الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعد خروجه من مصر خوفاً من فرعون، وصل موسى إلى ماء مدين فوجد رعاة يسقون وامرأتين تذودان غنمهما، فسقى لهما بقوة بدنه أو برفع الصخرة الثقيلة، ثم دعا ربه شاكراً مستغيثاً بخيره. يعكس هذا الموقف قوة موسى البدنية وأمانته الأخلاقية في أول اختبار له بعد الهجرة.
لجأ موسى إلى الله بالدعاء معبراً عن فقره وحاجته، فاستجاب الله وأرسل إحدى البنتين لتدعوه إلى أبيها ليكافئه. طمأنه الشيخ قائلاً: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، ونصحته ابنته باستئجاره لوصفه بالقوي الأمين.
عرض والد الفتاتين على موسى عقد عمل مدته ثماني سنوات قابلة للزيادة إلى عشر، مشيراً إلى أن القوة والأمانة هما أساس الأجير الناجح. اختلف المفسرون في شخصية الشيخ وهل هو النبي شعيب، وانتهى الأمر بوفاء موسى بالعشر سنوات وانقضاء الأجل.
اختتم المتحدث الحديث باكتفاء بما ذُكر من أحداث قصة موسى في مدين. وجه الشكر والدعاء بالبركة للمشاهدين على متابعتهم وحسن استماعهم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في تتمة ذكر بقية قصة نبي الله موسى عليه السلام. أخذنا في الدرس الماضي ما حدث لموسى مع القبط، وكذلك خروج موسى عليه السلام من مصر متجهاً إلى بلاد مدين. قال الله عز وجل: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٍ﴾. الله عز وجل يسر أسباب نجاة موسى عليه السلام من عدوه فرعون، ولا شك أن هذه النجاة ما تمت إلا بعد دعاء وتضرع والتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فهدى الله عز وجل نبيه موسى إلى بلد مدين. ولما ورد ماء مدين، أي لما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكانت مدين لها بئر ترده رعاء الشاء، يعني الرعاء الذين يرعون الغنم، يشربون أغنامهم من هذه البئر. فوجد على هذه البئر أمة من الناس، أي جماعة مزدحمة، كل يريد أن يشرب أغنامه، يسقون، أي يطلبون الماء من هذه البئر. فلفت نظر موسى عليه السلام امرأتان تذودان، أي تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء، يعني تبعد أغنامهما عن تلك البئر، ولا تسقيان ولا تأخذا شيئاً من هذا الماء. فلفت نظره ذلك، فقال: ما خطبكما؟ سألهما، سألا هاتين البنتين: ما شأنكما؟ ما خبركما؟ لماذا لا تردان مع هؤلاء؟ فقالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، أي لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء. يصدر الرعاء يعني يذهب الرعاء وما يبقى إلا نحن، لشدة الازدحام، ولي سلامة الاختلاط بالرجال. وهذا أيضاً من مواضع عفة هاتين البنتين في هذه القصة، ذكرت مواقف تدل على عفة هاتين البنتين وعلى حيائهما. فمن ذلك هذا الموقف: أنهما لا تختلطان بالرجال ويزاحمان الرجال، وإنما ينتظران حتى يصدر الرعاء، أي يذهب ولا يبقى ازدحام. فقالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء. ثم بينتا له سبب عدم وجود رجل معهما، لماذا هما بنتان؟ أين أبوهما؟ فقالتا: وأبونا شيخ كبير، يعني أن الأب لا يستطيع أن يقوم بهذا العمل وبرعاية الأغنام لكبر سنه. فأرق لهما عليه السلام، فسقى لهما. يحمل هذا على شيئين: الأمر الأول أنه دخل مع الناس، ولكونه شاباً جلداً قوياً استطاع أن يسقي لهما، أو يسقي لهما بسرعة ودون تأخير. والوجه الآخر: جاء أثر ذكره الحافظ في تفسيره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن موسى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، لصخرة كانوا يغطون بها البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال. فإذا هو بهاتين المرأتين تذودان، يعني ما تستطيعان إزاحة هذه الصخرة وهذا الغطاء لضعفهما. فقال: ما خطبكما؟ فحدثاه، فأتى الحجر فرفعه وحده. ولذلك قالت في هذه القصة لأبيها: إن خير من استأجرت القوي، قيلت أو قالت القوي، لأنها رأت منه ذلك الموقف وهو رفع تلك الصخرة العظيمة التي لا يحملها إلا العشرة منهم. هكذا جاء هذا الأثر، وقال الحافظ بإسناد صحيح لكن إلى عمر، فيكون هذا أشبه ما يكون بالإسرائيليات التي نحدث بها ولا تصدق ولا تكذب، والله أعلم. وقيل أيضاً القول الأول كما ذكرنا: أنهما تنتظران حتى يذهب الرجال والناس حتى لا تختلطان بالرجال. فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل، رأى شجرة تحتها ظل فجلس تحتها لأنه لا مأوى له، هو غريب، لا مأوى له. فجلس تحت هذه الشجرة والتجأ إلى الله عز وجل بالدعاء. انظروا: لما خرج من مصر تضرع إلى الله ودعا الله عز وجل فهداه إلى مدين، فلما وصل أيضاً لا يزال يتضرع إلى الله ويدعو الله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٍ﴾. هذا دعاء ببيان الحال: لا مأوى، ولا طعام، ولا أهل، ولا شيء. فدعا بهذا الدعاء: ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير، أنا فقير إليك يا رب، أرجو كرمك وعطاءك وجودك. ثم قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أي لما رجعت المرأتان إلى أبيهما أنكر عليهما سرعة المجيء، ما كانت هذه عادة البنتين، كانتا تتأخر حتى ينتهي الناس جميعاً، أما في هذا اليوم جاءتا بسرعة، فاستنكر منهما أبوهما هذا الأمر، فذكرتا له ما وقع لهن مع نبي الله موسى عليه السلام. فأعجب أبوهما، أبو هاتين البنتين، بصنيع هذا الرجل، فأرسل إحدى البنتين تدعوه إليه كي يجازيه على هذا المعروف. من صنع إليكم معروفاً فكافئوه. هذا رجل صالح قدم له موسى عليه السلام هذه الخدمة، فأراد أن يكافئه بشيء، فأرسل إحدى بنتيه، أرسل إحدى بناته، فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، أي تمشي مشي الحرائر العفيفات الطاهرات، تمشي على استحياء، ما عندها جرأة، وما عندها كذلك تكشف ولا تطلع إلى الرجال. جاءته، قيل أنها متحجبة وناكس رأسها، فقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، يعني أبي الشيخ الكبير يطلبك كي يجازيك على ما قدمت لنا. فذهب معها، وقيل أيضاً أنه مشى قبلها، هذا كله من الإسرائيليات، لكن يعني عموم اللفظ لعله يدل عليه، ومن كذلك أمانة موسى، فالمرأة هذه وصفته بذلك كما سيأتي: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قيل أنه ما مشى خلفها بل مشى أمامها وهي تمشي خلفه تدله على الطريق من خلفها. طيل هذا، ولو مشت قبله فالظن بموسى أنه يغض بصره، نعم. فلما جاءه وقص عليه القصص، التقى موسى بأبي هاتين البنتين، فقص له موسى قصته مع ذلك القبطي وكيف أنه قتله، ومع الذي هو من شيعته الإسرائيلي، وكيف أنه جاءه رجل وأخبره أن القوم يأتمرون به ليقتلوه، ثم خرج من مصر حتى وصل إلى هذه البلد وهي مدين. قص عليه قصته المتقدمة. فلما سمع هذا الرجل قصة موسى قال له: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يعني قال له: أنت في مأمن وقد وصلت إلى أرض بعيد منهم، لا يستطيعون الوصول إليك. فقال: فطمأنه وهدأه وشد من أزره، فقال له: لا تخفن، نجوت من القوم الظالمين. فقالت إحدى هاتين البنتين، وهذا يدل على رجاحة عقلها وعلى ذكائها، قالت لأبيها: يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين. استأجره بمعنى اجعله يعمل بأجرة، يعمل عندك بأجرة، يرعى الغنم ويقوم بشؤونك وأنت شيخ كبير، فاستأجره على أن تعطيه أجرة مقابل هذا العمل. ثم وصفت موسى بهذين الوصفين، اللذين هما وصف للأجير الناجح. إذا أردت أن تجعل عاملاً أو أجيراً يعمل عندك، فلابد أن تنظر إلى هذين الوصفين: القوة، والمراد بها القدرة على القيام بهذا العمل. القدرة على القيام بهذا العمل. مثلاً: أنت الآن معك بيت تريد أن تبنيه، فتبحث على المعلم القوي القادر على هذا البناء. أو عندك أولاد تريد مدرساً يدرسهم، ما تأتي لهم بواحد جاهل، هو يريد أحداً يدرسه، لا تأتي لهم بمدرس مؤهل وقادر على العطاء والأداء. وهكذا في المسؤوليات وغيرها، يكون المسؤول على قدر هذه المسؤولية. هذا معنى القوة. ولا تكفي القوة وحدها، بل لا بد أن ينضم إليها ماذا؟ الأمانة. لا بد من الأمانة. إذا كان قادراً لكنه خائن سارق، هذا لا ينفع، لا ينفع، هذا سيضرك، سيضرك لأن ما عنده أمانة. ولما قالت هذه البنت هذا؟ كما تقدم: قيل لأنه رفع الصخرة فحكمت عليه بالقوة. وقيل: أنه كذلك دخل مع الناس، ولقوته وكذلك شبابه ونحو ذلك استطاع أن يسقي لهما بسرعة. قيل هذا، فحكمت عليه بالقوة. وأما بالأمانة: لما رأت منه من غض البصر عند مخاطبتهم وعند مشيها معه ونحو ذلك، فرأت منه الأمانة في ذلك. فقالت: إن خير من استأجرت القوي الأمين. فهذان وصفان متلازمان، متلازمان في كل من أراد النجاح في عمل ما، لا يكون إلا بتوفر هذين الأمرين. فلما قالت هذه البنت ذلك لأبيها، كأنه استحسن هذه المقولة أو هذا الأمر، فقال لموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعني قال لموسى: أنت الآن شاب، وأنا عندي ابنتان، فأزوجك إحداهما، أزوجك إحداهما، ومقابل هذا الزواج بهذه البنت أن تعمل عندي ثماني حجج، أي ثماني سنوات، تعمل ترعى الغنم، تقوم بشؤوننا ونحو ذلك، ثماني سنوات تبقى عندنا هنا عامل، هذا الواجب عليك. وإن أتممت عشراً فمن عندك، يعني السنتان تمام العشر، هذا أمر راجع إليك، إن شئت أتممتها وإن شئت اكتفيت بالثمان. وإذا انتهت الثمان انتهى هذا العقد، ولك أن تذهب حيث ما شئت. هذا معنى كلامه. لذلك قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾، يعني لا أجعل الأجرة أقل من العمل الذي تقوم به، نعم، لا أريد أن تكون الأجرة أقل من العمل الذي تقوم به، بل لا أريد أن أشق عليك في ذلك. فما طلب منه عشرين سنة ولا ثلاثين سنة، وإنما طلب منه الواجب: ثماني سنوات فقط. فتزوج هذه البنت، وجاء في البخاري أن موسى عليه السلام أتم العشر، وهذا هو وفاء الأنبياء، وهذا هو وفاء الأنبياء، فأتم موسى عليه السلام العشر سنوات، نعم. واختلف المفسرون في هذا الرجل، في هذا الرجل أبي البنتين، على أقوال عدة: إحداها أنه شعيب النبي الذي أرسل إلى أهل مدين. وقيل: ليس بشعيب النبي، وإنما هو قريب لشعيب، قريب له، وهو ابن أخيه. وقيل: بل هو رجل آخر كان من قوم شعيب. على هذه الثلاثة الأقوال. والحافظ ابن كثير في التفسير ضعف من قال أنه شعيب، ضعف من قال إنه شعيب عليه السلام، واستدل على ذلك أن شعيباً كان قبل زمان موسى بمدة طويلة. شعيب عليه السلام كانت فترة بعثه وإرساله قبل موسى بفترة طويلة، واستدل على ذلك لأنه قال لقومه كما مر معنا في قصته: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، قال لقومه شعيب: وما قوم لوط منكم ببعيد. وقوم لوط لا شك ولا ريب أنهم في عصر نبي الله إبراهيم، لأن الملائكة جاءت لإبراهيم وأخبروا أنهم سيذهبون إلى قوم لوط لإهلاكهم. وبين إبراهيم، أو بين لوط، وكذلك بين موسى فترة طويلة. فالظاهر والله أعلم أنه ليس شعيب النبي، إذ لو كان هو لصرح باسمه، وعد ذلك من قصته. لكنه الظاهر أنه رجل، وليس هناك كبير فائدة في معرفة اسم هذا الرجل، ليس هناك كبير فائدة في معرفة اسم هذا الرجل، فهو رجل من أهل مدين، من أهل مدين. فهذا هو ما وقع في هذه القصة لموسى عليه السلام. ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. سواء كان الثمان أو العشر، ولكنه أتم العشر عليه السلام. ثم بعد ذلك أخذ أهله وذهب، فقال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾. خلاص انتهت مدة العقد بينهما، فأخذ أهله وذهب. وهذا إن شاء الله ما سنأخذه في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله شكراً للمشاهدة، وبارك الله فيكم، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً.