شرح كتاب التوحيد 126

شرح كتاب التوحيد 126

الدرس في شرح كتاب التوحيد 126، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير اليهود من ادعاء الأفضلية وبيان عقوبتهم

المحور يتناول شرح آية قرآنية تحذر اليهود من ادعاء الأفضلية على النبي محمد وأصحابه، موضحا أن الله تعالى يبين لهم أن من لعنهم وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير هم الأشر. يُفسر معنى "مثوبة" في الآية بأنه الجزاء أو العقوبة التي تعود على أصحاب الأفعال السيئة.

كشف حقيقة اليهود وأصولهم وعقابهم الإلهي

هذا المحور يكشف حقيقة اليهود وأصولهم، موضحا أنهم يدعون أنهم شعب الله المختار، لكن الله بين حقيقة حالهم بأنهم أمة ملعونة نزل الله عليها الغضب ومسخهم إلى قردة وخنازير بسبب تحايلهم على شرع الله.

علاقة آية المسخ بعبادة الأوثان وعقوبة مخالفة شرع الله

المحور الأخير يشرح علاقة آية المسخ بعبادة الأوثان في الأمة المحمدية، ويبين أن ما وقع في أهل الكتاب سيقع في أمتنا، كما يستدل على إثبات صفة الغضب والمسخ لله تعالى، ويحذر من مخالفة أوامر الله واستحلال المعاصي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: قال وقوله تعالى: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾، أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذه الآية، ولازلنا في هذا التبويب: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان»، ثم أشار إلى هذه الآية الكريمة، والتي فيها قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل هل أنبئكم﴾ أي أخبركم بشر من ذلك، المشار إليه بشر من ذلك، الإشارة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه أصحابه، إذ أن اليهود كانوا يزعمون ويدعون أنهم الأفضل، وأنهم الأخير، وأن ما أتى به محمد بن عبد الله، والذي عليه أصحابه هو المنزل الدون والشر، فكان يدعون ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية تكذيبا لدعوة اليهود، أي أتدرون أنه أشر منكم، أو أن فيه شر، سأخبركم بمن هو شر منه، إذا كان فيه شر، ولا شر في أمتنا، ولا شر في نبينا حاشا وكل، لكن تنزلا في الخطاب مع اليهود الذين يزعمون أن نبينا فيه شر، فقال ربنا عز وجل: إذا أردتم أن تعرفوا من فيه الشر، ومن هو أشر، فهو هؤلاء، فعدد ربنا عز وجل صفات من ينبغي أن يكون شر الناس، ليس نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال سبحانه وتعالى: ﴿قل هل أنبئكم﴾ أي أخبركم بشر من ذلك، أي في قولكم بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو شر، وأنكم خير، قال: ﴿مثوبة﴾، قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة، مثوبة مأخوذة من الثواب، مأخوذة من الثواب، والثواب بمعنى الجزاء، وأصل الثواب من ثاب يثوب، بمعنى إذا عاد ورجع، يقال: فلان ثاب إلى رشده، ثاب إلى رشده، بمعنى عاد إليه رشده، عاد إليه، ومنه سمي الثوب ثوبا؛ لأنه إذا أخرج فإنه سيعود إليك، ما سيلبسه غيرك هو لك، كلما أخرجت هذا الثوب رجع إليك، أي أنت الذي ستلبسه في نهاية المطاف، فلما كانت من صفة الأثواب أنها تعود إلى أصحابها، فكان فيها معنى العودة، فسمي هذا الثوب، ولهذا يطلق على الجزاء ثوابا؛ لأن الثواب حقيقته الذي ستفعله ستجاز عليه، إن فعلت خيرا فإن أجر هذا الخير سيعود إليك، يثوب إليك، فسمي الثواب، وإن فعلت سوءا، ما كان من العقوبة على هذا الثوب سيرجع إليك، بمعنى سيثوب إليك، يعود إليك، فسمي الثواب ثوابا؛ لأن الجزاء سيعود إليك، فالجزاء والثواب يكونان في الخير والشر، كما قال ربنا عز وجل: ﴿هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾، ثوب بمعنى جوزوا. فالأصل أن الثواب يكون في الخير، ويكون في الشر، وإن كان الأكثر أن الثواب يطلق في الخير، الأكثر استعمالا أن الثواب يطلق في باب الخير، لكن كذلك يذكر في باب الشر، يذكر في باب العقوبة على الشر والأعمال الضالة. قال ربنا عز وجل: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة﴾ أي منزلة وإثما وجزاء، هذا معنى الآية، قال: ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾، وهذه الآية فيها إشارة إلى من ادعوا لأنفسهم الولاية، وهم اليهود: أنتم يا معشر اليهود تدعون بأنكم الأفضل والأكمل والأحسن والأخير، وأن محمدا بن عبد الله هو الأدنى، إلى هذا الحد، اعلموا من أنتم، أنتم هذه صفاتكم، قوم لعنهم الله، قوم غضب الله عليهم، قوم جعل الله فيهم المسخ، موسخوا قردة وخنازير، هنا تكون الموازنة في معرفة من الأحسن ومن الأفضل. فربنا عز وجل قطع هذه الدعاوى التي يدعيها اليهود، كانوا ولا يزالوا اليهود في مثل هذه الأزمة، لا يزالوا يدعون بأنهم شعب الله المختار، وأن هذه الأمم الموجودة في الحال، وهذا في اعتقادات اليهود، يرون أن هذه الأمم والشعوب والخلائق البشرية ما هي إلا حيوانات على شكل إنسان، خلقوا لكي يعملوا لليهود، هذا الذي يعتقده اليهود، كل هذه الشعوب ما هي إلا حيوانات، لكن أوجدها الله على شكل بشر، مهمتهم هي الخدمة للشعب اليهود؛ إذ أنه شعب الله المختار، فعندهم أنفة، عندهم رفعة، وكان هذا حالهم في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدعون الرفعة لأنفسهم، فأراد فبيّن ربنا عز وجل حقيقة حالهم: إذا أردتم أن تعرفوا من أنتم، انظروا إلى أصولكم، فإنكم أمة ملعونة، أمة نزل الله عليها الغضب، وكذلك جعل الله فيهم المسخ. قال: ﴿من لعنه الله﴾، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلِ﴾، فهم أمة ملعونة، قال: ﴿وغضب الله عليهم﴾، كما في قوله تعالى: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾، فربنا قد غضب عليهم، وهكذا مسخوا، كما في قوله تعالى: ﴿وقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾، كونوا قردة خاسئين، فحولهم ربنا جل وعلا إلى هذا المخلوق، قرد، وهو أشبه ما يكون بالإنسان، وليس إنسانا، وهذه الحادثة وقعت لبني إسرائيل في قصة أصحاب السبت، عندما تحايلوا على شرع الله، فلا هم أخذوا بالشرع، ولا هم أتوا بالمخالفة على وجهها، فلا هم أتوا هذا الباب، ولا هم فعلوا ذاك الأمر، وإنما احتالوا على شرع الله جل وعلا، فكانت العقوبة من جنس فعلهم، فما جعلهم الله بشرا على ما هم عليه، ولا حولهم الله إلى حيوان بعيد، وإنما جعلهم الله بين وبين، فجعل منهم القردة، فجعل منهم قردا، هيئته وجثمانه كهيئة إنسان، لكنه ليس بإنسان، والجزاء من جنس العمل. وهنا في هذه الآية ذكر ربنا: والخنازير، والخنازير من أهل العلم من يرى أن بني إسرائيل مسخوا خنازير في نفس قصة أصحاب السبت، وإن كان التصريح أن أصحاب السبت مسخوا قردة، لكن جاء في كتب التفاسير أن شبانهم مسخوا قردة، وأن شيوخهم مسخوا خنازير، هذا المشهور عند المفسرين، ومنهم من ذهب إلى أن المسخ بالخنازير إنما كان ذلك في زمن عيسى عليه السلام، عندما أنزل الله مائدة من السماء؛ إذ أن الله توعد أن من كفر بهذه الآية العظيمة، وهي أن تنزل مائدة من السماء، وهم يرونها ويأكلون منها، أن من كفر بعد هذه الآية، وكفر بهذه الآية، فإن الله سيعذب عذابا ما عذب أحدا من خلقه، قال العلماء: وكان هذا العذاب المسخ على هيئة خنازير، قيل هذا، وقيل هذا، فالله أعلم. لكن هذه الآية جاءت في سياق اليهود، أن الله مسخهم قردة، ومسخهم خنازير، لكن علينا أن نعلم -يا إخواني في الله- هذه مسألة قد تطرأ في قلوب بعض الناس، يرى: هل هؤلاء القردة الآن في عالم الحيوان، ما نرى من القردة في الأدغال، وما نرى من الخنازير الموجودة حول العالم، هل هؤلاء من أولئك؟ الجواب: لا، لماذا؟ أولا: ينبغي أن تعلم أن الله إذا مسخ قوما قردة وخنازير، أنهم لن يعيشوا طويلا، وقد جاء أن أصحاب السبت الذين مسخوا قردة، إنما أمهلهم الله ثلاثة أيام فقط على هذه الحالة، حتى رأوا الناس مغبة فعل من يتحايل على شرع الله، جعل الله هذه الآية بادية لخلق الله من كان في ذلك الزمان، واستمرت هذه الآية لمدة ثلاثة أيام، ثم ماتوا جميعا، ما بقي أحد. زد على ذلك: ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أن الله لا يجعل لمسخ نسل، لا يجعل الله لمسخ نسل، فإذا وجد أن أحدا مسخ، فإن الله يقطع عنه التناسل، فلا يتناسل، فلا تظن أن ما نراه الآن من عالم الحيوان، حال الحيوان، أن هذا لهم أصول ترجع، ولهذا يعيب بعض العلماء تلك العبارة، أن بعض الناس إذا أراد أن يصف اليهود، يقول: يا أحفاد القردة والخنازير، يا أحفاد، بمعنى تناسلوا، لا، ما هناك تناسل، وهذه العبارة خاطئة، إذا كانت على هذا المفهوم، فهي عبارة خاطئة؛ لأن من مسخهم الله يبيدهم، يمهلهم أيام ثم يبيدهم، زد على ذلك أن الله لا يجعل لهم نسل. فقال سبحانه وتعالى: ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾، وهذه كلها معطوفات، ينبغي أن نفهم في فهم هذه الآية على هذه القراءة: ﴿وعبد الطاغوت﴾، عبد فعل ماض، والضمير هو يعود إلى من كان عليهم اللعن، ومن كان عليهم الغضب، ومن كان عليهم المسخ، أنهم كذلك ماذا؟ أنهم كذلك عبد الطاغوت، أي هذه من أوصاف اليهود، من أوصاف اليهود أنهم عبدوا الطاغوت، وذلك والطاغوت: كل من عبد، كل من عبد من دون الله، قد وقع ذلك لليهود، أنهم عبدوا الرهبان والأحبار، وكل من عظموه، جعلوا له الطاعة المطلقة، وصرفوا له الطاعات والعبادات، فهذا من فعل اليهود، أن الله جعل، أن الله ذكر أن من أحوالهم: من كان منهم عابدا للطواغيت. فهذا -إخواني في الله- المقصود بهذه الآية بعمومها، يأتي السؤال المتبادر للأذهان، قد يقول قائل: هذه الآية تتحدث عن اليهود، وما فعله الله بهم، لكن بقي ما علاقة هذه الآية بالباب الذي بوبه المؤلف -رحمه الله تعالى-: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان»، قد أشرنا إلى وجه الجمع في درس أمس: أنه إذا ثبت هذا من فعل أهل الكتاب، فإن هذا سيقع في الأمة المحمدية، ما وقع في أهل الكتاب، وما وقعوا فيه، فإنه كذلك سيقع في أمتنا. وفي هذه الآية -أخواني- فوائد وأحاديث، منها ما يكون من إثبات صفة الغضب، فالله عز وجل يغضب، وغضبه من الصفات الفعلية، غضبا يليق بجلاله، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، فالله يغضب، والله يرضى جل في علاه، فما داعي للتأويل؟ فما داعي للتحريف والإخراج الآية عن ظاهرها، أو الصفة عن فحواها؟ وكذلك في هذه الآية بيان على إثبات صفة المسخ في أهل الكتاب، وأنه قد حصل فيهم، وفي ذلك دلالة على نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إذ أن مسألة أن اليهود مسخوا قردة وخنازير، من كان يعرف بهذا؟ كفار قريش؟ العرب ما كانوا يعرفون ما بين العرب وما بين الأمة اليهودية في بني إسرائيل، من زمن موسى مئات السنين، واليهود على حذر أن لا يعرف أحد عن تاريخهم، ما أحد يعرف، إلى أن أتى نبينا عليه الصلاة والسلام وذكرهم بالماضي، وأن منكم من كان قردة وخنازير، من الذي أخبره؟ وحي السماء، فلو أن اليهود أنصفوا أنفسهم لعلموا أن ما تلفظ به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس من رأسه، وإنما هو وحي أخبره بما وقع قبل مئات السنين، عما وقع لأجدادهم وأسلافهم من قضية المسخ، ومن قضية التحريف. وكذلك في هذه الآية بيان على أن فعل المعاصي يؤدي إلى نزول العقوبات، فعل المعاصي يؤدي إلى نزول العقوبات، ومنها المسخ، وهل هذا يقع في أمتنا؟ نعم يقع في أمتنا، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على ذلك، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ليبيتن قوم من أمتي على طعام وشراب وله فيصبحوا وقد مسخهم الله قردة وخنازير»، الحديث، تكلم عن أمتي، وقد ذكره الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في السلسلة: «ليبيتن قوم من أمتي على طعام وشراب وله فيصبحوا وقد مسخهم الله قردة وخنازير»، وكذلك ما جاء في السنن من حديث أبي مالك الأشعري: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحريرة والخمر والمعازف، ثم في آخر الحديث: ثم يصبحوا وقد مسخهم الله قردة وخنازير»، فدل ذلك على أن فشو المعاصي والذنوب سبب لأن ينزل الله غضبه على أي أمة، سواء كانت أمة بني إسرائيل، أو الأمة الإسلامية، فالحذر -يا عبد الله- من مخالفة شرع الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.