شرح كتاب التوحيد 102

شرح كتاب التوحيد 102

الدرس في شرح كتاب التوحيد 102، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية وهداية النبي لعمه أبي طالب

شرح المؤلف رحمه الله تعالى قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ مستدلاً بحديث أبي طالب عند وفاته. يبين المقطع حرص النبي على إسلام عمه وتكرار دعوته له رغم محاولات أبي جهل ثنيه عن ذلك.

حقيقة إمان أبي طالب وموقف النبي منه والرد على الرافضة

المقطع يبين أن أبا طالب مات على الكفر ولم ينطق بالشهادتين، ويرد على من زعم إسلامه مثل الرافضة. يشرح أن الاستغفار للمشركين لا يجوز بنص القرآن.

الرد على من يزعم أن النبي يملك هداية القلوب

قصة أبي طالب تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع هداية عمه رغم حرصه، مما يدل على أن هداية القلوب بيد الله وحده. يحذر من اعتقاد أن أحداً من الخلق يملك ذلك.

ختام الدرس وتأكيد العلم الإلهي

تم اختتام الدرس بنهاية مناسبة مع التعبير عن العلم الإلهي والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يؤكد على ما سبق من دروس وعبر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، لازلنا في هذا الباب من أبواب كتاب التوحيد، والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب قول الله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، ثم شرع المؤلف رحمه الله تعالى بذكر دليل الباب، وما جاء في الصحيحين من حديث المسيّب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده عبد الله بن أمية وأبو جهل، فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاج لك بها عند الله، فقال له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ إلى هنا كان حديثنا في درس أمس، وأشرنا إلى المسائل والفوائد المستفادة مما سبق. ثم قال الراوي: قال فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، أي أن النبي لما رأى أن أبا جهل عاود وكاد أن يثبت أبا طالب عن الإسلام أترغب عن ملة عبد المطلب، كرر نبينا العبارة: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاج لك بها عند الله. وتكراره عليه الصلاة والسلام فيه تسلية لما ينبغي عليه الدعاء، وما عليه أهل الصلاح والإصلاح، في أن الداعي والمصلح لربما يجد في مجتمعه وسائل الفساد قد طمت وعمت وكثرت، بل وأثرت، لكن ليس هذا معنى بالضرورة أنك تلقي بزمام الدعوة وتنسحب وتستسلم وترجع القهقرة، لا يا عبد الله، بل امضي قدماً كما فعل نبيك صلى الله عليه وسلم عندما جوبها بهؤلاء أعاد، أعاد، أعاد الكره: يا عم، قل لا إله إلا الله. فدل ذلك على أن الداعي لا يأس ولو جوبها بالفساد مع كثرته ومع تأثيره. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: يا عم، للمرة الثانية، فيه الحرص من نبينا على إسلام أبي طالب. قال العلماء: وذلك يعود لأمرين اثنين، لماذا اهتم نبينا الاهتمام البالغ في إسلام عمه؟ قال العلماء: أولاً لقرابته، فهم من أقرب الناس إليه، والأقربون كما يقال أولى بكل معروف، وأعظم معروف تزديهم إليه أنك تهديهم إلى الطريق المستقيم. والأمر الثاني من عناية نبينا لأبي طالب لما كان من موقف أبي طالب من رسول الله، إذ أنه دافع ونافح وكان سداً منيعاً أمام الكفار في أن لا يعتدوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن قرأ السيرة وتتبعها يعلم ذلك، يعلم أن أبا طالب بذل الكثير، نعم بذل الكثير من جاهه ومن منصبه في أن يكف أياد الغدر والعدوان على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنبينا ما نسى هذا الجميل، ما نسى هذا الجميل من عمه، ولهذا كان حريصاً على هدايته: يا عم، قل لا إله إلا الله، يكررها عليه، يكررها عليه. ثم قال الراوي: قال فأعاد عليه، لكن أبو جهل كان كذلك بالمرصاد، فكلما قال نبينا: يا عم، قل لا إله إلا الله، كان أبو جهل يلقى أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ يزرع في قلبه الحمية والنزعة الذي هم قد ألفوها، العصبية المقيتة والتي تغلغلت في أنفسهم منذ نعومة أظفارهم حتى شبوا عليها، فأقول: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وفي ذلك إشارة إلى أن أعداء الدين كذلك هم مستمسكين بباطلهم، ينفقون الأموال، يبذلون الأرواح، لربما يقاتلون هذا كافر مشرك، يبذل ماله ويبذل كذلك روحه، فضلاً عن وقته في سبيل الصد عن سبيل الله. بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا، مكر الليل والنهار، تفسيره عند المفسرين: أي أن مكركم بالليل ومكركم بالنهار، هذا مكر الكفار، إذن ما الذي بقي من الراحة؟ ما عنده وقت للراحة، الكافر ما عنده وقت للراحة، يمكر لهذا الدين صباح مساء، ليل نهار، بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله. فدل على أن أهل الباطل لا يفترون في صد الناس، إذا كان هذا المبطل فما ظنك بالصادق المحب لهذا الدين؟ فعليه كذلك أن يبذل من وقته وماله، بل وروحه في سبيل نشر الإسلام، وهكذا بث تعاليمه بين الأنام. ثم قال الراوي: فكان آخر ما قال، أي من الذي جلح إليه أبو طالب وهو يسمع هذا الحوار من ابن أخيه من رسول الله: قل لا إله إلا الله، ومن صاحبه وزميله أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فحينها قطع أبو طالب هذا الحوار بقوله، كما قال الراوي: فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. الأصل أنه قال: أنا على ملة عبد المطلب، إلا أن الراوي استقبح استقبح أن ينقل هذه اللفظة: أنا على ملة عبد المطلب، فأحال الضمير إليه، قال: هو على ملة عبد المطلب، ثم قال: وأبى أن يقول لا إله إلا الله، أي أن أبى طالب مات على الكفر، فأبى أن يقول لا إله إلا الله، تأكيد من الراوي، فما نطق بالإسلام وما نطق بشهادة التوحيد، إذن هو في عداد الكفار وفي عداد المشركين، وهذا واضح بين. ومن هنا يا عبد الله تعلم غلط وخطأ من قال على خلاف ذلك ممن يزعم أن أبى طالب أسلم، مثل الرافضة الروافض في كتبهم يأبون هذا، يقول: لا، أبو طالب من عداد المسلمين وأنه نطق بالإسلام. وأما حديث الشفاعة في أن النبي شفع لعمه كذب، لماذا يشفع؟ هل هو في النار؟ لا، أبو طالب في الجنة، هم يرون هذا ويعتقدون هذا، يأتون إلى الكفار ويجعلونهم من مصافي أهل الجنة، وأتون إلى خيرة أصحاب رسول الله كأبي بكر وعمر ويجعلونهم في النار، طمس الله على بصائرهم. فالرافضة يرون هذا أن أبو طالب أسلم، كذلك من بعض أهل البدع من يرى أن أبو طالب قد دخل في الإسلام، كما ذكر ذلك صاحب كتاب «أسنى المطالب في إسلام أبي طالب»، أسنى المطالب في إسلام أبي طالب، كمن دحلان ألف هذا الكتاب، وهو كتاب الباطل، مك أسلم أبو طالب تشحن للكتاب بقصص مكذوبة ومرويات متهافدة، ثم تعلل على أن أبو طالب من آل بيت رسول الله وأنه مات على الإسلام، لا، أبى أن يقول لا إله إلا الله، فهو كافر. كذلك من هؤلاء المسعودي من أهل معدود من المؤرخين، نعم يذكر أن أبو طالب أسلم، وهذا كذب، وهذا كذب، بل قلق الحافظ بن حجر عن المسعودي هذا أن فيه نزع شيعية اعتزالية، فلا يعتمد عليه ولا يركن عليه، فتنبه يا عبد الله لمن أمثال هؤلاء ممن يدندل حول هذه المسألة على أن أبو طالب أسلم، أبو طالب مات على الكفر، مات على الشرك كما ثبت ذلك في الصحيحين. قال الراوي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنهى عن ذا عنك، لما رأى نبينا أن عمه مات على الكفر، لا زال يطمع، لا زال يطمع في أن الله يغفر له، قال: لأستغفرن لك، في رواية مسلم: والله، والله لأستغفرن لك، أكد عمله وفعله بثلاث مؤكدات، بالقسم، باللام المؤكدة، وبنون التوكيد، والله لأستغفرن لك، سيستغفر لعمه ما لم ينهى عن ذلك، كل ذلك حباً وحرصاً في أن عمه يشاركه النعيم، يشاركه النعيم. قال الراوي: فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، نزلت هذه الآية: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، ما كان أي ما ينبغي، قال العلماء: هذه الآية جاءت على سياق الخبر والمراد منه الأمر والنهي، أي ما كان ولا يكون هذا تستغفر لمشرك، ما المشرك ليس محل الاستغفار، وهذا أفتى العلماء لنص القرآن والسنة على عدم جواز الاستغفار أو الترحم للكفار، ما يجوز أن تستغفر أو أن تترحم، تقدم التعازي الحارة للباب فلان كما وقع، أو أنك تعزي الأمة النصرانية على موت فقيد من فقادائها، لا، لا تعزي أحد، لا تعزي الكافر في موت أحد من الكفر الفجرة، خالوا لا، لا غفران لهم ولا رحمة لهم خلقوا. قال: ألم تذكر في درس أمس لا بأس أننا من باب حسن المعاملة أن نعود مرضاه، نعم فرق، إذا كان الكافر مريض زره لأنه حي، لأنه حي ونرجو في حياته أن يسلم، علّ وعسى، لكن إذا مات على الكفر ما الذي نرجوه؟ ما الذي نرجوه منه وقد مات على الكفر؟ لا رجاء من مات، مات وقد أفضى إلى ما قدم، لكن في حياته لا نحسن التعامل معه، علّ وعسى، فالشاهد أن الاستغفار للمشركين لا يجوز، على هذا نص القرآن. قال: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، فقال علماء: فإذا كان هذا النهي عن الدعاء والاستغفار لا يجوز، فما ظنك بالولاء؟ ما ظنك بمواداتهم ومحبتهم؟ هذا من باب أعظم وأشد وأنكاء، لا يجوز موالاة الكافر وإظهار محبتنا له، وإنما أمرنا ببغضه لما فيه من نجاسة الشرك. وكذلك من الفائدة قال علماء: أن أبا طالب مات ونبينا صلى الله عليه وسلم قد بلغ تسعة وأربعين سنة وثمانية أشهر، مات أبو طالب ورسول الله قد بلغ تسعة وأربعين سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً، وما إن مات أبو طالب حتى ماتت خديجة بعده بأيام، كما هذا مذكور في كتب السنة والسيرة. قال: ثم وأنزل الله عز وجل، ومن باب الفائدة قال الحافظ بن حجر: أن هذه الآية ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، قال الحافظ بن حجر: أن هذه الآية نزلت بعد موت أبي طالب بمدة، قال: فهي تحمل على الحكم في عدم استغفار المسلم لأبي طالب ولغيره، فالآية عامة في جميع المشركين أن لا يستغفر لهم، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾. قال: ثم قال: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، أي هذه الآية التي بوّب عليها المؤلف رحمه الله نزلت في قصة أبي طالب، قال: وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. وهنا مسألة إخواني في الله، وهي مربط الفرس في إيراد هذه القصة في كتاب التوحيد، وهو أن أبا طالب مع ما كان من حرص نبينا على هدايته، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما استطاع لذلك سبيلاً. فلو أن النبي كما يدعي من يدعي لو أن النبي فيه كما يدعي من يدعي أنه يهدي القلوب ويفرّج الكروب ويغفر الذنوب لأعطاها لعمه، لو أن النبي يهدي القلوب ويفرّج الكروب ويغفر الذنوب لأعطاها لعمه، ومع ذلك لا أعطاه لهذا، ولذا فما هدى قلبه وما غفر ذنبه وما فرج كربه، لماذا؟ لأن هذه الأمور ليست بيده، وإنما بيد من؟ بيد ربه سبحانه وتعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، إذا كان هذا في حق رسول الله فما ظنك بمن دونه؟ فالكل على هذا المثيل، أحد يملك ذلك؟ ومن زعم أن أحد من خلق الله يهدي القلوب ويفرج الكروب ويغفر الذنوب فقد كفر، فقد كفر. وللأسف هذه المعتقدات موجودة عند بعض الناس، منهم قد يلمح منهم لا يصرح بأن فلان وفلان من الأقطاب والأوتاد والأولياء عندهم من هذا، هذا كفر، هذا نبيك صلى الله عليه وسلم وهو حريص على عمه، عم من عم الذي نافح ودافع وكافح، ومع ذلك ما استطاع، بل نهاه ربه عن ذلك: ﴿ما كان للنبي أن يستغفر﴾، ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾، ما كان ينبغي لك يا محمد أن تفعل ذلك، وهذا هو المراد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لعمه شيئاً، فما ظنك بمن دونه؟ مسألة أخيرة أختمي هذا المقام، وهو قد يكون إشكال عند بعض الناس، ألا وهي في قوله عز وجل: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، أي عمك، هل معناه أن النبي كان يحب عمه مع أن عمه كان على الكفر والشرك؟ وقد ذكرنا في باب الولاء والبراء أن الكافر لا يحب أصلا، ما نحب الكافر ولا نوادهم ولا نواليهم، فكيف الآية تثبت أن النبي كان يحب عمه؟ حتى وجد بعض من يأتي ويقول: نعم، أنا أحب اليهود، أنا أحب اليهود، قد يستدل بهذه الآية، يقول: إن النبي أثبت له القرآن أن النبي أحب عمه. هل النبي كان يحب عمه الكافر؟ للعلماء في هذه الآية ثلاثة توجيهات، افهمها يا عبد الله. إما أن هذه الآية كانت قبل نزول آيات الولاء والبراء، قبل أن يعلم نبينا بالحكم، ثم جاء النسق بأن الكفار لا يحبون، ونزلت آيات الولاء والبراء بعد ذلك في العهد المدني، هذا قول وجيه. أو أن المراد من الآية: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، أي المحبة الطبيعية، هذا أمر لا أحد يملكه، المحبة الطبيعية هذه كامنة في النفوس والضمائر، لو أنك يا عبد الله مسلم وابتلاك الله بأبوين كافرين، هل يحبون يحبون؟ نعم يحبون، المحبة الطبيعية الفطرية، ابن يحب أباه، لا شك يحب أمه، هذا محبة فطرية، أخ مع أخيه، أخوك كافر، هل تحبه؟ محبة طبيعية، نعم موجودة في النفوس، ما أحد يدافع عن هذا، فنبينا يحب عمه محبة طبيعية، محبة القرابة والرحمة، أما المحبة الشرعية لا، ما أحبه، هذا التفسير الثاني. أي: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، محبته محبة طبيعية. الصورة الثالثة، المحملة الثالثة التأويل: أن الآية تكون: ﴿إنك لا تهدي من أحببت هدايته﴾، ولكن الله يهدي من يشاء، فالآية ليس فيها إثبات أن النبي أحب عمه، وإنما أحب هداية عمه، فرق، فرق بين هذا وبين ذاك، فرق بين أني أحب فلان وبين أني أحب هداية فلان، فالمحبة تكون في الهداية، لا تكون للذوات، وهذا التفسير الثالث. فإذا فهمت هذه التفاسير لهذه الآية، تعلم غلط من يتبجح أحياناً ويقول: أنا أحب اليهود، أنا أحب النصارى، لا يا عبد الله، من أحب قوماً فهو منهم، كما قال عليه الصلاة والسلام. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.