تذكير الأنام بفضائل شهر رمضان

الخطبة بعنوان تذكير الأنام بفضائل شهر رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 رمضان 1444هـ الموافق 24 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر رمضان وأهمية صيامه

شهر رمضان شهر عظيم تُضاعف فيه الأجور وتزداد الحسنات. فرض الله صيامه على المسلمين وأجمعت الأمة على وجوبه.

فضائل شهر رمضان وتفاصيلها

شهر رمضان له فضائل عديدة منها مغفرة الذنوب ومضاعفة الأجور وشفاعة الصيام والقرآن يوم القيامة. يستجاب الدعاء فيه وتوجد ليلة القدر خير من ألف شهر.

غاية الصيام وتحقيق التقوى

غاية الصيام تحقيق التقوى وليس الامتناع عن الطعام فقط. يجب على الصائم ترك المعاصي وزيادة الأعمال الصالحة وتلاوة القرآن.

خاتمة بالدعاء والصلاة

يُدعى الله بالنفع للمؤمنين والمطر النافع والغيث المغيث. يُصلَّى على النبي محمد وآله وصحبه ويوجّه الناس لإقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها قد أظلنا شهر عظيم مبارك، شهر لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والمصلحين، ونفوس المؤمنين والمسلمين، شهر تضاعف فيه الأجور، وتزداد فيه الحسنات، تتنزل فيه الرحمات، وتقسم فيه الخيرات والبركات، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، إنه شهر رمضان، زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان. شهر افترض الله جل وعلا على أهل الإسلام بصيامه، قال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، كتبًا أي حتمًا ولزمًا، فهو فرض حتم لازم. وقال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس»، وذكر من مباني الإسلام ومن ركائزه العظام «وصوم رمضان»، وقد قام إجماع الأمة على وجوب فرضية الصيام، وأنه يجب على كل مسلم بالغ عاقل أن يتعبد الله وجوبًا بفرضية صيام رمضان. وأن من جحد فرضية الصيام فإنه كافر مرتد خرج من الدين والملة، وأن من أفطر رمضان عامدًا متعمدًا بغير عذر فإنه آثم عاص فاسق، أتى بجريمة وبأعظم جريرة، إذ أنه تطاول على فريضة من فرائض الإسلام، فهو على جرم عظيم وعلى خطر كبير. قال الإمام الذهبي رحمه الله: «ومن أفطر أيامًا من رمضان بلا عذر فإنه شر من الزاني ومن مدمن الخمر». عباد الله، إن الشرع العظيم قد توعد بأشد العقوبات في حق من لم يقم بشهر الصيام. روى ابن خزيمة رحمه الله تعالى من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي وقال لي انطلق، فانطلقت فأتى بي إلى جبل وعر فقال لي اصعد، فقلت إني لا أطيقه، قال: إنا سنسهله لك، قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذ بأصوات شديدة، فقلت لهما: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار». قال: «فانطلقت فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دماء، فقلت لهما: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». إذا كان هذا التنكيل وهذا التعذيب في حق من صام إلا أنه تعجل الفطر، فما ظنك بالذي لا يصوم البتة؟ فإن عذابه أشد وأنكى. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى قد جعل لهذا الشهر العظيم وهذا الموسم الكريم من الفضائل العديدة والمناقب الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى. ففي هذا الشهر قد جعل الله جل وعلا فيه مغفرة الذنوب من أوله إلى آخره، في صبحه ومسائه، سواء من صام نهاره أو من قام ليله. قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فشمر يا عبد الله عن ساعد الجد، واحرص يا عبد الله على أن تتطهر من ذنوبك وأن تتغسل عن عيوبك وأنت في هذا الشهر الكريم. من فضائل هذا الشهر ما كان من مضاعفة الأجور، قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، قال الله: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». ما من عبادة إلا وأجرها معدود محدود إلا الصيام فلا يعلم به إلا علام الغيوب، كما قال بعض السلف: «إن الله لما يجازي أهل الصيام لا يعد لهم عدا وإنما يغرف لهم غرفًا»، «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». ومن فضائل الصيام، عباد الله، أن الصيام يشفع لك عند الله في ذاك اليوم الرهيب وذلكم الموقف العصيب عند الوقوف بين يدي الجليل جل في علاه، حينها لا ينفع مالك ولا جاهك ولا حسبك ولا نسبك، إنما ينفعك عملك، وعلى رأس هذه الأعمال الذي تنفعك يوم القيامة ما كان من شأن صيام رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة»، يقول الصيام: «أي ربي، منعته من الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه»، ويقول القرآن: «منعته من النوم بالليل فشفعني فيه»، قال عليه الصلاة والسلام: «فيشفعان». بشرى لمن كان من أهل الصيام ومن كان من أهل القرآن. وهكذا عباد الله، من فضائل هذا الشهر الفضيل أن الله سبحانه وتعالى فيه يستجيب لدعوة الداعين ويستجيب لدعوة المضطرين. فما لك يا عبد الله في هذا الشهر الكريم إلا أن تمد يديك إلى الله جل في علاه تدعوه بخير الدنيا والآخرة، فإنه حري أن يستجاب لك. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث أبي سعيد الخدري: «إن لله عتقاء في كل ليلة من رمضان، وإن لكل مسلم في كل ليلة دعوة مستجابة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا ترد دعوتهم»، ومنها «دعوة الصائم»، فدعوتك لا ترد يا عبد الله. وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث عبد الله بن عمر بن العاص: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد». فأبشر يا عبد الله بما فيه قرة عين لك بأن تخرج ما في قلبك وما كان من مكنون صدرك، فلتنتج بمناجاة ربك، فالله جل وعلا يستجيب دعوة الداعين، وخاصة في هذا الشهر الفضيل. وهكذا من الفضائل، ولعل من أعظمها وأشرفها أن الله سبحانه وتعالى خص رمضان بوجود ليلة ألا وهي ليلة القدر، الذي قال عنها ربنا جل في علاه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. سبحان الله، ليلة وحيدة لكنها شريفة منيفة، من تعبد الله فيها فكأنما تعبده في ألف شهر، أي أكثر من ثمانين سنة، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى، عباد الله، علمنا شيئًا من فضائل هذا الشهر، وكيف أن الله قد حباه بكثرة الخير والبركة والأجر. وإن المسلم إذا أنعم الله عليه أن يحمد الله جل في علاه أن بلغه لهذا الشهر، ليس بفضلنا وليس بقدرتنا ولا بحسبنا ولا بنسبنا أدركنا هذا الموسم، وإنما هو فضل محض من ربنا جل في علاه. كم من أناس كانوا أشد منا حبًا وأكثر منا طلبًا لحضور هذا الشهر، لكن سبقتهم الآجال، ووافتهم المنية، وقضوا نحبهم، وباغتهم الأجل، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، بينما نحن في هذا الشهر يا عبد الله نتجول ونجوب. فأحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. عباد الله، علينا أن نعلم ونحن في خضم هذا الشهر أن الله سبحانه وتعالى إنما افترض علينا الصيام ليس فقط للإمساك عن الطعام والشراب، وإنما الهدف من ذلك للوصول إلى غاية حميدة وإلى حكم شريفة ألا وهي التقوى جل في علاه. قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، التقوى هو المراد من فرضية الصيام في شهر رمضان، أن نحقق مقام التقوى، فنكون من عباد الله الأتقياء الأصفياء. وإن من المؤسف أن نجد بعض الناس ممن حباهم الله برمضان فلربما ظنوا أن القمة إنما تكمن في الإمساك عن المأكل والمشرب، وهو مع ذلك مقبل على المعاصي والذنوب، معتكف على فعل الحرام وعلى اكتساب الآثام، فتجده مضيعًا للصلاة، مفرطًا في حق والديه، لا يبالي بشرع الله. إن هؤلاء ما فهموا حقيقة الصيام، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فينبغي على كل مسلم أنه إذا التزم لربه بالكف عن الطعام والشراب، فعليه كذلك أن يلتزم بترك المعاصي والذنوب والآثام. وهكذا علينا ونحن في خضم هذا الشهر أن نعامل خلق الله بمحاسن الأخلاق ومكارم الآداب، فإن ذلك يكون على الدوام، إلا أنه في هذا الشهر بالذات ينبغي أن نكون أشد تربية لأنفسنا. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وفي رواية ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله أحد فليقل إني صائم، إني صائم». هذه هي تربية رمضان لأهل الصيام، الترفع عن سفاسف الأمور، والتخلق بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فليس من أخلاق الصائمين أن ترد السب بالسبة، أو الشتم بالشتمة، وإنما قل: «إني صائم، إني صائم». عباد الله، وعلينا أن نعلم أيضًا ونحن في خضم هذا الشهر بضرورة الإقبال على الله بالأعمال الصالحات قدر الإمكان. فما من يوم من أيام رمضان إلا ومنادي ينادي: «يا باغي الخير أقبل»، أقبل يا عبد الله على النوافل والقربات، على الصلاة والصيام، على القيام وصلة الأرحام، وعلى ما تستطيع عليه من النفقة والجود، فإن ذلك من عظيم ما ينتفع به العبد في مثل هذه الأزمان، وبالخصوص وعلى وجه الخصوص ما يكون من تلاوة القرآن. فقد كان عليه الصلاة والسلام يدارسه جبريل القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى ضرورة العناية بالقرآن في رمضان، وكيف لا؟ فإن رمضان هو شهر القرآن. ولهذا عظم سلفنا الصالح هذه المزية، فكانوا يقبلون على القرآن في رمضان في ليلهم ونهارهم، حتى إن منهم من لربما ختمه في خمس، ومنهم من ختمه في سبع، ومنهم من ختمه في ثلاث. قال إمام الزهري رحمه الله: «إذا جاء رمضان فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام». وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى إذا دخل عليه رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على القرآن، فأقبل على كتاب الله، عباد الله، قراءة وتأملًا وتدبرًا، فإنه من أعظم العبادات ومن أجل القربات. نسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم صيبًا نافعًا، اللهم صيبًا نافعًا، اللهم صيبًا نافعًا، اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا نافعًا غير ضار، نافعًا غير ضار، نافعًا غير ضار، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.