الدرس في تنوير البرية بالدروس والفتاوى الرمضانية 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستحب للمعتكف اتخاذ خباء في المسجد بشرط عدم تضييقه على المصلين، ويحرم الجماع والمباشرة حيث يبطل الاعتكاف بالجماع إجماعاً بينما لا يبطل بالمباشرة على الراجح. لا يجوز للمعتكف الخروج إلا للضرورة كقضاء الحاجة أو إحضار الطعام أو نقل مريض للمستشفى.
يبيّن المقطع أن خروج المعتكف لعيادة مريض أو تشييع جنازة يبطل الاعتكاف عند الجمهور، وإن خرج لضرورة يعيد نية الاعتكاف، كما يجيز الاعتكاف في أي وقت مع أفضلية العشر الأواخر من رمضان، ويناقش حديث «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» موضحاً أنه موقوف على حذيفة واختلف العلماء في دلالته.
يفصل النص أقسام خروج المعتكف إلى مبطل وجائز للضرورة وغير جائز لطاعة غير واجبة إلا بشرط مسبق، ويؤكد أن الاعتكاف سنة لا واجب فلا يُقدَّم على حقوق الأهل الواجبة. إذا كان الشخص ملزماً بواجبات نحو أهله وتعطلها بالاعتكاف، فإن قيامه بتلك الواجبات أولى وأفضل من الاعتكاف.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ابتدأنا في الدرس الذي مضى ببعض المسائل في الاعتكاف. قال: من فوائد هذا الحديث أيضًا: استحباب اتخاذ خباء للمعتكف ينفرد فيه. الخباء: بمعنى خيمة، ينفرد فيها حتى يذكر الله ويدعو بما أراد، فيكون صلة بينه وبين الله. قال: إنه يرحمه الله، وإنه أمر بخبائه فضربوه. قالوا: فيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعًا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه، ما لم يضيق على الناس. وإذا اتخذوه يكون في آخر المسجد ورحابه؛ لأن لا يضيق على غيره، وليكون أخلى له وأكمل في انفراده؛ لأن الأصل مسجد صلاة. فإذا كانت هذه الخيام تضيق على المصلين فإنها لا بد أن ترفع، لكن إذا كان المسجد واسعًا أو يسع المصلين ويسع الخيام فلا بأس بذلك. قال: تحريم الجماع للمعتكف، وكذا المباشرة. وأنه إذا جامع بطل اعتكافه، وهذا بغير خلاف. وإن باشر أثم ولم يبطل اعتكافه على الراجح. قال ابن قدامة: الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾. فإن وطئ في الفرج متعمدًا أفسد اعتكافه بإجماع العلماء، حكاه ابن المنذر. وليس كما قلنا: الوطء هذا لا بد أن يكون في المسجد. حتى لو في البيت، كما قلنا: إذا خرج مثلًا لحاجته الضرورية، ففي هذا الأثناء جامع امرأته، فهنا يبطل اعتكافه. لكن لو أخذ حاجته وخرج، فاعتكافه صحيح. قال: عدم مشروعية خروج المعتكف إلا لما لا بد منه بغير خلاف. قال العراقي رحمه الله: استدل به الخطابي على أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول. ووجهه: أنه لو جاز له الخروج لغير ذلك لما احتاج إلى إخراج رأسه من المسجد خاصة، وكان يخرج بجملته ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته. وقد أكد ذلك بقولها في بقية الحديث: «وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»، وهي في الصحيحين، أي هذه الرواية. قال: وقد يقال: هذا فعل لا يدل على الوجوب. وجوابه: أنه بيّن به الاعتكاف المذكور في القرآن، وذلك يدل على أن هذه طريقة الاعتكاف وهيئة المشروعية. وقال ابن قدامة: مجمله أنه ليس للمعتكف الخروج من معتكفه إلا لما لا بد منه، ولا خلاف في أن له الخروج لما لا بد منه. وهذا «لما لا بد منه» واسع، يعني: إذا كان شيء لا بد أن يخرج له يخرج. كما قال هنا: مثلًا قضاء الحاجة، أو إتيان إفطاره وطعامه إذا لم يجد أحدًا يأتي به، أو غيرها من الأمور. حتى مثلًا: إذا كان دينًا قد حل، كما قلنا: دين حل عليه وهو في المسجد، فإن لم يستطع أن يوجه أحدًا ليذهب لصاحب الدين، وإلا خرج وأدى دينه ورجع. فله أن يخرج لما لا بد منه. لما لا بد منه مثلًا: تكون زوجته مريضة تحتاج إلى نقلها إلى المستشفى، فينقلها ثم يرجع، فهذا لا بأس. أو أحد أولاده يحتاج إلى أن يذهب إلى المستشفى أو يأخذ علاجًا أو كذا، فهذه الأشياء التي لا بد منها له أن يخرج ويرجع. قال: السنة في المعتكف أن لا يخرج المسجد لعيادة مريض أو شهود جنازة. قال الإمام الصنعاني رحمه الله: فيه دلالة على أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما بينته هذه الرواية. الحديث: عائشة: «أنه من السنة لا يزور مريضًا ولا يشهد جنازة». لكن كما قلنا: هو من كلام عائشة رضي الله عنها، لكن أخذ به العلماء، وأنه إن فعل أي ذلك بطل اعتكافه. وفي المسألة خلاف كبير، ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه. وبعض أهل العلم يقول: لا بأس أن يشترط. وهذه الاشتراطات توسع فيها بعض الفقهاء. بعضهم يقول: لا بأس أن يشترط، أنه إذا مرض فلان سأعود، أو إذا مات فلان سأخرج لجنازته. لكن الأولى: أنه إن كان لا بد أن يخرج، يخرج ويعيد الاعتكاف مرة أخرى، لا بأس. معنى «لا بأس»: أنه يقطع اعتكافه، فوجد شيء مثلًا أراد أن يخرج لأجله، مثلًا مريض. هذا المريض يكون له بالنسبة له شيء، يعني: صاحبه وصديقه، ولا بد أن يزوره قبل أن يذهب مثلًا إلى المكان الفلاني لأجل العلاج، فيذهب ويزوره، ويلغي هذا الاعتكاف الذي اعتكفه في ذلك اليوم، ويستمر بعد ذلك في نفس الليلة إذا أراد أن يخرج لأجل هذه الأمور. وإلا فخروجه على الصحيح أنه يبطل الاعتكاف، ويحتاج إلى الاعتكاف مرة أخرى، أي: نية الاعتكاف مرة أخرى. قال: من فتاوى العلماء: هل يجوز الاعتكاف في أي وقت دون آخر من رمضان؟ فأجابت: نعم، اللجنة الدائمة: نعم يجوز الاعتكاف في أي وقت، وأفضله ما كان في العشر الأواخر من رمضان، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقد ثبت عنه أنه اعتكف في شوال في بعض السنوات. تقدم معنا أنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتكاف لأجل تنافس أزواجه، اعتكف في شوال عليه الصلاة والسلام. وسئل الشيخ مقبل رحمه الله: ما تقولون في حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»؟ فأجاب رحمه الله: قال بعضهم: يوقف على حذيفة رضي الله عنهما. وبعضهم يقول: فيه إن حذيفة رضي الله عنهما قال لعبد الله بن مسعود: «إن ناسًا يصلون بينك وبين كذا»، والظاهر أنهم كانوا في الكوفة. فقال عبد الله بن مسعود: «لعلهم أصابوا أخطأ». قال له: «ما أرى أناسًا يعتكفون بين بيتك والمسجد». فقال عبد الله بن مسعود لحذيفة: «لعلهم أصابوا أخطأ». فقالوا: ولو كان مرفوعًا... أي: العلماء يقولون: لما تجاسر عبد الله بن مسعود أن يقول: «لعلهم أصابوا أخطأ». وإن ثبت الحديث، فيكون: لا اعتكاف أفضل، فيكون دليلًا على أفضلية الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة، كما وردت الأدلة في فضل الصلاة في هذه الثلاثة المساجد. هناك من العلماء من يقول: أن الاعتكاف لا يكون إلا في الثلاثة المساجد، وهو الشيخ الألباني رحمه الله عليه، استدل بهذا الحديث. لكن هذا الحديث كما قال الشيخ: أولاً: رفعه فيه نظر. وكذلك أيضًا: الصحيح أنه موقوف على حذيفة. وقد خالفه ابن مسعود وغيره. وأيضًا كذلك: قد يحمل على المراد أنه لا اعتكاف أفضل، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾، ولم يحدد. فدل على أن التحديد، أو قوله: «لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد»، أي: الاعتكاف أفضل إلا في هذه المساجد الثلاثة. وسئل فضيلة الشيخ المعلمي عن أقسام خروج المعتكف من معتكفه، فأجاب فضيلته: خروج المعتكف من معتكفه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: فالقسم الأول: يكون خروجًا لما ينافي الاعتكاف، كما لو خرج لجامع أهله، أو خرج ليبيع ويشتري، أو ما يشبه ذلك مما هو مضاد للاعتكاف ومنافٍ له. فهذا الخروج لا يجوز، وهو مبطل للاعتكاف. والقسم الثاني: من خروج المعتكف أن يخرج لأمر لا بد له منه، وهو أمر مستمر، كالخروج للأكل إذا لم يكن له من يأتي به، والخروج لقضاء الحاجة إذا لم يكن في المسجد ما يقضي به حاجته، أو ما أشبه ذلك من الأمور التي لا بد منها، وهي أمور مضطردة مستمرة. فهذا الخروج له أن يفعله، سواء اشترط ذلك أم لم يشترطه؛ سواء اشترط في اللغة أو مشترط في العادة، فإن كل أحد يعرف أنه سيخرج لهذه الأمور. القسم الثالث: ما لا ينافي الاعتكاف، ولكنه له منه بد، مثل الخروج لتشييع جنازة، أو لعيادة مريض، أو لزيارة قريب، أو ما أشبه ذلك مما هو طاعة، ولكنه له منه بد. فهذا يقول به العلم: أن اشترطه في ابتداء اعتكافه فإنه يفعله، وإن لم يشترطه فإنه لا يفعله. فهذا هو ما يتعلق بخروج المعتكف من المسجد، والله أعلم. معناه: الشيخ المعلمي يؤيد هذا القول، أنه إذا كان اشترط أنه يخرج لجنازة فلان إذا مات، أو لعيادة فلان إذا جاء مثلًا من البلد الفلاني، فاشتراطه صحيح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شخص عليه التزامات لأهله، فهل الأفضل له أن يعتكف؟ قال: الاعتكاف سنة وليس بواجب. ومع ذلك: إذا كان على الإنسان التزامات لأهله، فإن كانت التزامات واجبة عليه، ووجب عليه القيام بها، يعني: يكون مثلًا مرضى أهله يحتاجون إلى علاج وكذا، أو يحتاجون إلى من يراعيهم، أو عنده والدة مريضة، أو عنده والد يحتاج إلى دوائه وهو الذي يعرف هذا الدواء، وغيرها من هذه الأمور. هذه الأمور واجبة عليه، فلذا لا يفرط ويأتي مثلًا إلى المسجد ويضيع أهله. وإن كانت غير واجبة، فإن قيامه بتلك الالتزامات قد يكون أفضل من الاعتكاف. فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «والله لا أصومن النهار ولا أقومن الليل ما عشت». فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «أنت قلت ذلك؟» قال: نعم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صم وأفطر، ونم وقم، فإن لنفسك عليك حقًا، ولربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا». فكون الإنسان يدع التزامات ليعتكف، قصور منه في العلم، وقصور في الحكمة أيضًا. معنا: لا يترك أهله يحتاجون إليه. مما لا بد منه، ليس فقط... أحيانًا بعض النساء مثلًا تجد أنها تريد أشياء كمالية: نريد كذا، ونريد كذا، ونريد كذا. وأكثرها أشياء كمالية ليست واجبة. فمثل هذا لا يثنيه عن الاعتكاف. لكن إن كانت أمور واجبة لا بد أن يقضيها، فإذا لم يكن موجودًا تتعطل هذه الأمور وهي واجبة عليه، فمثل هذا: قيامه بأهله أفضل من الاعتكاف. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر