حث الأنام لموسمي شعبان ورمضان

الخطبة بعنوان حث الأنام لموسمي شعبان ورمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 18 شعبان 1444هـ الموافق 10 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان والصيام فيه

شهر شعبان له فضل كبير حيث تُرفع فيه الأعمال إلى الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه استعدادًا لرمضان. ينبغي للمسلم أن يحرص على صيام بعض أيامه اقتداءً بالنبي.

الحكمة من صيام شعبان وفضل تتابع المواسم

صيام شعبان يُعدّ النفس لصيام رمضان ويُسهّل الدخول فيه، كما أن تتابع المواسم مثل رمضان نعمة تستوجب الشكر. شريعة الإسلام تتميز باليسر والرحمة وتكفير الذنوب في هذه المواسم.

استغلال الأوقات في الطاعات وفضل طول العمر

ينبغي استغلال الأوقات خاصة في مواسم الخيرات بالأعمال الصالحات، وطول العمر نعمة إذا اقترن بحسن العمل. يُوصى بالعناية بالأعمال الصالحة في كل وقت.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لازلنا في هذه الأيام نستظل تحت ظل شهر شعبان، شهر ميزه الله عن باقي الشهور والأزمان، أن جعله الله موسما من مواسم أهل الإسلام، وكفى فضيلة لشهر شعبان أن جعله الله جل وعلا وقتا ترفع فيه الأعمال. ولهذا كان من حرصه عليه الصلاة والسلام في اغتنام بركة هذه الأيام أنه كان يكثر من الصيام، فعن أسامة ابن زيد رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فقد كان عليه الصلاة والسلام من هديه أنه كان يكثر من الصيام حتى أصبح ذلك محل تعجب الأصحاب، فقال أسامة: «يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان»، وهكذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما رأيته عليه الصلاة والسلام أكثر منه صياما في شعبان». وعنها أيضا أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلا»، يصوم شعبان إلا قليلا. فاحرص يا عبد الله على أن يكون لك حظ من الصيام في شهر شعبان ولو لبضعة أيام. وأما حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوم»، فهو حديث ضعيف معل، أعله الكثير من الأئمة الحفاظ، وانتقده العديد من العلماء والنقاد، وعلى فرض تحسينه فقد حمل بمحامل لا تخرجه عن الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من كونه يكثر من الصيام في هذا الشهر المفضل. عباد الله، مع أن في صيامنا لشهر شعبان اقتداء واتباعا برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، فإن فيه كذلك تهيئة لأحوالنا في استقبال رمضان. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: «لما كان شعبان كمقدمة لرمضان، فإنهم يشرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن». يشرع فيه أن يستحب الصيام وقراءة القرآن، حتى أن من السلف من كان يسمي شهر شعبان بشهر القراء لكثرة ما يقرأ فيه لكلام الله جل وعلا. فعلينا أن نعود أنفسنا في هذا الوقت بالذات على الطاعات والعبادات، وعلى النوافل والقربات، وخاصة ما يكون من تعودنا على الصيام. لرب رجل إن قطع عن الصيام لفترة طويلة ولمدة طويلة، ثم إذا أراد أن يعاود صوم رمضان وجد في ذلك مشقة عظيمة، حتى لربما أن منهم من أفطر في أول أيام، ومنهم من ربما صامه على مضض، وهو طريح فراشه. لكن من اعتاد على صيام شعبان فإنه يجد رمضان سهلا ميسرا، بردا وسلاما. فلله الحكمة البالغة، وإن مما أحب أن أنبه وأنوه عليه أن من كان عليه أيام من رمضان فعليه بمبادرة قضائها الآن. فقد أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه كان يكون عليها أيام من رمضان فلا تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان، وذلك لانشغالها برسول الله عليه الصلاة والسلام. فاستفاد العلماء على أن شعبان هي آخر محطة لانقضاء، وأن من دخل عليه رمضان ولازال في ذمته صيام أيام من رمضان خلف، فإنه آثم عاصي، وجب عليه التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله، لأنه تعمد في ترك قضاء فريضة بإخراجها عن وقتها. وأن من لا يزال يزال به عذره فلا حرج عليه ولا عتب، وإنه من المؤسف أن يسترسل المسلم والمسلمة بعدم قضاء ما عليهم من رمضان مع التوالي الأزمنة، فليبالوا ببراءة الذمة، وليس لهم ما نعي النع من ذلك. فيا عبد الله، دين الله أحق أن يقضى، دين الله أحق أن يقضى. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، ما إن ينتهي موسم شعبان حتى يهل علينا موسم آخر، ألا وهو شهر رمضان، زين الشهور والأيام، سيد المواسم في كل زمان، شهر المغفرة والغفران، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران. هو شهر الفضائل والكرامات والمقامات، جعله الله لأهل الإسلام والإيمان. نسأل الله أن يبلغنا وإياكم وجميع المسلمين. عباد الله، إن في تتابع المواسم علينا موسم تلو موسم ليستوجب منا أولا أن نتعرف، وأن نعرف فضيلة أمة الإسلام عن باقي الملل والنحل والأديان، بما خصنا الله به من شريعة ودين عن سائر الأنام. شريعتنا التي حوت على كل خير، ونفت وانتفت عن كل سوء وشر، وبورك في شريعتنا، أسقط الله الواجبات عن العاجزين، وأباح الله المحرمات للمضطرين. في شريعتنا لنؤاخذ على الخطأ والنسيان والإكراه وما في الضمير. في شريعتنا العبادات والمعاملات قائمة على اليسر والرحمة والتيسير، وعلى نفي الحرج والمشقة والتعسير. في شريعتنا جعل الله لنا المواسم تلو المواسم، تتضاعف فيها الأجور والحسنات، وتزداد فيها الخيرات والبركات، ويكفر فيها عن الذنوب والخطايا والسيئات. في هذه المواسم يفتح المجال لكل عبد ذليل في أن يتقرب إلى ربه الجليل بأنواع من العبودية تنفعه يوم الرحيل، وفي هذه المواسم أيضا فرصة للعصاة والمقصرين في أن يعوضوا عما خسر منهم من تفريط، وما صبر منهم من تقصير، وما صار منهم من تضييع لكثير من أحكام الدين. إنه لمن الحرمان العظيم أن الكثير من المسلمين لا يبالون بهذه المواسم، فلا يرفعون لها رأسا، ولا ينقون لها بالا، ولا يحركون لها ساكنا. والله المستعان. وإن من فضائل تتابع المواسم علينا فيه بيان لفضيلة طول الأعمار، إن وجودنا في هذه المواسم ليس بجدنا ولا باشتهادنا، ولا من طاقتنا ولا من قوتنا، ولا من استطاعتنا ولا من قدرتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا جل في علاه أن أطال في أعمارنا لكي نحضر هذه المواسم فنتقلب فيها. سئل عليه الصلاة والسلام: «أي الناس خير؟»، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، وقال عليه الصلاة والسلام: «خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا». فليست طول العمر نعمة بحد ذاته، وإنما العبرة بما تكرث به هذه الأعمار. فعلينا عباد الله أن نستغل أعمارنا، وأن نستغل أوقاتنا بالحرف والعناية والاهتمام والرعاية بالأعمال الصالحات، وخاصة ونحن في مواسم الخيرات. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.