الخطبة بعنوان فلا تظلموا فيهن أنفسكم، والتي كانت بجامع نجد بمنطقة االعيون 12 رجب 1444هـ الموافق 3 فبراير 2023م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع آيات وأحاديث تبين أن السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ويذكر حديث حجة الوداع الذي أكد حرمة الدماء والأموال والأعراض في هذه الأشهر. ويبين أن الظلم يزداد تحريماً في الأشهر الحرم ومنها شهر رجب تحديداً.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن تقسيم الظلم إلى ثلاثة أنواع: ظلم لا يغفره الله وهو الشرك، وظلم يغفره الله وهو ذنوب العبد مع ربه، وظلم لا يتركه الله وهو ظلم العباد بعضهم لبعض. ويؤكد أن الشرك هو أعظم الظلم وأشدها مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال الصحابة.
يركز المقطع على ظلم النفس بالمعاصي وظلم العباد بحقوقهم، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين الحساب والاقتصاص يوم القيامة. ويحذر من مصير المفلس الذي ضاعت حسناته في مظالم الناس داعياً للمبادرة بالتوبة ورد الحقوق لا سيما في الأشهر الحرم.
يتضمن المقطع دعاءً جامعاً يطلب فيه المغفرة والستر والعافية للمبتلى، والشفاء للمريض والجريح، والرحمة للموتى. ويختتم بطلب تحسين الأحوال، ورخص الأسعار، وكثرة الأمطار، والبركة في الأعمار والأزواج والأولاد والأموال، والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ربنا جل في علاه وهو أصدق القائلين: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع يوم النحر، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات، وواحد فرد. المتواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، والفرد: رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أي يوم هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس اليوم الحرام؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فأي شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس الشهر الحرام؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فأي بلد هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس البلد الحرام؟» يعني مكة. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». ثم كان عليه الصلاة والسلام يشير بأصبعه إلى الناس، قال: «اللهم هل بلغت؟» فيشيرون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء، قال: «اللهم اشهد». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». أيها المسلمون، عباد الله، هذه الأشهر الحرم التي نعيش نحن اليوم أحدها، ألا وهو شهر رجب، شهر رجب الحرام. وقد كانت العرب في جاهليتهم التي كانوا يعبدون فيها الأصنام، ويشربون الخمور، ويلعبون القمار، ويأكلون الحرام، ويأدون البنات، إلى غير ذلك، إلا أنهم كانوا يعظمون هذه الأشهر، فيعظمون القتل والقتال فيها. فلما جاء الإسلام ما زادها إلا تعظيماً وتحريماً، كما قال ربنا عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. ولهذا، أيها المسلمون، عباد الله، فإن الظلم بأنواعه وصوره محرم في جميع الأوقات وفي جميع الأزمان، إلا أنه في هذه الأشهر الحرم يزداد حرمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «يقول الله تعالى: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا». الظلم، أيها المسلمون، عباد الله، الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظلمات يوم القيامة: «الظلم ظلمات يوم القيامة». وحقيقة الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه المناسب، الظلم هو عدم أداء الحقوق إلى أهلها ومجاوزة الحدود. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، وقد جاء في حديث أنس وغيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله». ثم ذكر عليه الصلاة والسلام أن الظلم الذي لا يغفره الله هو ما يتعلق بحق الله عز وجل على خلقه وعبيده، ألا وهو الشرك بالله عز وجل. وأما الظلم الذي يغفره الله فهو الظلم الذي يكون فيما بين العبد وربه عز وجل، كأن يقع في بعض المعاصي والذنوب. وأما الظلم الذي لا يتركه الله فهو الظلم الذي يقع بين العباد، بين الناس. أيها المسلمون، عباد الله، ولهذا ينبغي أن نعلم أن أعظم أنواع الظلم وأشدها وأقبحها هو الشرك بالله عز وجل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ويقول ربنا عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. في الصحيحين عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: وأينا لا يظلم نفسه؟ فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: «ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، الظلم هو الشرك». فيوم أن يدعو العبد غير الله عز وجل، يدعو ضريحًا أو يدعو ميتًا، أو يتعلق بشجر أو حجر أو خيط، أو أن يأتي السحرة والعرافين والكهنة والمشعوذين ويصدقهم في ذلك، إن هذا لأعظم الظلم الذي هو الشرك بالله عز وجل، وهذا لا يغفره الله لمن مات ولم يتب إلى الله عز وجل منه. أيها المسلمون، عباد الله، فلهذا الواجب هو الحذر من التعلق بغير الله عز وجل والإخلال في عبادة الله سبحانه بفعل الشركيات. فنسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يثبتنا على هذا الدين حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي هدى الله به من الضلالة، وبصر به من العمى، تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، والنوع الثاني من أنواع الظلم، ألا وهو ظلم يغفره الله، أي إذا شاء غفره، وإذا شاء عذب صاحبه في النار، ألا وهو ظلم العبد لنفسه، ظلم العبد لنفسه بأن يقع في المحرمات ويقترف من الذنوب والسيئات. فربنا عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وربنا عز وجل يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فيا أيها المسلمون، إن العبد يوم أن يقع في الخطايا والسيئات يعتبر ظالمًا لنفسه، يعرضها لغضب الجبار ولعذاب النار. ألا فليرحم كل منا نفسه، وليشفق على نفسه. فربنا عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وأما النوع الثالث من أنواع الظلم فهو ظلم لا يتركه الله عز وجل، أي أنه مبني على المشاحة لا على المسامحة. جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يُحشر الناس» وفي رواية: «يُحشر العباد عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا». قال: «فيقول - فيناديهم الله عز وجل بصوتٍ يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب - فيقول: أنا الديان، أنا الملك، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النار وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلَمَةٍ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مَظْلَمَةٌ». قال: «حتى يقتص منه، حتى اللطمة، حتى اللطمة». فربنا عز وجل يقيم العدل بين العباد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء». شياه، لربما تتناطح في حوش وتتعارك في زرب، فتنطح بعضها بعضًا. انظروا يا عباد الله إلى عدل الله عز وجل، وإذا الوحوش حُشرت، يبعثها الله عز وجل ثم يجعل المنطوحة تقتص من الناطحة، ثم يقول لهما: كوني ترابًا. يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، ويقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان عنده لأخيه من حق، من عرض أو مال أو شيء، فليتحلل منه اليوم، فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات أو السيئات». ظلمت شخصاً اليوم، فرصة تتحلل منه. أخذت مالاً، أعد المال إليه. تكلمت فيه واغتبته في مجلس، ثم اليوم يمكن المسامحة، لكن يوم القيامة ما هي إلا حسنات أو سيئات. وهكذا من ضرب واعتدى. قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم عنده ولا متاع. قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة» - انظروا أعمال عظيمة وأجورها جزيلة - لكن المصيبة: «قال: ولكن يأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، قال: فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، قال: فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم يؤمر به إلى النار». فلا إله إلا الله، يا عباد الله، ما أعظم الظلم وما أشد عواقبه الوخيمة، ولا سيما ونحن في هذه الأشهر الحرم التي عظمها ربنا عز وجل وعظمها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأسأل المولى عز وجل أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتوفانا مسلمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وعاف مبتلانا، واشف مريضنا وجريحنا. اللهم ارحم موتانا وموت المسلمين، اللهم ارحم موتانا وموت المسلمين. اللهم حسن أحوالنا، وأرخص أسعارنا، وأغزر أمطارنا، وبارك لنا في أعمارنا وأزواجنا وأولادنا وأموالنا، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.