التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 63

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 63

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم التشدد ومخالفته للسنة

يشرح شيخ الإسلام الفرق بين الشدة والتشدد، ويبين أن التشدد يخالف السنة النبوية، ويضرب أمثلة على ذلك. يشير إلى أن الغلو في العبادات وترك الشهوات من صور التشدد.

السياحة في الإسلام ومفهومها الخاطئ

يناقش مفهوم السياحة عند بعض المسلمين، خاصة في أوساط الزهاد والصوفية، ويبين أنه مفهوم خاطئ. يشرح أن الانعزال في الجبال أو البراري ليس من عمل المسلمين الصالحين.

تحذير الإسلام من الغلو والرهبانية والتشبه بالكفار

يشير إلى أن الإسلام نهى عن الرهبانية والغلو في الدين، ويحذر من التشبه بالنصارى واليهود الكفار. يبين أن الغلو هو تجاوز الحد في الثناء أو الذم، وأن هذا التحذير يشمل جميع أنواع الغلو.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، فذكر شيخ الإسلام طيب محمد رحمه الله الفرق بين الشدة أو التشدد، أقصد تعريف التشدد ومعناه، سواء كان في الواجبات أو في المحرمات، وضرب أمثلة في ذلك. ثم قال: قد خالف هذا بالتأويل ولعدم العلم طائفة من الفقهاء والعباد. ومثل هذا أنا خالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة، في ترك الشهوات والجمع بين السنة وما ذكره ربنا جل وعلا من الزواج وغيره، وكذلك العبادة وترك الرهبانية التي كان عليها النصارى. أن هذه ليست طريقة أهل الإسلام، وهي ترك عامة الشهوات من النكاح وغيره، والغلو في العبادات صومًا وصلاة، هذا ليس من طريقة أهل الاتباع والذين هم على الدين الصحيح والسنة. قالوا: قد خالف هذا بالتأويل ولعدم العلم طائفة من الفقهاء والعباد. ومثل هذا ما رواه أبو داود في سننه عن العلاء بن الحارث، وهو شامي، أما العلاء بن عبد الرحمن فهو مدني، وهذه رواية أهل الشام، قال: عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة. والقاسم بن عبد الرحمن شامي، أخذناه في صحيح المسند، وهو صدوق لكنه عنده أوهام، وكذلك كثير الإرسال. قال: عن أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله، أذن لي بالسياحة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". وهذا الحديث ظاهر إسناده الصحة، لكن ظاهر أن فيه ضعفًا من ناحية القاسم بن عبد الرحمن. وفي حديث آخر أن السياحة هي الصيام، وهذا في ذكر قول الله عز وجل: ﴿السائحون﴾ في سورة التوبة، فذكر صفات للمؤمنين وذكر أيضًا السياحة. والمراد بالسياحة على قول أكثر العلماء: أنه صيام، أو أنه أهل صيام، السائحون: هم الصائمون. لكن الحديث جاء مرسلًا. لكن جاء عن جماعة من السلف أنهم فسروا هذه اللفظة "السائحون" بالصيام. قال: وفي حديث آخر أن السياحة هي الصيام، وهذا مرسل. أو السائحون هم الصائمون. لكن كما قلنا: جاء عن جماعة من السلف، كما ذكره ابن جرير الطبري وغيره، قال رحمه الله: وذلك تفسير لما ذكره الله تعالى في القرآن من قول "السائحون" وقول "سائحات"، كما في سورة التحريم، ذكر أيضًا السائحات، والسائحات: هن الصائمات. قالوا: أما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين، فليس من عمل هذه الأمة، مثل ما حصل عند أهل التصوف وقبلهم النصارى، أن يخرجوا إلى البراري ويقولون: نحن سائحون إلى الله. وهذه السياحة عندهم أنهم يتعبدون الله في تلك الأماكن، ويتركون صلاة الجماعة والجمع، وهذا مفهوم خاطئ. نشأ عن جهل وانتشر في أهل التصوف وأهل الزهد في بعض العصور، وأنهم دائمًا في تلك الأماكن مثل جبل لبنان وجبل أيضًا في دمشق وغيرها من هذه الجبال يطلعون فيها ويجلسون أيامًا، بل بعضهم يدلس شهورًا. وهذه الطريقة ليست الطريقة الصحيحة. وأما ما ذكر عن بعض الصحابة أنهم فعلوا ذلك، فهو مما لا يصح، مما لا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي قصة علقمة لما نزل قول الله عز وجل: ﴿فعقبهم نفاقًا إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ على أن هذه الآية نزلت في علقمة بالحارث، وأنه لما نزلت هذه الآية خرج إلى الجبل أو صعد جبلًا وذهب إلى الصحراء، ومن هذا كله لا يصح، بل هذه قصة باطلة. قد ذكر ذلك في أسباب النزول أو في مقدمة أسباب النزول شيخنا مقبل رحمه الله. قال: وفي حديث آخر أو قال: وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين، فليس من عمل هذه الأمة. ولهذا قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين". وهذا يدلك على أن بعض الأشياء تطغى على الثوابت وكذلك التعاليم الصحيحة. فهذا المبدأ الذي مشى عليه كثير من الزهاد انتشر كثيرًا حتى صار كأنه عبادة شرعها الله، فصارت مثل الرهبانية النصارى اخترعوها لنفسهم. وكذلك أيضًا حصل لهؤلاء الزهاد من أهل التصوف، ومن يقرأ في قصص التي يذكرها أبو نعيم في الحلية أو التي يذكرها أيضًا ابن الجوزي في صفة الصفوة، وكذلك أيضًا بعض الكتب التي تتعلق بهذا ككتاب طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي وغيرها من هذه، تجد قصص مثل هذا أن فلانًا خرج في البرية وخرج إلى الجبل أو صعد الجبل وجلس في الجبل أيامًا. وكذا من هذا القبيل، هذه كلها ليست من الإسلام في شيء. لهذا قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين". لو كان هذا خيرًا لفعلها سلف الأمة. قال: معنا جماعة من إخواننا قد ساحوا، السياحة المنهي عنها. وظهر أنه تابع الكلام الإمام أحمد أو أن هذا كلام الشيخ الإسلام على أنه يرى أن هناك بعض من ينتسب للسنة أيضًا خرج، قال: متأولين في ذلك أو غير عالمين بالنهي عنه، وهي من الرهبانية المبتدعة التي قيل فيها: "لا رهبانية في الإسلام". أن الرهبانية ليست موجودة في الإسلام، ومن فعل هذه الرهبانية فهو أتى بطريقة ليست من طرق الإسلام، بل هي طريقة النصارى. قال: والغرض هنا بيان ما جاءت في الحنيفية من مخالفة اليهود، فما أصابهم من القسوة عن ذكر الله وعما أنزل، ومخالفة النصارى فيما هم عليه من الرهبانية المبتدعة عنها أهل الإسلام، وسط بين الجفاة والغلو. فاليهود جفاة حتى أنهم قسّطوا قلوبهم، ثم قسّطوا قلوبهم من بعد ذلك، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فلهذا فهؤلاء قسّطوا قلوبهم بسبب الجفاء الذي في قلوبهم. وأما النصارى فجاءوا بهذه الرهبانية المبتدعة وغلوا في هذا. قالوا: وإن كان قد ابتلي بعض المنتسبين منا، أي من أهل الإسلام إلى علم أو دين بنصيب من هذا أو من هذا، سواء كان بالجفوة أو بالرهبانية. قالوا: مثل هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة، وهو على ناقته: "ألقت لي حصى". يقول لابن عباس: "ألقت لي حصى". قال: "فلقطت له سبع حصيات من حصى الخدف". فجعل ينفضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا". حصى الخدف هو الحصى الصغير. فقال: "أمثال هؤلاء فارموا". ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث عوف بن أبي جميلة عن زياد بن حسين عن ابن عباس. قال: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وهذا الحديث صحيح. وذكره أيضًا شيخنا في الصحيح المسند، ذكره أيضًا شيخ الباني في الصحيح. قال: وقوله: "وإياكم الغلو في الدين" عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقاد والأعمال. والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق. معنى هذا: أن الغلو من نوع التشدد، والغلو هو زيادة الشيء في حمده أو في ذمه، يغلو في حمده في الثناء عليه أو في ذمه. قالوا: النصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات والأعمال في الطوائف. وإياهم نهى الله عز وجل على الغلو في القرآن في قول تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾. وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار ونحو ذلك، بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار، أن بعضهم يظن أنه يرمي الشيطان فيأتي بالحصى كبير. قال: ثم علل ذلك بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين، كما تراه في النصارى. وذلك يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلك، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه أن يكون هالكًا. فكل هذا من باب عدم التشبه بهؤلاء أهل الباطل من النصارى الكفار أو اليهود. إن شاء الله تعالى نكمل هذا. شكرًا.