الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء يعطي العبد عزة نفس واستغنائها عن الناس، حيث إن استغناؤه عن الناس وارتباطه بالله يمنحه عزة نفس عظيمة. الصحابة كانوا يسألون الله حتى عن الأشياء الدنيوية الصغيرة، مما يدل على ارتباطهم القوي بالله.
الاستغناء عن سؤال الناس والارتباط بالله عز وجل يعزز علاقة العبد بربه ويجعله عزيزًا بغير حاجة إلى الناس. الاستعانة بالله هي دعاء وطلب العون، والإلحاح في الدعاء يعزز هذه العلاقة ويورث العزة والغنى.
سؤال الله يجعل النفس قوية وحرّة، ولا يحتاج العبد إلى غير الله سبحانه وتعالى. الدعاء يعطي النفس غنى وعزة، والاستغناء بالله عن غيره هو العزة الحقيقية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا من أمس أهمية الدعاء، أو بعض الجوانب التي تبين أهمية الدعاء لله جل وعلا. وكذلك من هذا الباب مما يدل على أهمية الدعاء أن الدعاء يعطي للعبد عزة نفس وسموها، واستغنائها عن الناس وعن حاجاته. ف نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء عند أبي داود وغيره، ذكروا الشغل الباني في الصحيحة، أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. هذا وجه الشاهد، قوله عليه الصلاة والسلام: «وعزه استغناؤه عن الناس». والمراد استغناؤه، أي لا يسألهم شيئًا، لا يسألهم شيئًا، وإنما إذا سأل سأل الله عز وجل. ولهذا في وصية عبد الله بن عباس، لما أوصاه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، إذا سألت فاسأل الله، أي لا تسأل غيره، لا تسأل غيره. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون الله عز وجل عن كل شيء، قالت عائشة: حتى الملح. وجاء أيضًا في رواية: حتى شسع النعل. فكانوا يسألونه كل شيء، وهذا يدل على ارتباط العبد بربه جل وعلا، أن يكون مرتبطًا بالله جل وعلا، ما همه إلا دعوة الله، وأي شيء يجد أنه يحتاجه يدعو الله عز وجل، ويسأل الله سبحانه وتعالى، ولا يسأل غيره. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام، أو وقعت الأقلام، وجفت الصحف». فكل شيء كائن من الله عز وجل، وليس هناك شيء نافع للعبد أو ضار عليه إلا وهو من الله سبحانه وتعالى. فلهذا فالعبد يرتبط بالله ويطلبه من الله جل وعلا، فإذا حصل عند العبد استغناؤه عن الناس وحاجته إلى الله جل وعلا، صارت عنده عزة نفس عظيمة، لا يذل لأحد ولا يخضع لأحد إلا لله جل وعلا، لأنه يستحق ذلك، ولأنه بيده الأمور وبيده كل شيء جل وعلا. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم كما قلنا لا يسألون الناس شيئًا، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم بايع بعض الصحابة، ثم قال في آخر بيعته: «لا تسألوا الناس شيئًا». قال الراوي: كان أحد هؤلاء الذين بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أن الرجل ليسقط عليه شيء وهو راكب في ناقة أو في غيرها، لا يقول لصاحبه: هات أو ناولني هذا الشيء، وإنما يخرج بنفسه ويأخذ هذا الشيء. معناه هذا لأجل ما صار في قلوبهم من عزة النفس والاعتماد على النفس، وإن احتاج شيئًا فهو يسأله من الله جل وعلا. وهذه منزلة عظيمة لا يبلغها الإنسان إلا بتعود نفسه على الاستغناء عن سؤال الناس. فلهذا فكلما ارتبط العبد بالله جل وعلا استأنس به سبحانه وتعالى، استأنس بالله واستغنى عن غيره، وأيضًا وقع في نفسه أكثر حاجة أو أنه أكثر حاجة لله عز وجل، وليس له حاجة في غيره. فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. وكما ذكرنا أن الاستعانة من أعظم أمورها الدعاء، أن استعين بالله وهو أن يدعو الله عز وجل. ولأن الاستعانة هي دعاء وطلب العون في جلب نفع أو دفع ضر، طلب العون في جلب نفع أو دفع ضر هي استعانة، وهو دعاء. فلهذا من أعظم ركائزها أي الاستعانة بالله عز وجل أن العبد يدعو ربه جل وعلا في كل شيء. وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام قال كما جاء في السنن: «ألحوا على الله بالدعاء، ألحوا على الله بالدعاء». المراد ألح أي أكثر. وأيضًا قد تقدم معنا في حديث أبي سعيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو دعوة من غير إثم ولا قطيعة رحم إلا إما أن الله عز وجل يستجيب له، أو يدخرها له في الآخرة، أو يصرف عنه من البلاء ما هو أعظم». فقالوا: يا رسول الله إذا نكثر؟ قال: «الله أكثر، إذا نكثر قال الله أكثر». فلهذا فإن المؤمن كلما كثر في الدعاء كلما تعلق بالله وعزت نفسه عن غيره، وعزت نفسه عن غيره، وكلما نظر إلى غيره إلى غير الله فذل. وكلما نظر إلى أنه صار نظره حاجته لله عزت نفسه، وصار عزيزًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وعزه استغناؤه عن الناس». وقال الله عز وجل: ﴿قل لله العزة جميعا﴾، ﴿قل لله العزة جميعا﴾. فالعزة لله عز وجل، وكل من ارتبط بالله صار عزيزًا، وكل من احتاج إلى الناس صار ذليلًا. وليس معنى احتاج للناس أي في التعاون في الخير، لا، هذا شيء آخر. وإنما المراد احتاج للناس في سؤالهم الدنيا، في سؤالهم أمور الدنيا أو المال أو شيء من هذه الأمور. فهذا غالبًا إذا استغنى العبد بالله جل وعلا أغناه الله. لهذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين، قال أبو سعيد: أخبرت أو طلبت مني أمي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأله مالًا. قال: فلم أستطع، فمشيت خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فأحس برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أبا سعيد، من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله». وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع إليه من الصبر. وجاء في رواية: أحب إليه من الصبر. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي سعيد: «من يتصبر يصبره الله»، أي من يحاول أنه يتصبر يصبر نفسه يصبره الله، يعينه الله عز وجل. «ومن يستعفف يعفه الله»، إذا طلب العفة سواء كان في المال أو في الأعراض أو في غيره، فإن الله عز وجل يعفه. وأما إذا لم يطلب العفة وإنما طلب عكسها، فوكله الله عز وجل إلى نفسه. «ومن يستغني يغنه الله»، فاستغني أي عن الناس وعن سؤالهم، فيغنه الله عز وجل، يضع الغنى في قلبه. وفي حديث أبي هريرة في البخاري، وكذلك هو في مسلم أيضًا، علقه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». وهي القناعة التي توجد فيها، فهو لا يحتاج إلى أحد، وإنما يحتاج إلى الله جل وعلا، فيضع الله عز وجل الغنى في قلبه. فهذه عزة النفس التي تحصل بالدعاء وبسؤال الله جل وعلا. فلهذا يجد العبد في نفسه أنه محتاج إلى الله، فخير إلى الله، وليس لغيره، وليس لغيره، فتعتز نفسه وتستغني بالله جل وعلا، فهو الغني عن غيره جل وعلا، لأنه بيده الأمور سبحانه وتعالى، وليس بيد غيره. ولهذا كان السلف رحمه الله يسألون الله عز وجل حتى في الأمور التي تكون متعلقة مثلًا بأمير أو بمسؤول أو بكذا، فيسألون الله عز وجل هذه الأمور، ولا يسألون غيره. وتلك القصة مشهورة عن سالم بن عبد الله، لما قال له هشام بن عبد الملك، ورآه في الحرم، قال: يا سالم، أتسأل شيئًا؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، ألا تستحي أسأل شيئًا وأنا في بيت الله، أسأل غيره؟ ثم قال له: إن كنت تريد شيئًا فسل. فقال: أسألك من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة؟ فقال: أمور الدنيا، أما أمور الآخرة فهي إلى الله. فقال: لم أسأل في أمور الدنيا من هي بيده، فكيف أسأل من ليس بيده؟ أنا ما سألت الله عز وجل في أمور الدنيا، فكيف أسأل من ليس بيده؟ وهو يريد هذا أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك رحمه الله. فالمهم أن السلف رحمه الله تعلق بالله جل وعلا، فلهذا لم يلتفتوا إلى غير الله سبحانه وتعالى، صارت عندهم استغناء وعزة نفس. فلهذا فالدعاء من أهميته العظيمة أنه يعطي النفس غنى عظيمًا وعزة نفس، وكذلك أيضًا سموا وكلما قويت كما ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كلما قويت وطمعت النفس في جناب الله جل وعلا، وفي دعائه، كلما قويت هذه النفس في عبوديتها وفي حريتها، وفي أيضًا استغنائها. فلهذا فالعبد يحرص على أن لا يسأل إلا الله سبحانه وتعالى، ولو كان حتى في الأمور الهينة التي تكون في أمور المعاش وغيره، لا بأس أنه يسأله في كل شيء، حتى يرتبط بالله. وقد يكون مثلًا الإنسان استغنى عن أمور الدنيا، فيسأل الله عز وجل أمور الآخرة دائمًا، وهذا أكمل، وهذا أكمل. لكن المهم أنه يرتبط بالله جل وعلا، لا يرتبط بغيره، ولا يجعل نفسه يحتاج إلى غيره، بل يحتاج إلى الله سبحانه وتعالى، فهو غني ربنا سبحانه وتعالى عن كل شيء. فالمسلم والمؤمن يستغني بالله، ولا يستغني عن الله، يستغني بالله جل وعلا، ولا يستغني عن الله سبحانه وتعالى، فإنه إذا استغنى عن الله هلك، وأيضًا وكله الله عز وجل إلى نفسه. فهذا شيء مما يذكر في أهمية الدعاء، وأنه كما ذكرنا أنه تعلو به النفس وتستغني عن غير الله جل وعلا، وتجد في نفسها الحاجة إلى ربها سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.