التعليقات على كتاب الأدب المفرد 95

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الرحمة بالحيوان

يُبين أهمية الرحمة في الإسلام حتى تجاه الحيوانات، مستشهدًا بأحاديث نبوية تشجع على الرحمة بالبهائم والطيور. يشمل ذلك أحاديث عن عاقبة الرحمة بالحيوان يوم القيامة.

استثناءات الكذب في الإسلام وتطبيقاتها

يتناول استثناءات الكذب في الإسلام، حيث يبيح الكذب في ثلاث حالات: الإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. كما يشير إلى جواز حبس الطائر مع إطعامه وسقيه.

أهمية الصدق في الدعوة إلى الله

يؤكد على أهمية الصدق في الدعوة، حيث يُعتبر أساس الفلاح وانتشار الخير بين الناس. الدعوة القائمة على الصدق تنجح وتحقق الخير، بينما الدعوة القائمة على الكذب لا خير فيها.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا محمود قال حدثنا يزيد قال أخبرنا الوليد بن جميل الكندي عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رحم ولو ذبيحة رحمه الله يوم القيامة». الحديث حسن، وعلامة الألباني رحمه الله. وفيه ما مر الكلام عليه درس السابق من الحث على الرحمة. ومن ذلك رحمة البهيمة، فالبهيمة إذا رحمها الإنسان رحمه الله عز وجل. وهكذا لو رحم الذبيحة، الذبيحة التي يذبحها ورحمها، فإن الله سبحانه وتعالى يرحمه. «من رحم ولو ذبيحة رحمه الله يوم القيامة». فبهذا بيان فضيلة ورحمة الرحمة، وأنها سبب لرحمة الله سبحانه وتعالى. فإذا كان هذا في البهيمة التي أحل الله سبحانه وتعالى ذبحها وأكلها، فكيف بالإنسان؟ وكيف برحمة بني آدم؟ فرحمتهم سبب لرحمة الله سبحانه وتعالى. قال باب أخذ البيض من الحمرة: حدثنا طلق بن غنام قال حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله، أي المسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا، فأخذ رجل بيض حمرة -والحمرة طائر صغير كالعصفور- قال: فجاءت ترف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني تطير وتفرش جناحيها فوق رأس النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: «أيكم فجع هذه بيضتها؟ أو ببيضتها؟ أي من الذي أخذ بيضتها حتى أجعلها على هذه الحال؟» فقال رجل: يا رسول الله، أنا أخذت بيضتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أردد رحمة لها» -يعني رد البيضة الذي أخذتها رحمة بهذا الطائر-. والحديث من طريق المسعودي ومختلط، لكن لعل طلقا سمع منه قبل الاختلاط، أو أن الحديث صحيح بشواهده. قد صحح الشيخ الألباني رحمه الله الصحيحة، وشاهد منه. وشاهد منه رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الطائر، لما رآه فجع بأخذ بيضه، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يرد هذا البيض رحمة بها. قال: «أردد رحمة لها». أمر عليه الصلاة والسلام أن يرد البيض رحمة لهذا الطائر، وهو بهيمة وطائر من الطيور. ومع ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك رحمة بها. قال باب الطائر في القفص: حدثنا عارم قال حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة قال: كان ابن الزبير بمكة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحملون الطائر في الأقفاص. الحديث قال شيخ الإسلام رحمه الله ضعيف لانقطاعه، فهشام لم يدرك جد أم الزبير. قال حدثنا موسى قال حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فرأى ابنا لأبي طلحة يقال له أبو عمير، وكان له نغير يلعب به -هو طائر- فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ أو أين النغير؟» والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى هذا الطائر مع ابن أبي طلحة، وقال له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ أو أين النغير؟» وكان قد مات. وبهذا الحديث استدل الإمام البخاري رحمه الله على جواز حبس الطائر، فيجوز أن يحبس، لكن مع القيام بحقه بإطعامه، وهكذا أيضا بسقيه. وأما أن يحبس من غير طعام ولا سقيه، هذا لا يجوز؛ لأنه من تعذيب الحيوان. وأما أن يحبسه ويطعمه ويسقيه، هذا جائز. وذلك هذا الحديث «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» قر النبي عليه الصلاة والسلام إنس هذا الصبي لهذا الطائر، فدل ذلك على الجواز. وفيه كذلك جواز التكنية بمن أو لمن لا ولد له، جواز أن يكنى من لا ولد له، ولا يشترط في الكنية أن يكون المكنى ذا ولد، فيجوز أن يكنى بكنية ولو لم يكن عنده ولد. هذا الصبي كأنه النبي عليه الصلاة والسلام بأبي عمير وهو صغير، فالكنية لا يشترط لها أن يكون المكنى ذا ولد. وشاهد منه كما سمعنا هو جواز حبس الطائر مع القيام بإطعامه، وهكذا أيضا بسقيه. قال باب ينمي خيرا بين الناس: حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني يونس وابن يزيد -وكان من أوفق الناس ابن شهاب الزهري- عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم الزهري، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أمه -أن أمة كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط- أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا». قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. وبقي الثالثة وهي الحرب، وهي في الحرب كما هو في الصحيحين. ولعل سقط من النسخة عندك نسخة، وما في لكنه واحد في الصحيحين بهذه الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. والحديث صحيح في الصحيحين. في هذا الحديث بيان شيء مما يستثنى من الكذب، فالأصل أن الكذب كبيرة من كبائر الذنوب. وإذا كان فيه مصلحة عظيمة، كأن يكون فيه إنقاذ للإنسان من مجرم يريد أن يقتله، أو أن يصفه كذبا، ولا يمكن أن يبعد عنه هذا المجرم إلا بالكذب، فهنا يجوز، بل قال بعض أهل العلم يجب أن يكذب. كمثلا يأتي رجل فاسق فاجر يريد أن يقتل إنسانا، وأنت تعلم أين اختباء هذا الرجل، فيأتي يسألك أين فلان؟ فتقول له: لا أدري أو الله أعلم. فيجوز لك أن تكذب حتى تدفع شره، وحتى يسلم هذا الرجل من القتل. ولو استعملت المعاريض -هو أولى- تورية، تستعمل التورية، فتقول له مثلا: ليس فلان هنا، وتشير إلى شيء معين ليس فلان هنا، مثلا في يدك وتشير إلى يدك، والمعنى ليس في يدي، فهو معنى صحيح، وإن كان في الظاهر أنه قد يظن أنه كذب. فيجوز في هذه الحالة كما سمعنا الكذب، والتورية أفضل. وهذا أيضا في هذا الحديث كذلك جواز استعمال الكذب في الإصلاح. «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا» -يعني الذي يسعى في الإصلاح بين الناس- كصومة بين شخصين، فحصل بينهما تقاطع وتهاجر بسبب من أسباب الدنيا، فتأتي تصلح بينهما، فتستعمل الكذب، فتقول مثلا: فلان ينفع عليك خيرا، وكذلك ينفعك بخير، نحو ذلك تريد الإصلاح، وإن كان ليس الأمر كذلك. وهكذا أيضا كذلك في الحرب، فيجوز الكذب ليرهب العدو؛ لأنه في ذلك مصلحة عظيمة. كان مثلا يسأل: يأتي رجل فيسأل أهل الإسلام: كيف عدتهم؟ وكم عددهم؟ وهل عندهم قوة؟ نحو ذلك، فيقول: نعم عندهم عتاد وقوة وكثرة، حتى يرهب أعداء الإسلام، فيجوز ذلك. أو يستخدم كذلك معهم الكذب لخداعهم، فهذا جائز. ومثل ما فعل محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه مع كعب بن الأشرف حين تحايل على قتله، فيجوز في هذه الحالة استعمال الكذب. وهكذا أيضا في حديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، استعمال الكذب فيما يكون سببا لحصول المودة والألفة بين الزوجين. يقول مثلا الزوج لزوجته: أنت مثلا عندي من أفضل النساء، وأنت أحب لي من سائر النساء، ونحو ذلك. أو يعدها أن يأتي لها بشيء إذا كانت كثيرة المطالب، ونحو ذلك، فيجوز. ومع ذلك فالأفضل استخدام التورية، الأولى استخدام التورية. يعني ماذا؟ لن يقول لها: سأشتري لك كذا وكذا، وينوي إن قدر الله سبحانه وتعالى. وينوي إن قدر الله سبحانه وتعالى. وكذا أيضا كذلك في الحرب، الأفضل أن يستخدم التورية، وإن كذب كما سمعنا فهو جائز؛ لما في ذلك من مصلحة عظيمة من إرهاب الكفار. وأما الكذب في غير هذه الثلاثة فلا يجوز؛ لأنه كما سمعنا كبيرة من كبائر الذنوب. فلا يستخدم الكذب في الدعوة، فيقال: نكذب لمصلحة الدعوة كما يفعل بعض الجهبيين، يستخدم الكذب كما يدعي أنه مصلحة للدعوة. وهذا قبيح، ولا تفلح دعوة بكذب أبدا. لا تفلح دعوة بكذب، وكبيرة من كبائر الذنوب. بل هذه دعوة فاشلة، ودعوة تقوم على المعصية وعلى الذنب لا خير فيها. بل واجب هو الصدق والتحلي بالصدق ظاهرا وباطنا، سرا وعلانية. وبذلك يحصل الخير، ويحصل كذلك الفلاح، وينتشر كذلك الخير بين الناس، وتفلح هذه الدعوة إذا كانت قائمة على الصدق. أما أن تقوم على الكذب وعلى الفجور، فهذه دعوة لا خير فيها ولا بركة فيها.