الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة خلال حجة الوداع حرّمت دماء المسلمين وأموالهم وألغت ثأر الجاهلية، وأوضحت حقوق النساء وواجباتهن.
كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يشمل العادات والعبادات التي كانت سائدة في الجاهلية.
حديث عياش بن عباس القتباني المصري ينهى عن عشر أمور في الإسلام، ويبين صحة سند الحديث وشرح ألفاظه وبعض أحكام الجاهلية التي أقرها الإسلام.
المقطع يعرف بشيوخ الحديث مثل الهيثم بن شفيق وأبي عامر الحجري، ويصحح نطق اسم شفيق ويعرف بهم كشيوخ قدماء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه بعد. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: فصل، وهذا الفصل عنوانه عند بعضهم في ذكر فوائد خطبته صلى الله عليه وسلم العظيمة في يوم عرفة. قال رحمه الله: وروى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، قال: عن جابر في حديث حجة الوداع، وهو حديث جابر الطويل الذي يخرجه الإمام مسلم في صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «حتى إذا زالت الشمس، يعني يوم عرفة، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس»، حتى إذا زالت الشمس، يعني يوم عرفة، أمر بالقصواء -وقصواء هذه ناقته عليه الصلاة والسلام- فرحلت له، أنه جعل لها الرحل حتى يركب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى بطن الوادي -والوادي هذا هو وادي محسر أو أقصد وادي عرنة، وادي عرنة الذي هو الآن فيه نمرة، الذي فيه نمرة، والآن أكثر المسجد فيه، وكان المسجد الآن الذي بني في نمرة، لكن بعضه داخل في عرفة- قال: «فأتى بطن الوادي فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع». عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، عن الذي يخالف الإسلام، ودماء الجاهلية موضوعة، عن لا يأتي أحد يقول: ثأري لفلان، وثأري لفلان، بل هذه الدماء خلاص وضعت، ولا يجوز لأحد أن يطالب فيها. قال: «وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث»، وأنظر إلى إنصاف النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يبدأ بأهله، حتى يبين لهم أنه لا محاباة عنده، والناس كلهم سواء، فلهذا يبدأ بما يكون من عندهم. فقال: «وإن أول دم أضع من دمائنا» -أي بني هاشم- «دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل»، كان ابن لربيعة بن الحارث، وهو ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، أي ربيعة، كان له ابن يسترضع عند بني سعد في باديات بني سعد، مثل ما استرضع النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلته هذيل، فهذا يقول نبي صلى الله عليه وسلم: هذا خلاص موضوع، لا يجوز، لا حق أن يطالب فيه. قال: «وإن رب الجاهلية موضوع، وأول رب أضعه من ربانا رب العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أعظم الأشياء التي يكون فيها الحمية الجاهلية: الدماء والأموال، فلهذا ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، معنى أنه حتى لا تثار في الإسلام، لا يأتي إنسان ويثير مثل هذه الأشياء في الإسلام، وقد حصل هذا الأمر في الجاهلية، والناس كلهم كفار، فلهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطالب أحد بدمه، أو كذلك بماله مما حصل في الجاهلية. قال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»، أنا بالعقل، «ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح»، أنا غير شديد، حتى لا يكسروا عظما، ولا ينتتن لحم. قال: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. «وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟». قال: ذكر لهم نبي صلى الله عليه وسلم الأشياء العظيمة، وأوصاهم بالنساء، لأن حق النساء في الجاهلية ضائع، أنا كان أهل الجاهلية لا يعطون النساء حقهن من الميراث، وكذلك أيضا المرأة عندهم كالعبد، ليس لها مشاورة، ولا لها اعتبار، وخاصة قريش، بخلاف الأنصار، ولهذا لما ذكرنا قبل قول عمر رضي الله عنه: «كنا نغلب نساءنا، فلما جئنا إلى المدينة كانت نساؤهم تغلبهم، فتعلم نساؤنا من نسائهم». والمراد أن المرأة في الجاهلية ما كان لها ذاك الاعتبار، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استوصوا بالنساء خيرا». قال: ثم ذكر أعظم ما ينبغي أن يكون عليه العبد في هذه الدنيا، وهو التمسك بكتاب الله جل وعلا. «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به»، أنا إذا أردتم الهداية، وأردتم عدم الضلال، فاعتصموا بكتاب الله. قال: «وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت». وقال بأصبعه السبابة، أنا رفع أصبعه يرفعها إلى السماء، وينكثها، وجاء في رواية: وينكبها إلى الناس، وأنا يقول هكذا: «اللهم فاشهد، اللهم فاشهد». قال: اللهم اشهد ثلاث مرات. قال: ثم أذن، فأقام فصل الظهر، ثم أقام فصل العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، موقف عرفة. فالآن الشيخ هنا أراد أن يتكلم على بعض الفوائد في هذا الحديث، وأكثر شيء ما يتعلق بالموضوع: موضوع التشبه بالكفار. فقال رحمه الله: فقال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، وهذا يدخل فيه ما كانوا عليه من العادات والعبادات، مثل دعواهم: يا لفلان، ويا لفلان، ومثل عيادهم، وغير ذلك من أمورهم. أن يقول الشيخ هنا: أن قوله: «كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع»، ليس هناك شيء من أمر الجاهلية له أهمية، بل كل شيء إذا لم يكن من الإسلام فهو باطل، وأيضا لا يجوز لحد أن يفعله الإسلام، هذا معنى الكلام، وهذا فيه تحريم أخذ العادات والعبادات التي كان عليها أهل الجاهلية. قال: ثم خص بعد ذلك الدماء والأموال التي كانت تستباح باعتقادات جاهلية، من الربع الذي كان فيه ذمة من أقوام، ومن قتيل قتل في الجاهلية قبل إسلام القاتل وعهده، أو قبل إسلام المقتول وعهده، إما لتقصيصها بالذكر بعد العام، وإما لأن هذا الإسقاط لأمور معينة يعتقد أنها حقوق، لا للسنن العام لهم، فلا في الأول كما لم تدخل الديون التي ثبتت في بيع صحيح أو قرض ونحو ذلك. معنى الأموال: ما كان حراما من الربع وغيره، فهذا ليس باطلا، ولا يجوز لأحد أن يطالب به. قالوا: لا يدخل في هذا اللفظ ما كانوا عليه في الجاهلية وأقره الله في الإسلام، كالمناسك، وكدية المقتول بمئة. المناسك: أي مناسك الحج، كانوا يذهبون إلى عرفة، وكذلك يجلسون في مزدلفة، ومنا إلا من كان من أهل قريش، فإنهم لا يخرجون من الحرم، وهم الحمس، ولهذا لما رأى المغيرة بن شعبة جبير بن مطعم النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة، استنكر الأمر، قال: كيف هذا من الحمس وهو بعرفة؟ لأن الحمس هؤلاء هم أهل الحرم، لا يخرجون إلى الحل، لا يخرجون إلى عرفة، معناه هذا اختراع من عندهم، لم يشرعه الله عز وجل لهم، ولهذا خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف إلى عرفة. قال: فكل ما كان من المناسك وافقا لهدي الإسلام، فهذا لا يدخل في هذا الحديث، وأيضا الأشياء التي أقرها الإسلام، كدية المقتول بمئة، أي مئة من الإبل، مثل ما جاء في قصة أبي طالب، قال: وأوقي القسامة، ونحو ذلك، أيضا القسامة التي جاءت في قصة أبي طالب، قال: لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: أي ما كان جهلا، ما كان عليه مما لم يقره الإسلام، فيدخل في ذلك ما كان عليه، وإن لم ينهى في الإسلام عنه بعينه. قالوا: أيضا ما رواه داود والنسائي وابن ماجة، من حديث عياش بن عباس، عياش بن عباس القتباني المصري، عن أبي الحصين، وهو الهيثم بن شفيق، ما ذكر. قال: خرجت أنا وصاحب لي يكن أبا عامر، رجل من المعافر، لنصلي بإيليا -إيليا: معنى فلسطين، معنى بيت المقدس، يريدون بيت المقدس- قال: وكان قاصهم رجل من الأزد، يقال له ريحانة، من الصحابة. قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته، فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا، معنى القصص التي يأتي بهم عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يحدثهم هذا ريحانة، هو من الصحابة، يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أزدي، وكان يسكن بيت المقدس، وكان قاصهم -قاصهم: معنى يذكر، يعظهم، القصاص أو القصاص في زمن الصحابة، المراد بهم الوعاظ- ثم عرف هذا المصطلح على من يقص فقط، يأتي بالقصص، وانتشرت في زمن أتباع التابعين أكثر. قال: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته، فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا. قال: سمعته يقول: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشر: عن الوشر والوشم والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه مكامعة» -معنا: دخول الرجل مع الرجل في ثوب واحد بغير شعار، أي بغير ثياب بينهما، وكذلك المرأة- قالوا: عن النهبة أو النهبة، وركوب النمور والظهر -ركوب النمور: أراد جلود النمور، لأنها زينة عجم- كما جاء النهي عنها في حديث المقداد بن معد يكرب، حديث معاوية. قال: «ولبوس القاتم إلا لذي سلطان». وفي رواية بريحان: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال». هذا حديث محفوظ من حديث عياش بن عباس، ورواه عنه المفضل بن فضالة، وحيوة بن شريح، ويحيى بن أيوب، وكلهم منهم ثقة. وهنا أراد المؤلف أن يذكر حال رجال الحديث. قال: وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال عياش بن عباس: وقال أبو حاتم: صالح. وأبو الحصين: الهيثم بن شفيق، قال الدارقطني: شفيق بفتح الشين وتخفيف الفاء، شفيق: معنا ليس بتشديدها شفيق، وإنما شفيق. وأكثر المحدثين يقول: شفيق، وهو غلط، معنا بضم الشين. ولعله ذكر ذلك الإمام الخطابي. وأبو عامر الحجري: فشيخاني قد روى عن كل واحد منهما أكثر من واحد، وهما من الشيوخ القدماء. والظاهر أن فيه جهالة. أي هذا أبو الحصين. طيب إن شاء الله تعالى نذكر بقية الكلام في درس لاحق.