كتاب صلاة المسافرين وقصرها 6

كتاب صلاة المسافرين وقصرها 6

الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تراجم رواة صحيح مسلم ومنازلهم العلمية

استعرض الشيخ تراجم عدد من رواة صحيح مسلم مثل خلف بن هشام وأبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد وحماد بن زيد وزهير بن حرب ويعقوب الدورقي وإسماعيل بن علية، مبيناً ثقتهم وإتقانهم ومكانتهم الرفيعة في علم الحديث.

إسناد حديث قصر الصلاة في السفر ورواية أنس بن مالك

ذكر سلسلة رواة حديث أنس بن مالك عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين، مع توثيق الرواة، واستدل بالحديث على مشروعية قصر الصلاة للمسافر إذا فارق بنيان بلده، وسبب تسمية ذي الحليفة ميقاتاً لأهل المدينة.

حكم قصر الصلاة في السفر وعدم تحديد مسافة شرعية

بين أن السفر الذي يشرع فيه القصر يرجع إلى العرف، فلا مسافة محددة شرعاً، بل ما عدّه الناس سفراً فهو سفر، مستدلاً بالآية الكريمة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي لم تحدد حداً للمسافة، وأن وقائع القصر النبوية كانت وقائع عينية لا تحديداً شرعياً.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ ختاماً للمجلس

اختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، وهي سنة مشروعة في ختام المجالس والخطاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا خلف بن هشام، وهو أبو محمد المقرئ، كان عابداً فاضلاً وعالماً بالقراءات، وهو صاحب القراءة المشهورة، قراءة خلف بن هشام، وكان محدثاً، وكان أولاً يبدأ بأهل القرآن، ثم بعد ذلك يأذن لأصحاب الحديث. وقال: وأبو الربيع الزهراني، وهو سليمان بن داود العتكي، أبو الربيع البصري البغدادي الحافظ، وهو أيضاً كان من المقرئين، أبو الربيع الزهراني من حفاظ أهل الحديث، وكذلك أيضاً كان مقرئاً، وهو ثقة ثبت. وقال: وقتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني. قالوا: حدثنا حماد، وهو ابن زيد، وهو حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، أحد الأعلام الحفاظ، وكان رحمه الله يعتمد على الحفظ، ولم يكن عنده كتاب، وكان حفظه متقناً، ولهذا قال الذهبي رحمه الله: كان يحفظ الحديث كالماء، كان يحفظ الحديث كالماء، وكان إمام أهل زمانه. محمد بن زيد... كان إمام أهل زمانه من أهل البصرة. ولهذا قال تلميذه ابن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي، الإمام من أئمة الجرح والتعديل: أئمة الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد في البصرة، والأوزاعي في الشام، ومالك في الحجاز، ومالك في الحجاز، وسفيان الثوري في الكوفة. قال: أئمة الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد في البصرة، ومالك في الحجاز، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في الكوفة. وكان ابن مهدي يثني عليه كثيراً، وإذا ذكره قال: شيخنا، وشيخنا، وكان شيخنا إماماً في السنة، فكان حماد بن زيد إماماً في الحديث، وإماماً كذلك في السنة، رحمه الله، وهو أثبت من حماد بن سلمة، أثبت من حماد بن سلمة، وإن كان حماد بن سلمة من حيث الورع والتدين أفضل من حماد بن زيد. قال: وحدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي البغدادي، وهو أيضاً من الأئمة الحفاظ، وقد أكثر عنه الإمام مسلم، أكثر بالرواية عن زهير بن حرب حتى روى عنه أكثر من ألف حديث. وقال: ويعقوب بن إبراهيم، وهو الدورقي، أبو يوسف، وهو أيضاً ثقة من الحفاظ. قال: حدثنا إسماعيل، وهو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المشهور بابن علية، وابن علية هذه أمه، وقيل أم أمه، وكان يكره أن يقال له ابن علية لأنه ينسب إلى أمه، لكنه اشتهر بذلك، فلذا كان أهل الحديث يقولون: إسماعيل بن علية، وبعض أهل الحديث ربما تورع فيقول: قال إسماعيل، أو حدثنا إسماعيل الذي يقال له ابن علية. قال: كلاهما عن أيوب، وإسماعيل بن علية أيضاً إمام ثقة. قال: كلاهما عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، أيضاً من الأئمة الحفاظ الزهاد العباد، وكان كذلك إماماً في السنة. قال: عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري. قال: عن أنس، وهو أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدم النبي عليه الصلاة والسلام كم سنوات؟ ها، عشر سنين. هو في الأصل خدمه تسع سنوات ونصف، لكن يقال عشر سنوات، لأن من عادة العرب إذا ذكرت عدداً وفيه كسر، إما أن تجبر هذا الكسر، وإما أن تسقطه. يعني مثلاً: إذا كان العدد تسع سنوات ونصف وزيادة، فيقال: عشر، يقال عشر سنوات جبراً للكسر، وإن كان أقل من النصف أو نحو النصف، فيقال مثلاً: تسع سنوات، ويسقط الكسر. فأنس، قدم النبي عليه الصلاة والسلام، منذ قدم المدينة وهو يخدمه، رضي الله تعالى عنه، حتى انتفع من ذلك انتفاعاً عظيماً، وحفظ من النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً كثيراً، وهو أحد السبعة الذين رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام فوق الألف من الحديث. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. وقال: وحدثنا سعيد بن منصور، وهو أبو عثمان المروزي، صاحب السنن، سنن سعيد بن منصور، وهو أيضاً ثقة حجة. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، إمام من أئمة أهل الحديث. قال: حدثنا محمد بن المنكدر، وهو أيضاً أحد الأعلام الزهاد العباد، وكان رحمه الله كثير البكاء، إذا ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام يغلبه البكاء، رحمه الله، وهو قليل الحديث، إلا أنه كثير الرواية عن... من؟ من الصحابة؟ أكثر عن من؟ من الصحابة؟ ها، محمد بن المنكدر يروي عن من من الصحابة كثيراً؟ ها، لا، ها، عن جابر، عن جابر رضي الله عنه. وقال: وإبراهيم بن ميسرة، وهو الطائفي المكي، وهو ثقة حافظ. قال: سمع أنس بن مالك يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين. وذي الحليفة هو ميقات أهل المدينة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أهل من عباس، ولأهل المدينة ذي الحليفة»، يعني يحرمون إذا أرادوا الحج أو العمرة من ذي الحليفة. وذي الحليفة قريب من المدينة، قريب من المدينة، نحو ستة أو سبعة أميال. فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بالمدينة أربعاً، يعني أربع ركعات، صلاة المقيم، ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين، صلى العصر بذي الحليفة ركعتين. وهذا الحديث فيه دلالة: أولاً، على أن المسافر إذا أراد سفراً، إذا أراد سفراً وفارق بنيان أهل بلده، فإنه يشرع له القصر والترخص برخص السفر. وإذا كان من أهل الخيم، كما ذكر أهل العلم، إذا فارق موضع خيم قريته، فإنه يشرع له القصر. وكذلك أيضاً فيه دلالة على القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن السفر ليس له حد معين، ليس له مسافة معينة بها يشرع القصر وبدونها لا يشرع، وإنما المرجع في ذلك إلى العرف. فما عده الناس سفراً فهو سفر، سواء كانت المسافة أقل من ثمانين كيلو، أو كانت أكثر من ثمانين كيلو. وما لم يعده الناس سفراً فليس بسفر، لأن الله عز وجل أطلق هذا الحكم ولم يقيده بزمن ومسافة معينة. قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: 101]، أطلق الضرب، فإذا كان الإنسان ضارباً في الأرض فله أن يقصر الصلاة. وهكذا أيضاً في السنة، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحديد مسافة السفر بحد معين، وكل ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه قصر في المسافة الفلانية، أو في المكان الفلاني، لا يدل هذا على التحديد، إنما هذه مجرد... يعني وقائع عينية حصلت من النبي عليه الصلاة والسلام، ليس فيها دلالة على تحديد مسافة السفر. ولهذا فالقاعدة الشرعية عند أهل العلم: أن ما أطلقه الشرع ولم يحده بحد، فإننا نبقيه على إطلاقه، أو نرجع في ذلك إلى العرف تحديده، والعرف معمول به إذا ورد نص من الشرع الشريف لم يحد. إذا ورد النص في الشرع ولم يحد بحد، فإننا نرجع في ذلك إلى العرف. وهكذا أيضاً ما يتعلق بالسفر، فإن الشرع أطلق السفر في الكتاب وفي السنة، ولم يحده بحد معين، أو بمسافة معينة، أن هذه هي مسافة القصر. ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سافر مسافة كذا وكذا فله أن يقصر، يفهم من هذا أن من سافر دون ذلك فليس له القصر. هذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما ثبتت أن النبي سافر مثلاً مسافة ثلاثة فراسخ فقصر، كما في الصحيح. طيب، هل معنى هذا أنه أقل من هذا ما يقصر؟ لا، ليس فيه هذا. وهنا أيضاً: سافر النبي صلى الله عليه وسلم، صلى الظهر في المدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، هذا يؤيد أنه ليس للسفر مسافة معينة ومحددة. فهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة: أن ما عده الناس عرفاً أنه سفر فهو سفر، طالت المسافة أو قصرت، وما لم يعده سفراً فليس بسفر. ومما يؤيد هذا: هذا الحديث، صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.