الدرس في شرح كتاب التوحيد 103، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يشرح أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي لكفر بني آدم وتركهم دينهم، ويعتبر هذا الباب إجابة على سؤال حول سبب وقوع الناس في الشرك والكفر. الغلو يعني مجاوزة الحد في التعظيم.
الغلو يعني مجاوزة الحد في التعظيم، سواء في القول أو الفعل أو الاعتقاد، وقد ذهب العلماء إلى تفسيره بالإفراط في تعظيم المخلوقين، خاصة الصالحين، مما يؤدي إلى تجاوز الحد المقرر لهم. الصالحون هم من أدوا حق الله وحق عباده.
يشرح المؤلف كيف أن الغلو في الصالحين يؤدي إلى الكفر والشرك، حيث يعتقد الناس فيهم ما يجب أن يعتقد في الله وحده، مثل إغاثة الملهوف وتقديم المدد، ويبين أن هذا الغلو هو سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم.
المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر المقطع التوجه الديني والالتزام بالعقيدة الإسلامية. يُنهي المقطع بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. هذا تبويب جديد لكتاب التوحيد، بواب عليه المؤلف رحمه الله، فقال: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. ومناسبة ذكر هذا الباب، إخواني في الله، بعد تلكم الأبواب التي سبقت وسلفت وخلت في بيان أن ما قد مضى هي من الأصول والعقائد، ما مضى يعد من الأصول والعقائد، وهنا سيأتي في ذكر الأسباب والوسائل بذكر الأسباب والوسائل المفضية إلى الشرك والكفر. وكذلك من مناسبة هذا الباب هو رفع للإشكال الذي لربما يقدح في الأذهان، إذا تساءل الناس مثلاً بعد إضاح دلالة التوحيد، وأن الله جل في علاه والذي يعبد لا سواه، قد يقول قائل: وما الذي أوقع الناس في براثن الشرك؟ وما الذي أوقع الناس في هذه المحظورات؟ الجواب: الغلو في الصالحين. وكأن هذا الباب هو في الحقيقة إجابة إلى سؤال، إجابة على سؤال قد يكون في الأذهان، هذا ما يتعلق بمعنى الباب بشكل عام. فقوله رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب السبب هو كل ما يتوصل به إلى غيره، كل ما يتوصل به إلى غيره يُقال هذا سبب. لو أراد إنسان ما وظيفة، قل له: يا عبد الله، خذ بالأسباب. ما معنى الأسباب؟ أي خذ بالطرق الموصلة إلى الوظيفة. وكل من اجتهد وطلب وأراد أمرا، قل له: يا عبد الله، خذ بالأسباب. أراد العافية، قل له: خذ بالسبب الذي يجلب لك العافية. فالسبب، إخواني في الله، هو كل ما يوصل إلى غيره، هذا يسمى سبب. هذا طبعا باللغة العربية، وعند الأصوليين له معنى آخر. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وهذا الذي له علاقة بكتاب التوحيد. المؤلف رحمه الله تعالى سيذكر لنا سببا، بل هو من أعظم الأسباب التي أوقعت الناس في الكفر بل والردة. قال في الكفر وتركهم فرك الدين ردة، فسيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب ما هو السبب الذي أوقع الناس في الكفر وأوقعهم في الردة، جعل من كان كافرا يستمر على كفره، وجعل من كان بالأمس مسلما يرتد. هذا الباب وفي قوله في كفر بني آدم إشارة إلى أن الكلام على الإجمال، فلا يتحدث عن طائفة من الناس، بل يتحدث عن كل آدمي، وهذا صحيح. سيأتي معنى في نصوص الشرع على أن هذا السبب هو الذي عمت به البلوى لدى الأمم، عمت به البلوى لدى الأمم والحضارات والشعوب، أنهم وقعوا في براثن الشرك بسبب هذا الداء العضال. قال رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو. هذا هو الداء، هذا هو المرض، الغلو. هذا الذي أوقع الناس في الشرك. ما هو الغلو؟ الغلو في لغة العرب بمعنى مجاوزة الحد، الأمر إذا تجاوز حده يقال عنه غلاء. مثال في باب الأسعار، يقال: هذه السلعة غالية، أي غلا سعرها تجاوز الحد المعقول. أو يقال: عندنا غلاء في المجتمع، غلاء في البضاعة، غلاء بمعنى أن أسعارها فاقت، تجاوزت القدر الذي ينبغي أن تكون عليه. فهذا معنى الغلو في لغة العرب، هو مجاوزة الحد. فكل من تجاوز حده فقد وقع في الغلو، كل من تجاوز حده. فما من أحد إلا وله حد، ما من شيء إلا وله حد يسير عليه. فكونك تتجاوز هذا الحد، فأنت يا عبد الله وقعت في الغلو. ولهذا ذهب جماعة من العلماء إلى تفسير الغلو بأنه هو الإفراط بالتعظيم بالقولي والفعلي والاعتقاد، الإفراط زيادة بالتعظيم. وهذا الزيادة في تعظيمك يظهر إما في اعتقادك أو بقولك أو بفعلك، هذا منك غلو إذا تجاوزت الحد في هذا في مخلوق ما. الإفراط بالتعظيم إذا زدت في تعظيمك لأحد ما، وكان تعظيمك وإفراطك بالتعظيم ظهر على فلتات لسانك أو كان في ضمائرك وفي قلبك وفي جوانح صدرك، أو ما كان بين سلوكك ومعاملاتك. فإذا ظهر التعظيم الزائد في قولك وفعلك واعتقادك، فقد وقعت في الغلو. فالغلو عند العلماء هو الإفراط بالتعظيم بالقولي والفعلي والاعتقاد. قالوا: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وهنا كمل عندي العنوان، وفهم المراد: الغلو في الصالحين، أنك يا عبد الله تتجاوز الحد في أهل الصلاح. من الصالح؟ الصالح هو الذي قام فيه اسم الصلاح، هذا قالوا عنه صالح، الذي توفرت فيه صفة الصلاح. يقال عنه صالح. ومن الصالح للعلماء، للعلماء في هذا الباب عدة تعاريف، من أشهرها وأحسنها وأيسرها أن تفهم أن الصالح هو كل من أدى حق الله وحق عباده، كل من أدى حق الله وأدى حق عباده، هذا يعد ماذا؟ إنسانا صالحا. في حق الله مؤدي ما بينه وبين الله، وكذلك في تعامله مع الناس، عاملهم بأكمل المعاملات وأحسنها. وكذلك فكان هذا يعد من الصالحين. فهذا الإسم يدخل فيه الأنبياء، ويدخل فيه الرسل، ويدخل فيه الأولياء، ويدخل فيه العلماء، وكل من توفرت فيه هذه الصفة، فهؤلاء أهل الصلاح، هؤلاء هم أهل الصلاح. طيب إذا علمنا هذا، الصالح ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن مشكلة الناس أنهم يكنون للصالحين الغلو، مجاوزة الحد. طيب إذن علينا أن نعلم ما هو الحد المقرر للصالح، وبعد ذلك نعلم ما هو المجاوزة فيه. لأن كما قلنا: ما من كائن إلا وله حد. فالصالح هو نعم بشر، خلق من خلق الله، لكن الله متعه بصفة الصلاح. فلوجود هذه الصفة تكون له ميزة. فالصالح له قدر عندنا، فمن قدر الصالحين في نفوس أهل الإيمان والإسلام: الإجلال والإعظام والإحترام والمحبة والتوقير والتقدير. هذا ينبغي تقتدي به، تأتسي به، هذا مقام الصالحين. تحبهم كما قال إمامنا الشافعي: أحب الصالحين وأست منهم، وما قال ذلك إلا تواضعا، حتى رد من رد. تحب الصالحين وأنت منهم. فمحبة الصالحين هذه مكنون في النفوس. رجل الصالح نحبه، نجله، نعطيه حقه الذي يستحق، الإعظام والإجلال لتعظيمه لمقام الله ومقام خلقه، هذا هو حد الصالح. فيؤتسى به، يقتدى به. قد يكون هذا في رجل، قد يكون هذا في مرأة. المرأة قد تكون صالحة، دور الرجل معها إن كان إذا اختار زوجة فليبحث عن الصلاح، عن إمرأة صالحة. الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، وهي التي تؤدي حق الله وتؤدي حق زوجها، هذه تعد صالحة، هذه أنعم بها. فإذا وجد أن أحدا من خلق الله ذكرا كان أو أنثى فرط في أحد الجوانب، لا يعد من الصالحين. فبين المؤلف رحمه الله تعالى أن مشكلة الناس والذي أوقعهم في الكفر والشرك هو الغلو في الصالحين، أنهم تجاوزوا الحد. طيب كيف التجاوز؟ التجاوز مثلا أن تعتقد في الصالح تعتقد في الصالح بالذي تعتقده في الله. قد يقول قائل: هل يفعل هذا أحد؟ نعم، هذه أمم تفعل هذا. أمم من أهل الكتاب من اليهودية والنصرانية، ومن فرق الحادية من البوذية والهندوسية والهندوكية، بل وحتى من ينتمي إلى الأمة الإسلامية، من يعتقد في الصالح بما يعتقده في الله. إذا كان الله يعتقد فيه أنه يضر وينفع، فمن الناس من يظن في الصالحين أنه يضر وينفع من دون الله. ومن اعتقد أن خزائن السماوات والأرض بيد الله، فهو الذي يغيث الملهوف، وهو الذي يجبر الكسير، وهو الذي يغيث الأرض بالأمطار والعيون والسيول. فمن الناس من يعتقد هذا في أوليائهم، بأن فلان من جاء له وانطرح بين يديه وطلب منه المدد، فهو يغيث الملهوف، وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض، يعطي تلكم الأراضي الأمطار والعيون والسيول. هذا موجود. فإذا وجدنا أن صنفا من الناس رفع درجة الصالح حتى يوصله إلى درجة الله، فقد كفر، فقد كفر، لأن هذا لا يليق إلا بالله جل وعلا، هذا في مقام ربوبية. أو يعتقد في الإنسان ما يعتقده في الله في ألوهية الله، كالذي يصوم لله ويستغيث بالله، والذي يعطي لله، وهذا آخر يُعطي ويستغيث ويستنجد بغير الله. يجعل الله جل في علاه ومن سواه في حال واحدة، بل ربما منهم من يعظم الغير أكثر من تعظيمه لله، هذا من أين جاء؟ إخواني في الله، جاء من باب الغلو، الغلو التعظيم الزائد. عندما تأتي إلى الصالح وترفع من قدره فوق منزلته، حينها وقعت في الغلو، هذا الذي يوصلك إلى الكفر، هذا الذي يوصلك إلى الشرك. باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، الغلو إخواني في الله له صورة كثيرة، غلو في العبادات، غلو في المعاملات، غلو في الأفكار والآراء، وهناك غلو في الأشخاص، وهذا الذي يذكره المؤلف، وها هنا اختار هذا النوع، لماذا؟ لأن جل من غلا في دينه وخرج عن ملة كان بسبب الغلو في الصالحين. إما غلو في الملائكة، غلو في الأنبياء، غلو في الرسل، غلو في الأولياء، حتى قال من قال من أهل العلم من أهل السنة: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل. فشاهد إخواني في الله هذا التبويب بهذا المعنى، سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى وسيأتي بذكر الأدلة الدالة على صحة هذا المعنى الذي بواب عليه هذا الباب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.