التعليقات على كتاب الأدب المفرد 79

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الفحش والتفحش واللعن

نهى الإسلام عن الفحش والتفحش واللعن، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم تحريم هذه الأفعال في أحاديثه. من قذف مملوكه وهو بريء أقيم عليه الحد يوم القيامة.

خطورة المدح المبالغ فيه وآثاره

حذر النبي عليه الصلاة والسلام من المدح المبالغ فيه لأنه قد يؤدي إلى الغرور والعجب فيهلِك الممدوح. كما أنه قد يؤدي إلى الكذب واغترار الممدوح، مما يسبب هلاكه.

الحكمة من عدم قبول المدح وتجنب مخاطره

يُشدد على أهمية عدم قبول المدح لتجنب الوقوع في المعاصي، مع الحرص على سلامة النفس والمادحين. يُعد عدم قبول المدح وسيلة لتحقيق السلامة للجميع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «ذب المفرد»: حدثنا الفضل بن المقاتل، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم، قال: سمعت عكرمة يقول: لا أدري أيهما جعل لصاحبه طعاما، ابن عباس أو ابن عمه. فبينما الجارية تعمل بين أيديهم، إذ قال أحدهم لها: يا زانية. فقال: مه، إن لم تحدك في الدنيا تحدك في الآخرة. قال: فرأيت إن كان كذاك، قال: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش. ابن عباس الذي قال: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش. وهذا الأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفيه إخبار عكرمة رحمه الله، وكان من تلاميذ عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان يقول: كان ابن عباس يضع في يدي وقدمي القيود، يعلمني الفرائض. فقال: لا يدري أيهما جعل لصاحبه طعاما، ابن عباس أو ابن عمه، أي لا يدري أيهما الذي صنع الطعام للآخر. وهذا لا يضر في ثبوت هذه القصة، فالقصة ثابتة. وإن شك رحمه الله في أيهما صنع الطعام. ثم ذكر أن الجارية بينما تعمل بين أيديهم، إذ قال أحدهم لها: يا زانية، رماها بالزنا. فقال: مه، يعني كف عن ذلك، إن لم تحدك في الدنيا تحدك في الآخرة، يعني إن لم يقم عليك الحد في الدنيا، فسوف يقوم عليك الحد يوم القيامة. ويؤيد هذا المعنى ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء في مسلم، حيث قال بهريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قذف مملوكه بحد لم يأته، أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال». من قذف مملوكه حدا لم يأته، إلا أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال، يعني أن يكون صادقا كما قال، فلا يقام عليه الحد. وإن كان غير صادق، فإن الحد سيقام عليه يوم القيامة. وفي هذا دليل على وقوع الحدود يوم القيامة. فهذه الجارية والمملوك لضعفه، ربما لا يستطيع أن يأخذ حقه في الدنيا. فالله جل وعلا، لكمال عدله، فإنه يقتص له يوم القيامة، ويأخذ بحقه من سيده يوم القيامة. فقال: إن لم تحدك في الدنيا تحدك في الآخرة. قال: فرأيت إن كان كذاك، يعني إن كان فعلا هي زانية. قال: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش، يعني وإن كانت كذلك، فلا ينبغي أن تأتي بمثل هذه المقالة، لأن هذا من الفحش، هذا من الفحش في القول، تقول: يا زاني، أو يا زانية، أو يا لوطي، أو نحو ذلك من هذه الأقوال الفاحشة. هذا ينبغي أن تنزه لسانك عنها، ينبغي أن تنزه لسانك عنها، ولو كان كذلك. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سابق، قال: حدثنا إسرائيل، وهو ابن إسحاق، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». والحديث صحيح، وقد مر في أبواب سابقة. قال: باب ما جاء في التمادح، يعني في المدح والثناء. قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، ومن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن خالد، وهو الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه رجل خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك، قطعت عنق صاحبك»، يقوله مرارا، يعني يكرره: «قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك». إن كان أحدكم مادحا لا محالة، يعني لا ريب أنه مادح، أو لا بد من المدح. قال: فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، يعني إذا كان يظن أنه كذلك. قال: وحسيبه الله، أي الذي يحاسبه هو الله سبحانه وتعالى، الذي يحاسبه على أعماله التي يعملها. إذا كانت أعمال صالحة، فهو الله جل وعلا الذي يحاسبه، لست أنت. ولا يزكي على الله أحدا. وفي رواية: «لا أزكي على الله أحدا»، أي لا أقطع على عاقبة أحد، لا أقطع على عاقبة أحد: أنه مثلا من أهل الجنة، من أهل النعيم، نحو ذلك. والحديث صحيح، هو في صحيح الإمام البخاري. وهذا الحديث كما سمعنا، فيه أن رجلا ذكر عند النبي عليه الصلاة والسلام، فأثنى عليه رجل خيرا، يعني جعل يمدحه ويثني عليه: فلان كذا وكذا من أعماله كذا وكذا. فجعل يثني عليه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويحك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك»، يعني كنت سببا في إهلاكه. لأن العنق إذا قطع، هلك الإنسان. إذا قطع العنق هلك. والمراد بذلك أن المدح سبب للهلاك، أن المدح والثناء سبب لهلاك الممدوح. قال: يقوله مرارا، يعني يكرره عليه الصلاة والسلام، وذلك لخطورة المدح، لخطورة المدح. وذلك كما سمعنا أنه سبب لهلاك الممدوح. هذا الممدوح قد يغتر بما يسمع من مدح وثناء: أنه كذا وكذا وكذا، من أهل الصلاح، ومن أهل التقوى، ومن أهل العبادة، ومن أهل الزهد، ومن أهل الورع، ومن أهل العلم، وأنه العالم، وأنه المحدث العلامة الفقيه العابد الزاهد الورع، إلى آخر ذلك من المدح. فيطير، يرى أنه يطير في السماء من كثرة هذا المدح، فيصيبه الغرور، يغتر بما يسمع من هذا المدح، فيقع في العجب، وفي الغرور، ويكون ذلك سببا في هلاكه. يستحقر من تحته، ولا يحترم أحدا، ولا يقدر أحدا، لأنه يرى أنه فوقهم، أنه أعلى منهم. ربما يمدح بالممادح، وكذلك بالإطراءات والمبالغة في المدح، حتى يوقعه ذلك في الهلاك. نسأل الله السلامة والعافية، وسدا لهذا الأمر. نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا المدح، نهى عليه الصلاة والسلام عن هذا المدح. فقال: «إن كان أحدكم مادحا لا محالة، إن كان ولابد من المدح والثناء، فليقل: أحسبوا كذا وكذا»، أي أحسبوا على خير وعلى صلاح. «والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا». الله جل وعلا هو الذي يحسبه على أعماله، ولا نزكي على الله سبحانه وتعالى أحدا. وكما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، بالتقوى. وأعلم بالصالح، وأعلم بالطائع. الله يعلم ذلك، فما يحتاج منا أن نمدح، وأن نطري في المدح والثناء، فذلك سبب لهلاك هذا الممدوح. حدثنا محمد بن الصباح، وهو البزار، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، وهو الخلقاني، قال: حدثني بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل، ويطريه، يعني يبالغ في مدحه. الإطراء المبالغة في المدح. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، كما في حديث عمر: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل، أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل». والحديث صحيح، هو أيضا في صحيح الإمام البخاري ومسلم. وهو كالذي قبله، في أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يثني على رجل، يطريه، يبالغ في مدحه. فأنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل». فهذا فيه أنه ينبغي الإنكار على من بالغ في المدح. ومن حكم النهي عن المدح، هو الوقوع في الكذب، وقوع الكذب من هذا المادح الذي يبالغ في المدح، يكذب في مدحه وإطرائه، يبالغ حتى يقع في الكذب، ويذكر أشياء في هذا الممدوح ليست فيه، فيكون ذلك من الكذب. وهكذا أيضا ما فيه كذلك من اغترار هذا الممدوح بما يسمع من المدح، فيكون ذلك سببا في هلاكه، سواء كان المدح نثرا أو كان شعرا، فكل ذلك مذموم، لا ينبغي الإطراء والمبالغة فيه. هذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه سبب للهلاك. حدثنا قبيصة، وهو ابن عقبة، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عمران بن مسلم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: كنا جلوسا عند عمر، فأثنى رجل على رجل في وجهه. فقال: عقرت الرجل، عقرك الله. هذا الأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. أن رجلا أثنى على رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقال له عمر: عقرت الرجل، عقرك الله، يعني أهلكته، أهلكته بسبب هذا المدح. وربما كان هذا المدح يسيرا، فكيف إذا كان شيئا عظيما؟ كيف إذا كان المدح شيئا عظيما، رفع لمنزلة الرجل التي أنزله الله سبحانه وتعالى؟ أو يكون فيه ادعاء له العصمة، ادعاء له العصمة، وإن كان لا يشعر، قد لا يدرك هذا المادح ما يتكلم به، وما يتكلم به، وأن هذا الممدوح قوله الحق، قوله الحق، هذا ادعاء له العصمة، أنه لا يتكلم إلا بحق. وهذا ليس إلا للنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أيضا ربما يكون رفع لمنزلته إلى منزلة النبوة، أو منزلة الربوبية، أو للوهية. وهذا كذلك إهلاك لهذا الممدوح، مع كذلك الوقوع في الشرك بالله سبحانه وتعالى. حدثنا عبد السلام، قال: حدثنا حفص، عن عبيد الله، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول: المدح ذبح. قال محمد: يعني إذا قبلها. والأثر صحيح، العلامة الألباني رحمه الله. قال: المدح ذبح، يعني ذبح لصاحبه، لهذا الممدوح، إذا قبل هذا المدح واغتر به، كان في ذلك هلاك له، وذبح له. هذا المادح في الحقيقة هو مسيء لهذا الممدوح، هو مسيء له، وليس محسن. لأنه سبب في وقوعه في الهلاك، سبب في وقوعه في الهلاك. فكأنه أعطاه السكين، وجعله يذبحه، وهو ينظر إليه، ولا ينكر عليه. فالمدح ذبح، المدح ذبح. فينبغي أن يحذر أن يحذر المسلم من المدح والإطراء فيه، وأن يحذر كذلك من أن يمدح، ومن أن يمدح ويطري، حتى يكون ذلك سببا في هلاكه. والواجب أنه يحرص، إذا كان يعلم أن من عنده لا يبالون بمدحه، ولا يبالون بالثناء عليه، فينبغي أن ينكر عليهم، وأن يسد عليهم الباب، أن يسد عليهم الباب، ولا يجعلهم يتوسعون في باب المدح، من مدحه. أنكر عليه، وقال: نحن أدنى من ذلك، ولا أحب مثلا، لا أحب من أحد أن يمدح، وأن يثني عليه. يسد هذا الباب حتى يسلم، حتى يسلم. أما إن فتح الباب، فإن ذلك سببا في هلاكه. هذا يمدح، وذاك يثني، وهذا يزيد، ويريد ماذا؟ أن يكون أحسن من الآخر، فيأتي بمدح فوق الذي أتى به الأول. وهذا ينافس الآخر، وهذا يريد القرب من الممدوح، يدخل فيه ماذا؟ مقاصد الدنيوية ومقاصد الدنيا. هذا يريد أن يداهن هذا الممدوح، حتى تكون له عنده منزلة. وهذا يحصل، هذا يحصل من هؤلاء المادحين. فهذا ينبغي أن يسد عليهم الباب، فلا يعانون على ذلك. وإن مدح إنسان مدحا، فقد قال بعض السلف: إذا مدح إنسان، فينبغي أن يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيرا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون. لكن كذلك مع الحرص على سد هذا الباب، حرصا على سلامة نفسه، وكذلك أيضا على سلامة هؤلاء المادحين، حتى لا يقعوا في شيء من المعاصي.