلاة المبيز. فلذا يشترطون التمييز، والشافعية يشترطون البلوغ، وكلاهما الهدف واحد. لكن قد يقال: إن التمييز شرط صحة، والبلوغ شرط وجوب؛ وهو لا يجب على الصبي حتى يبلغ. قال: عن علي بن طلق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة». رواه الخمسة وصححه ابن حبان. قال: علي بن طلق، تقدم طلق بن علي في نواقض الوضوء. قال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي الحنفي. وقال: ما لأحمد والبخاري؛ لأن علي بن طلق وطلق بن علي اسم لذات واحدة، أنا أخطأ الراوي وهو طلق بن علي، وعلي بن طلق واحد. ومنهم من جعله أباه، طلق بن علي. هذا في حديث مس الذكر، فلي... ليس هذا حديث طلق بن علي، إنما هو حديث طلق بن علي. وهذا قال: عن علي بن طلق. فالبخاري وأحمد جعلاه واحدا، هو نفسه طلق بن علي وعلي بن طلق، حيوان يختلف فقط في الاسم. والحديث لا يصح؛ فيه رجل مجهول وهو مسلم بن سلام الحنفي، فمسلم بن سلام هذا الحنفي مجهول، فالحديث لا يصح. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فسا أحدكم...» الحديث. قال: رواه الخمسة وصححه ابن حبان. كأنه عبر بهذه العبارة اختصارا؛ وإلا فأصلها: وأخرجه ابن حبان وصححه. أنا بدل ما يقول: أخرجه ابن حبان وصححه، قال: وصححه ابن حبان بإخراجه له في الصحيح. وقد تقدمت له هذه العبارة مرارا. ويحتمل أن ابن حبان صحح حديثا أخرجه غيره ولم يخرجه هو، وهو بعيد. فليس هذا المقصود، المقصود أنه روايته في الصحيح، فهذا دليل على أنه صححه؛ لا يضعه في الصحيح إلا وهو قد صححه. قال: وقد علل الحديث ابن القطان بمسلم بن سلام الحنفي، وأنه لا يعرف. وقال الترمذي: قال البخاري: لا أعلم لعلي بن طلق غير هذا الحديث الواحد. وبقية كلامه يدل على أنه كما قال: كأنه رأى أن هذا رجلا آخر، ليس طلق بن علي. لكن كلامه في التاريخ يدل على أنه واحد. والحديث دليل على أن الفساء ناقض للوضوء، وهو مجمع عليه، ويقاس عليه غيره من النواقض، وأنه تبطل به الصلاة. وقد تقدم حديث عائشة: «من أصابه قيء أو رعاف فإنه ينصرف فيبني على صلاته حيث لم يتكلم». وهو معارض لهذا، وكل منهما ما فيه مقال. وشارح جنح إلى ترجيح هذا؛ قال: لأنه مثبت لاستئناف الصلاة، وذلك ناف. وقد يقال: هذا ناف لصحة الصلاة، وذلك مثبت لها، فأولى الترجيح من هذا. قال: صححه ابن حبان، وذلك لم يقل أحد بصحته، فهذا أرجح من حيث الصحة. هذه المسألة: إذا انتقض وضوء الرجل وهو في الصلاة، هل يبني على صلاته أم يستأنف الصلاة؟ الذي قال يبني، استدل بحديث عائشة، لكنه حديث ضعيف كما تقدم. والذين قالوا يستأنف، استدلوا بهذا الحديث، لكن أيضا قلنا: هذا الحديث لا يصح. لكن من ناحية النظر، وإلا من ناحية الخلاف فقد جاء خلاف على الصحابة: جاء عن ابن عمر أنه يبني، وجاء أيضا عن صهيب أنه يستأنف. وفيه خلاف بين الصحابة. وذكر ابن سيرين أن الناس قد أجمعوا على أن من تكلم في الصلاة فليستأنف. من تكلم في الصلاة فليستأنف. ولهذا هناك قول: إنه إن تكلم استأنف، وإن لم يتكلم لا يستأنف، يبني. أنا مثلا: إنسان خرج أو انتقض وضوءه في الركعة الثانية، ولم يتكلم، وخرج وتوضأ ورجع، وهنا يبدأ من الركعة الثانية، يبني عليها لأنه لم يتكلم. والجمهور على أنه... وهذا القول، القول بالبناء، قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد ليست مشهورة، وهو قول حليفة. وأما الجمهور كمالك، والمشهور عن أحمد، والجديد للشافعي، وغيره من العلماء، على أنه يستأنف الصلاة، يعيد الصلاة من أولها. وهذا الظاهر؛ لأنه خرج ومشى، فكان تكلم أو لم يتكلم، واستدبر القبلة، وكل هذا يدل على خروجه من الصلاة. طيب، فالصحيح هو الاستئناف، وهو أحوط: أن يستأنف الصلاة. طيب. قال: عن عائشة رضي الله عنها: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة. وهذا الحديث طيب، سيذكر المؤلف... قال: والمراد بها المكلفة، وإن تكلفت بالاحتلام مثلا. عن حائض: المراد بها المكلفة. قال: وإنما عبر بالحائض نظرا إلى الأغلب. قوله: «إلا بخمار» بكسر الخاء، خمار المعجمة آخره راء، هو هنا: ما يغطي به الرأس والعنق. سمى خمارا ما يغطي به الرأس والعنق. قال: رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة. قال: وأخرجه أحمد، والحاكم، وابن عبد البر، والدارقطني. وقال: إن وقفه أشبه. وعلله الحاكم بالإرسال. في العلل للدارقطني أنه رجح الإرسال. الدارقطني في العلل رجح الإرسال. لكن الحافظ يقول في التلخيص: قال: وعلله الدارقطني بالوقف، وقال: إن وقفه أشبه. وأيضا أبو داود كأنه يعله بالإرسال. وشيوخ ابن حبان صححوا المرسل بالموقوف: حديث أبي هريرة؛ لأن قتادة رواه على الحسن بن سيرين، فرواه على ابن سيرين عن أبي هريرة، ورواه على الحسن مرسلا. والظاهر هذا إنما كان من اضطراب أصحاب قتادة، وإلا كما قال الدارقطني: أن الحديث الصحيح أنه قتادة عن الحسن مرسل. قال: ورواه الطبراني في الصغير والأوسط بالحديث بقتادة بلفظ: «لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تغاري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر». ولعل الراوي اختلط عليه، يريد يروي عن قتادة فقال عن أبي قتادة. والحديث تفرد به إسحاق بن إسماعيل الأيلي، وهو مجهول. قال: ونفي القبول الوارد به هنا نفي الصحة والإجزاء؛ أي: لا يقبل الله، لا تصح صلاة حائض إلا بخمار. وهذا الحديث يدل على ستر العورة. قال: قال: قد يطلق القبول ويراد به كون العبادة بحيث يترتب عليها الثواب، فإذا نفي كان نفيا لما يترتب عليها من الثواب لا نفيا للصحة، كما ورد: «أن الله لا يقبل صلاة العاقّ، ولا من في جوفه خمر». قيد على أن القبول هذا الوارد به عدم الثواب. وهذا الحديث الذي ذكره لا يصح. وأيضا يدخل في هذا إذا صح حديث الإرسال: على أن القبول هو عدم الثواب. قال: في قوله: «إلا بخمار» ما يدل على أنه يجب على المرأة ستر رأسها وعنقها ونحوه بما يقع عليه الخمار. ويأتي بحديث أم سلمة في صلاة المرأة في درع وخمار، ليس عليها إزار، وأنه قال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها». سابغا: واسعا على جميع الجسد. قال: فيدل على أنه لابد في صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها كما أفاده حديث الخمار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها كما أفاده حديث أم سلمة. ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمرأة كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي. فهذه عورتها في الصلاة. وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة، كما يأتي تحقيقه. وذكر هنا وجعل عورتها في الصلاة هي عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي، وذكر الخلاف في ذلك ليس محله هنا؛ إذ لها عورة في الصلاة وعورة في نظر الأجنبي. والكلام الآن في الأول، والثاني يأتي في محله. الآن هذا الحديث يثبت على عورتها، وأن المرأة لابد أن تغطي جميع جسدها إلا الوجه والكفين، هذا إذا لم يكن عندها محرم. أما إذا كانت عندها محرم فتغطي وجهها أو تكشف وجهها ويديها. وأما إذا كانت عندها أجنبي فتغطي وجهها أيضا. لكن تغطي شعرها: هل هو شرط؟ استدل الجمهور بأنه شرط بهذا الحديث، أنه شرط تغطي شعرها. وذهب بعض المالكية إلى أنه ليس بشرط، والأولى أنها تغطي. واختلفوا في قدميها: هل يجب أن تغطي قدميها أم لا؟ وحديث أم سلمة: «إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها»، في خلاف صحته. وأيضا لو صح فيه أنها تغطي ظهور قدميها، فلو كشف شيء من قدميها لا شيء فيه؛ أنه ذهب جماعة من العلماء إلى أن ظهور القدمين لا يبطل الصلاة على المرأة. فأما بقية الجسد وهو لا يجب تغطيته: ساقيها، كذلك يديها، ذراعها، عضدها، وغير هذه الأشياء، لابد أن تغطيها. لكن هل هو شرط للصلاة؟ فهذا فيه خلاف. فتعمد كشف هذه الأشياء يعتبر عند أكثر العلماء أنه يبطل، معنى صلاتها باطل إذا تعمدت الكشف. وأما إن كان انكشف دون إرادتها، أو أنها نسيت أو سهت مثلا، فكان شيء مكشوف من شعرها وكذا، فهذا الصحيح أنه لا يؤثر في الصلاة. وإلا من يقول شرط يعتبر أيضا مؤثرا في الصلاة، الذي يقول أنه شرط يعتبر مؤثرا في الصلاة. طيب، هذا في هذه المسألة. إن شاء الله بقية الحديث أيضا في مسألة ستر العورة. ولكن هذا ستر العورة عند المرأة، فإنها تستر عورتها. لكن المسألة الأصلية مشتركة سواء كانت امرأة أو رجلا، يجب عليهما أن يستر عوراتهما. لكن هل هي شرط؟ الصحيح أنه ليس بشرط، ولا دليل على الشرطية. لكن من تعمد كشفه فهذا عند أكثر العلماء أنه يبطل صلاة. حتى من لم يقل بشرطية، لأن كما قال بعض العلماء في الأصول: أن النهي، أو أن الأمر يستلزم النهي عن ضده، والنهي لذات الشيء يقتضي الفساد. فلذا إذا جاء أمر فإنه لا يتعبد بمخالفة، لأن التعبد بالمخالفة يعتبر يستلزم النهي عن ضده، يعتبر منهي عنه لذاته، ومنهي عنه لذاته يبطل الصلاة إذا ارتكبه المصلي. فإذا صلت المرأة ورأسها مكشوف تعبدا، فصلاة غير صحيحة. وهكذا الرجل إذا كشف شيء من عورته متعمدا، فإن صلاته أيضا لا تصح. وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.