الخطبة بعنوان الارتقاء بالعبادات في شهر الخيرات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 رمضان 1444هـ الموافق 31 مارس 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُعد شهر رمضان فرصة للمسلمين ليرتقوا بإيمانهم ويتقربوا إلى الله، ويشجع على اغتنام هذا الشهر بالطاعات. يُبين أهمية هذا الشهر في تغيير أحوال المسلمين نحو الأفضل.
يرتقي المسلم في رمضان في الإخلاص ومعاملاته مع الله وإخوانه، ويتخلص من الضغينة والبغضاء ويتحلى بالعلم ويسير على سنة النبي. هذا الارتقاء يشمل تحسين العلاقات مع الله وخلقه.
يجب على المسلم أن يجد الفرح في طاعة ربه خاصة في أوقات الفتن، وذلك بامتثال أوامر الله ورسوله وتحسين علاقته مع الله. هذا يؤدي إلى صلاح العلاقات مع خلقه.
يُختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويُدعى للمصلين بالرعاية الإلهية ويُحثون على إقامة الصلاة. هذا يُبرز أهمية الدعاء والصلاة في ختام المجالس.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لا زلنا في هذا الشهر الفضيل، وفي هذا الزمن المبارك العظيم، نستظل بظلاله، ونتقلب وإياكم بين لياليه وأيامه، شهر أوجده الله جل وعلا لهذه الأمة لغايات حميدة، ولمقامات شريفة منيفة، مما يعود نفعها علينا في ديننا ودنيانا وأولانا وأخرانا. وإن من حكمة الله جل في علاه في تشريع رمضان لما فيه من منفعة في هدينا وحياتنا وطريقتنا، فمن ذلكم أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الشهر من أعظم الأسباب في تغير أحوال أهل الإسلام إلى أحسن حال. ففيه يرتقي المسلم إلى درجات ومصاعد الكمال، ففي هذا الشهر يرتقي المسلم بعقيدته، وذلك بما يكون من إذعانه وامتثاله لأمر ربه، وما يكون من طمعه في ثوابه وأجره وفضله. فالمسلم في رمضان يعلم أن له ربا يصدر الأمر، ويغفر الذنب، ويعطي الأجر، فالحكم حكمه، والثواب والعقاب بيده لا بيد غيره، فلا إله سواه، ولا رب غيره جل في علاه. في هذا الشهر يرتقي المسلم في إيمانه بعلم الغيب، فيؤمن ويصدق بأن للجنة أبواب قد فتحت، وهو لم يرها، وأن للنيران أبواب قد أغلقت، وما شاهدها، وأن الشياطين قد غلت وسلسلت، وهو لم يطلع عليها، كل ذلك عنده من المسلمات لشدة تيقنه بخبر الله ورسوله. وهذا هو الإيمان بالغيب الذي به يصل المسلم إلى درجات المتقين، ﴿ألف لام ميم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾. في هذا الشهر يرتقي المسلم في تقربه إلى ربه بأن يتقرب إليه بكل ما أوتي من قوة وقدرة في القيام بمقام العبودية، «يا باغي الخير أقبل»، فيقبل المسلم في هذا الشهر إلى الله بصلاته وصيامه، وبتهجده وقيامه، وبذكره لله، وبقراءته، وبإحسانه وعطائه، وما كان من بذله، وبره لأرحامه. فليزال يشمر عن ساعد الجد في هذا الشهر، فيرتقي بقربه إلى ربه حتى يصل إلى درجة المحبة، قال الله في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». في هذا الشهر يرتقي المسلم في أعلى مقامات الإخلاص، إذ أن الصيام عبادة السر، لا يطلع عليها أحد من الخلق، بل ربما تلوح لك الفرص يا عبد الله بين الفينة والأخرى بأن تفطر خلسة، ولكن لعظيم إخلاصك وشدة مراقبتك لربك تأبى وتمتنع. ومن هنا كان الصائمون يعطون أجرهم بغير حساب، كل ذلك الاصطفاء لما كان من قدر الإخلاص، قال الله في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصوم لي وأنا أجزي به». في هذا الشهر يرتقي المسلم في معاملاته، فيعتني عناية عظيمة بأخلاقه وآدابه، وبحسن سلوكه وتصرفاته، فلا غيبة ولا نميمة، ولا كذب ولا جهل، ولا سب ولا شتم، ولا غش ولا حقد. مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب هي السمة البارزة لأهل الصيام، وفي الحديث: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم». في هذا الشهر يرتقي المسلم بتعلقه بربه، وذلك بإظهار فقره وضعفه وافتقاره وانكساره، بما يكون بالانطراح بين يدي ربه بالتضرع والدعاء، وبالسؤال والطلب والنداء، لعلمه أن رمضان يستجاب فيه الدعاء. فلا يزال هذا حاله، وهذا منواله داعيا متضرعا في صلاته وقيامه، وفي تهجده وفي خلواته، قد فوض إلى الله جميع أمره، وأخرج ما كان من مكنون سره في دعائه لربه، ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾. في هذا الشهر يلتفت أهل الإسلام إلى إخوانهم ممن تتابعت عليهم الهموم والغموم والأحزان، ممن ابتلوا بالشدة والكربة، وعانوا من الضيق والفقر والنكبة. فيأتي رمضان فيفتح الآفاق لأهل البر والإحسان بأن الصدقة فيه مضاعفة، وأن من فطر صائمة كان له مثل أجرها، فلا غرابة أن الشخص الواحد بإمكانه خلال شهر رمضان أن يصوم مئة يوم، وذلك على عدد من يقوم بتفطيرهم، ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾. في هذا الشهر يرتقي المسلمون بصفاء القلوب وسلامة الصدور من الضغينة والبغضاء، ومن العداوة والشحناء، فإنها ما ردت الأعمال الصالحة إلا بهذا الداء. فالله جل وعلا يغفر لجميع خلقه إلا لرجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: «أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا»، فليزال المسلمون في رمضان يترقون في مقام العفو والصفح والمسامحة. في هذا الشهر أخيرا هو شهر مليء بالأحكام بشرائط وواجبات ونوافل ومستحبات ونواقض ومبطلات من أقوال وأفعال وأعمال وأحوال، لذا كان على كل مسلم أن يتسلح بأمرين لا بد منهما: إلى علم تكون على بصيرة وأنت في شهر صومك بما تأتي وتذر، ومن السنة تكون مؤتسيا بنبيك في كل قول وفعل. فلا بد من العلم والسنة، فمن دونهما يا عبد الله تكون أعمالك وأفعالك وصيامك أدراج الرياح، فالبدعة والجهل من أعظم محبطات الأعمال، ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. فلا يزال الصائم يرتقي يرتقي في علمه وفي الاقتداء بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، إن مما مضى معنا عباد الله من معرفة لما أعده الله في هذا الشهر من فضائل ومناقب، ومن خصال وخصائص، لستستوجب منا أن نقبل على الله بكثرة الحمد والشكر ليلا ونهارا، صباحا مساء، وأنتم لأجل القلوب بالرضا والسرور والفرح والحبور. عباد الله، لعل قائلا يقول: أي فرح سيغمرنا ونحن في هذا الزمن الأليم، وفي هذا الواقع المرير؟ أي فرحة ستكون ونحن بصدد عدو رافضي غاشم هو على أرضنا جاثم، قد أزهق الأرواح، وسفك الدماء، وعاث يمنة ويسرة في الأرض بالفساد؟ وأي فرح سيكون ونحن نعاني من هذه الأحوال الردية والأوضاع الرزية التي جلبت علينا الهموم والأحزان؟ عباد الله، إن المسلمة في أوقات الفتن والمحن، وفي أزمان الشدائد والكرب، ينبغي أن يكون إنسه وبهجته وسكون قلبه وانشراح صدره وقرة عينه إنما يكون بامتثاله لطاعة ربه، هنا يكمن الرضا والسرور، ويكمن الفرح والحبور. قال الله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾، قل بفضل الله وبرحمته، أي بدينه وشريعته، هنا ينبغي أن يكون الفرح، يفرح المسلم بالدين، ولو كان فقيرا معدم، أو كان مريضا مقعدا، أو كان طريدا شريدا مبعدا. فرحك إنما يكون بالدين والإيمان، وامتثالك لشرائع الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «إن لصائم فرحتان، يفرح بهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه»، هنا يكمن الفرح الحقيقي بإتمامك لشعائر دينك. وإن الإنسان متى ما أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينك وبين خلقه، ومن أصلح آخرته أصلح الله له دنياه، ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم﴾. فلو أن العباد أقبلوا على طاعة رب الأرباب، لغير الله أحوالنا إلى أحسن حال، ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، وعد من الرحمن لكل من اتصف بالإيمان إن أقبل على الله بالأعمال، فإن الله سيغير حاله إلى أحسن حال. ومن الحياة الطيبة أن الله سبحانه وتعالى يجعل لك من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ﴿ومن يتق الله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. أقبل يا عبد الله على الأعمال على الدوام، وخاصة وأنت في شهر رمضان، فإنه من حفظ دين الله فإن مولاه سيقوم بحظه بالعناية به، والاكتفاء بأمره، والقيام بشؤونه. فأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم اقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، اللهم أعننا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.