الخطبة بعنوان فضيلة العشر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 27 ذو القعدة 1444هـ الموافق 16 يونيو 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
العشر الأوائل من ذي الحجة أيام مباركة أقسم الله بها في القرآن وتضاعف فيها الأجور، وهي أفضل من الجهاد في بعض الحالات. هذه الأيام لها مكانة خاصة في الإسلام.
يستحب الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن والتكبير والصيام خاصة يوم عرفة، وكان السلف يكثرون من التكبير. هذه الأعمال تشمل التسبيح والتحميد والتهليل.
العمل الصالح يغير الأحوال إلى الأحسن ويمنع العقاب ويجلب الخيرات، وقد وعد الله به حياة طيبة وأجرًا في الدنيا والآخرة. هو سبب للنجاح والسعادة.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً للمسلمين بالمغفرة والصلاة على النبي وآله وصحبه وتوجيهًا للصلاة. هو ختام للدرس بتوجيهات عملية ودعاء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن مما امتازت به هذه الأمة المحمدية من بين الأمم والملل، وعن سائر الشرائع والنحل، أن الله جل وعلا جعل لها مواسم للخيرات وأوقات تتضاعف فيها الأجور والحسنات، وإن ذلك من عظيم ما من به الرحمن على أمة محمد عليه الصلاة والسلام. فها قد أوشكت أن تظلنا أيام المباركات، ألا وهي العشر المعلومات، أيام بلغ من فضلها وقداستها أن الله جل وعلا أقسم بها، ولا يقسم ربنا إلا بأمر عظيم، قال سبحانه: ﴿والفجر وليال عشر﴾، قال جمهور المفسرين: هي العشر الأول من ذي الحجة. أيام اختارها الله واصطفاها من أيام الدنيا، فأقسم بها، وما ذاك إلا لعظمتها ولعلو شأنها، هذه الأيام التي بلغ من فضلها أن الله سبحانه وتعالى ضاعف الأجور فيها، من عمل فيها بعمل صالح، فالله جل وعلا يضاعفه أضعافا كثيرا، إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، وهذا في كل الأقوال والأعمال والأحوال على مدار العام، إلا في مثل هذه الأيام، فالله جل وعلا يجازي أهله ومن عمل صالحا فيه بما لا يخطر على بال. روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، يعني العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك». فهذا الحديث العظيم فيه بيان لفضيلة الأعمال في مثل هذه الأيام، وذلك من وجهين اثنين، الوجه الأول: أن الأعمال في مثل هذه الأيام هي أعمال محبوبة عند الله، «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله»، فإذا كان الأمر كذلك، فإذا كان الله يحب الأعمال فيها، فلا شك ولا ريب أن الله جل وعلا يحب أهلها، فأنعم يا عبد الله بهذه المنقبة وبهذه الخصيصة والفضيلة. ثانيا: من إشارات هذا الحديث، فيه بيان على أن أجر العمل الصالح في الأيام العشر أفضل وأعظم وأكثر من الجهاد في سبيل الله، فمن صلى وصام وصلى النوافل وقام وذكر الله وقرأ القرآن، فإن أجره عند الله أعظم من الجهاد في سبيل الله. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «بلغني أن العمل في يوم من أيام العشر، يقدر بغزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها»، يا عبد الله، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟ ومن هنا كان علينا لزاما جميعا أننا نغتنم هذه الليالي والأيام بما نستطيع عليه من أقوال وأعمال وأحوال، وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى. وإن مما أحب أن أشير إليه، وأن أنوه عليه من الطاعات والعبادات التي ينبغي أن نجعل لها الحظ الأكثر والمقام الأوفر، ما يكون أولا من الإكثار من ذكر الله جل في علاه، وذلك امتثالا لقول ربنا جل وعلا: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: الأيام المعلومات هي الأيام العشر من ذي الحجة. أيام حثنا فيها ربنا جل وعلا على الإكثار من ذكره، تسبيحا وتحميدا، تهليلا وتكبيرا، بأن تكثر من ذكر الله جل وعلا، وإن مما يدخل في ذكر الله جل وعلا أن تكثر من قراءة القرآن، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يستحب الإكثار من قراءة القرآن في شهر رمضان والعشر، والعشر من ذي الحجة»، فهو موسم ينبغي أن نقبل على ذكر الله جل وعلا وعلى قراءة القرآن. ومما أذكره من هذا الذكر الذي ينبغي أن نلهج به أكثر من غيره، ما يكون من التكبير، ما يكون من التكبير، وهو التكبير المطلق، والذي يبتدئ معنا من أول ما يدخل معنا العشر الأول من ذي الحجة، فقد كان سلفنا الصالح يكثرون من تكبير الله في الأيام العشر من أولها إلى آخرها. فأكثر يا عبد الله من تكبير الله جل في علاه، اجعلها وردك، واجعلها معك في مدخلك ومخرجك، وفي صبحك ومسائك، وأيضا مما أشير إليه من الطاعات الجليلة التي ينبغي علينا أن نحرص عليها جميعا، ما يكون من الصيام، ما يكون من الصيام، فإنها من أجل الطاعات في مثل هذه الأيام. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذه الأيام، فيا عبد الله، إن استطعت على صوم الأيام العشر كلها فأنعم بهذا العمل الصالح الذي يدخل في عموم الأعمال الصالحة، والذي حكم عليه العلماء أي الصيام في العشر من ذي الحجة أنها يستحب استحبابا مؤكدا، وهذا هو مذهب جماهير الأمة على استحباب ذلك. فإن ضعفت وعجزت عن صوم الكل، فلا أقل يا عبد الله أن تصوم البعض، وخاصة ما يكون من صوم اليوم التاسع من ذي الحجة، ألا وهو يوم عرفة، فلا تعجز عن صومه، فهو يوم شريف يوم كريم منيف. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلزاما في هذا المقام نستعرض وإياكم فضائل العشر من ذي الحجة، عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن تتابع مثل هذه المواسم علينا بين الفينة والأخرى، كما نحن بصدده من استقبال موسم عظيم، موسم العشر من ذي الحجة، وما يتبعه من يوم العيد، يوم النحر، ثم ما بعده من أيام التشريق. وهكذا قس على سائر المواسم التي تتلو علينا وتأتينا بين الفينة والأخرى، عباد الله، إن مثل هذه المواسم تتتابع علينا لهي تهدف إلى أمور عظيمة، أولاها ما يكون من الضرورة بالعناية بالعمل الصالح، إذ أن المواسم أصالة ما أقامها الله جل في علاه إلا حثا وتحضيضا للعباد للإكثار من الأعمال الصالحة. كما في هذا الموسم، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، العمل الصالح يا عبد الله الذي به ولأجله أوجد الله الأنام، وأوجد الله جل وعلا هذه الأمة جمعا، وما خلق الله جل وعلا الكائنات وما فيها من عوالم إلا لعبوديته جل في علاه، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ومتى ما قطعت الأعمال الصالحة، فما رفع لله منا عمل، فحينها لا ننتظر لأنفسنا إلا الدمار والهلك والعقاب والعذاب، قال سبحانه: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾، فالعمل الصالح من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء. العمل الصالح يا عبد الله الذي به يغير الله جل وعلا أحوالنا في الدنيا والآخرة، قال جل في علاه: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، وعد من الرحمن لكل من قام بالأعمال من أهل الإيمان أن الله جل وعلا يغير حاله إلى أحسن حال. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة، يُعطى بها في الدنيا ويُجازى بها في الآخرة»، فما من عمل صالح تعمله وتفعله إلا ويعطيك الله جل وعلا أجرا معجلا دنيويا وأجرا مؤخرا أخرويا، فالأعمال من أعظم الأسباب في تغيير الأحوال، سواء كان على مستوى المجتمعات أو الأفراد. وذلك ما نجده في أنفسنا من ستر الحال، ومن راحة البال، ومن صلاح الأهل والنفس والعيال، وما يكون من جمع الشمل بالأقارب والأرحام، وما يكون من نزول الخيرات وتنزل البركات، وكثرة الأرزاق، وصحة الأجساد، وعموم الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان، كل ذلك يا عبد الله من أثر الأعمال. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، وأيضا من خلال تتابع المواسم علينا نعلم فضيلة نعمة الأعمار، الأعمار التي مدنا الله جل وعلا بها، مدنا بها، كم من أناس هم أشد منا غرصا وأكثر منا خبا لحضور مثل هذه المواسم، فيتنافسون عليها، لكن باغتهم الأجل ووافتهم المنية وقبضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، بينما نحن لازلنا على وجه الأرض نسرح ونمرح فيها. فيا عبد الله، إن نعمة الأعمار إن لم تستغل بالأعمال، فاعلم أنها نقمة علينا، سئل عليه الصلاة والسلام: أي الناس خير؟ قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وفسد عمله»، هذا هو المعيار يا عبد الله في استغلال نعمة الأعمار أن تكرس في العمل الصالح. وقال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخياركم؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «خياركم أطولكم أعمارا أحسنكم أعمالا»، فالله الله يا عبد الله بنعمة العمر الذي حباه الله لنا ولكم، اجعلوها في طاعة الله، اجعلوها في مثل هذه المواسم القادمة، بل اجعلوها في العمر كله، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. لكن في أيام المواسم شمر يا عبد الله عن ساعد الجد، وأقبل على الله بالطاعات والعبادات والنوافل والقربات، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.