الدرس في إثراء القلب الأواب بدروس الدعاء المستجاب 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء هو العبادة وأمر الله به يدل على أهميته، حيث يعتبر إظهارًا للافتقار إلى الله وطاعة له. الدعاء له أهمية عظيمة في الإسلام حيث أنه أكرم شيء على الله تعالى.
الدعاء هو لب العبادة وقد أمر الله به في القرآن الكريم، وألف العلماء كتبًا في فضله وآدابه. العبادات الأخرى لا تقبل بدون نية إخلاص وطلب القبول من الله.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في الدرس اللاحق. يتم تقديم الشكر لله رب العالمين على نعمه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى مقدمة في فضل الدعاء. وكما تعلمون أن الدعاء له أهمية عظيمة، فلهذا نأخذ ما جاء في الكتاب والسنة مما جاء في أهمية الدعاء. وقد ألف العلماء في هذا الباب واهتموا به كثيرًا. وأول من ألف الإمام النسائي رحمه الله، ألف جزءًا في الدعاء. كذلك الطبراني والبيهقي، وأيضًا الخطيب ألف كتابًا سماه «شأن الدعاء»، وهو كتاب قيم جدًا في أهمية الدعاء وفضله وآدابه. وكذلك أيضًا غيرهم كثير قد ألفوا في هذا الباب. ومنهم من ذكر الدعاء مع الأذكار، لأن الدعاء بالنسبة للأذكار يعتبر ذكرًا لله، أنا داخل في ضمن الأذكار كل الأدعية وكل أنواعها، لأن الدعاء أنواع، فبكل أنواع الأدعية يدخل في الأذكار في ذكر الله جل وعلا. فالأذكار عام يدخل فيه الدعاء، وكذلك الذكر فالدعاء يعتبر من الذكر من ذكر الله جل وعلا. ولهذا تجد كثيرًا من العلماء يذكرونه في باب يذكرون الدعاء في كتب الأذكار، مثلًا النووي ألف كتاب «الأذكار» وذكر الأدعية. وكذلك أيضًا غيرهم من العلماء ممن ألف في الذكر والدعاء. ومنهم أيضًا من يذكر في الآداب العامة، كالبخاري رحمه الله ذكره في «الأدب المفرد». وقد أفرد العلماء أيضًا كذلك كتبًا في كتبهم، كالبخاري، وكذلك مسلم ذكر الأذكار والدعاء معناه في كتاب «الأذكار والدعاء». كذلك الترمذي والنسائي وأبو داود بن ماجة وغيرهم ممن ألف. وهذا كله يدل على أهمية هذا الباب وأنه باب مهم. وكذلك أيضًا ذكرنا بالعكس أهميته للصائم، وأن الدعاء للصائم مهم جدًا. ولهذا ربنا جل وعلا ذكر آيات الدعاء أو آية الدعاء بعد آيات الصيام ليدل على أهميته. وهناك آيات كثيرة وأحاديث تدل على أهمية الدعاء. نذكر منها قول الله جل وعلا: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. فهذه الآية تدل على الدعاء من عدة أوجه، أو على أهمية الدعاء من عدة أوجه. الوجه الأول أن الله عز وجل أمر بالدعاء، أمر بدعائه سبحانه وتعالى. وقال ربكم ادعوني، فهذا فيه أمر بدعائه جل وعلا. ولهذا ذهب كثير من أهل العلم أن الدعاء واجب، أن الدعاء واجب على أصله، أصل الدعاء واجب يجب على كل مسلم أن يدعو الله عز وجل. فإن الله عز وجل أمر أن يدعى، ولأنه سبحانه وتعالى من كرمه وفضله سبحانه وتعالى جعل عباده يدعونه وهم الفقراء المحتاجون إليه. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. فلا يعرف فقر العبد إلا بدعائه لله عز وجل. فإن استكبر عن الدعاء فهو مستكبر، وقد وصفه الله عز وجل بذلك الذي يستكبر عن الدعاء فهو مستكبر. وأيضًا سماه النبي عليه الصلاة والسلام بخيلًا، أو أقصد سماه أيضًا عاجزًا، أعجز الناس الذي يعجز عن الدعاء. وكذلك أبخل الناس الذي يبخل عن الدعاء. فقال الله عز وجل: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وكما هو معلوم أن الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة، أي لب العبادة وخالصها هو الدعاء. فلهذا أمر الله عز وجل به. أمر الله عز وجل بالدعاء حتى يتحقق للمخلوق أنه عبد لربه جل وعلا. وأما الذي لا يدعو الله فهو ليس لم تتحقق به العبودية، بل هو مستكبر ويستكبر على خالقه جل وعلا أن لا يعترف أنه فقير إلى الله وأنه محتاج إلى الله. الله عز وجل لما وصف نفسه سبحانه وتعالى قال: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. الصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق وتحتاج إليه الخلائق ولا يحتاج إلى أحد. يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. فالله عز وجل غني عن عباده لأنه مستغن بذاته سبحانه وتعالى. إن تكفروا فإن الله غني عنكم. وربنا جل وعلا قال على لسان موسى: ﴿إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد﴾. الله عز وجل مستغن عن طاعة الطائعين، وأيضًا ليس هو محتاج لطاعة المخلوق، فهو مستغن بذاته جل وعلا. لكن كرمًا منه سبحانه وتعالى فإنه تحبب إلى عباده وطلب منهم عبادته جل وعلا. فلهذا فالدعاء عظيم. ولهذا ربنا جل وعلا قال: ﴿قل لولا دعاؤكم﴾. قال الله عز وجل: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾. فالدعاء فالله عز وجل بيّن هنا أنه يصرف الله عز وجل وأيضًا كذلك ينظر إلى عباده إذا دعوه سبحانه وتعالى. فلهذا من أعظم الأمور أهمية أن الله عز وجل أمر بالدعاء في هذه الآية. وكذلك بيّن أن من لم يدعوه فهم مستكبرون. ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وهنا سمّاها عبادة، سمّ الدعاء عبادة. وهذا كثير في القرآن. بسم الله عز وجل الدعاء عبادة. وكما قال في حديث النعمان: «الدعاء هو العبادة». معنى الركن الأساسي والأمر لب العبادات هو الدعاء. والدعاء كما تقدم معنى أن العبادات تسمى أيضًا دعاء عبادة لأن العبد يعمل العمل وهو يريد ويطمع من الله عز وجل أن يتقبل منه هذا العمل. فإن لم تكن هذه النية في نفسه كان العمل غير صحيح. فعندما إذا كان الذي يعمل مثلًا يصلي أو يصوم أو غيره وهو ليس في نيته أن الله عز وجل يتقبل منه هذا العمل، فإن نيته ناقصة والعمل أيضًا غير صحيح. لماذا؟ لأن نيته غير صحيحة. نيته غير صحيحة. فإنما يفعل هذا لأجل أن يتقبل الله عز وجل منه هذه الأعمال. أما إذا كان يعملها للتخلص أو يعملها عادة مثلًا فهذه لا تقبل عند الله لأنها ليست تعبدًا وليست بنية لله عز وجل. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. لابد أن يخلص العبادة لله. وإخلاص العبادة لله أن من هذه النية من نية الإخلاص أنه يعتقد أو يرجو من الله عز وجل أن يثيبه على هذه العبادة وأن يتقبلها منه. فهذا أصله دعاء، هذا أصله طلب ودعاء من الله عز وجل. وزد على ذلك من هذا الأمر أن الله عز وجل طلب هذا الدعاء وأمر به. بل أن الله عز وجل يغضب على من لم يدعوه. قد جاء عند الترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه». من لم يسأل الله يغضب عليه. وهذا الحديث اختلف العلماء في صحته لأن أبا صالح الخوزي مختلف فيه. لكن الصحيح أنه مقبول. مقبول الحديث والحديث حسن. والجرح الذي فيه ليس جرحًا مفسرًا أو ليس صحيحًا. والصحيح أنه مقبول الحديث. فلهذا حسن العلماء هذا الحديث. حديث أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه». ولهذا أخذها بعض الشعراء فقال: الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم يغضب إن سألته يغضب. فالله عز وجل يغضب إذا تركت سؤاله، إذا تركت دعاءه سبحانه وتعالى يغضب على العبد الذي يترك دعاءه. وهذا كله يدل على ما ذكرنا قبل من أن قول الصوفية باطل وهو ترك الدعاء وأن الله عز وجل يعلم بحال العبد. فهذا كلام غير صحيح. لأن الله عز وجل أمر بالدعاء لأجل أن يعلم العبد افتقاره إلى الله. صحيح أن الله عز وجل يعلم ما في الأنفس وأحوال الناس ويعلم ما يصلحهم. لكن الله عز وجل تحبب إلى عباده حتى يدعوه ويخضعون له. كذلك أيضًا كذلك يذكروه جل وعلا بدعائهم. وأيضًا يحس العبد بفقره إلى الله جل وعلا. ويضع في نفسه هذا الافتقار وأنه محتاج إلى الله سبحانه وتعالى. ولا يكون هذا إلا بالدعاء. لا يكون هذا إلا بالدعاء. فلهذا رفع الله عز وجل العقوبات عن الناس. وكذلك أيضًا أحب وأكرم من دعاه سبحانه وتعالى. ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾. فقد كذبتم فسوف يكون لزامًا. فالدعاء له أهمية عظيمة. من هذا الباب لهذا جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». ليس شيء أكرم على الله من الدعاء. وهذا أيضًا ما يدل على أهمية الدعاء وأنه أكرم على الله. ليس هناك شيء أكرم على الله من أعمال العبد من الدعاء. فالدعاء في مقدمة الأعمال الصالحة. ولأن أعظم العبادات كالصلاة فيها دعاء، ومن أصلها أيضًا دعاء. وشرع الله عز وجل فيها الدعاء. وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وغيرها مما يدل على أهمية الدعاء في هذه الفرائض العظيمة. ولهذا أيضًا كذلك في الصيام، مع أنه امتناع عن الطعام والشراب. إلا أن الله عز وجل أيضًا كذلك حتى الصائم على الدعاء. ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، ومنهن دعوة الصائم». وللصائم دعوة عند فطره لا ترد. كل هذا حق الصائم على الدعاء. فإنه يجتهد في دعاء الله جل وعلا. وكلما قويت كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. كلما قويت همة العبد في الدعاء كلما قوي إيمانه وخضوعه إلى الله جل وعلا وسكونه إلى الله سبحانه وتعالى. أنا كلما كثر الدعاء كلما كان العبد أطوع لربه وأخشع لربه جل وعلا. ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: ليس المهم أن يستجاب للإنسان، لكن المهم أن توفق للدعاء. كما قال رحمه الله رضي الله عنه: أهم شيء أنك توفق للدعاء. فإذا وفقت للدعاء فهذا خير عظيم. أنك توفق للدعوات. أن بعض الناس سبحان الله فتح الله عز وجل عليهم في الدعوات. تجد يدعو دائمًا. والله عز وجل يلهمه الدعاء. يلهمه الدعاء. ولهذا تجد في مواقف كثيرة من مواقف السلف يلهم الله عز وجل بعض عباده الدعاء. دعاء معين أو غيره. وتجد يذكرونه مثلًا في بعض الحكايات أو بعض المواقف. لكن ليس المراد أن هذا الدعاء مثلًا مأثور أو أنك تقول هذا الدعاء في مثل هذا الموقف. لا. وإنما وفق ذاك العبد في ذلك الموقف فدعى بهذا الدعاء الذي علمه الله عز وجل أو الذي ألهمه الله عز وجل به. فلهذا فالدعاء إلهام من الله. والمؤمن يحرص على أن يدعو بدعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ هي أدعية كثيرة. كما إن شاء الله تعالى نذكر بعض فيما يأتي في الدروس. فلهذا فخلاصة هذه الأهمية الآن وأمور أول وما يدل على أهمية الدعاء كثيرة. أشياء كثيرة. لكن هنا في هذه الآية بيّن الله عز وجل وأمر الله عز وجل العبد أن يدعوه. وأن من لم يدعوه فهو مستكبر. وأن هذا الدعاء دعاء عبادة. وأن الله عز وجل يغضب على من لم يدعوه. كل ذلك يدل على أهمية هذا الدعاء. وأيضًا كذلك الله عز وجل يحب الداعي ويحب الدعاء. كما جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا. لكنه فيه ضعف. لكن صح موقوفًا على عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: «سلوا الله من فضله فإن الله يحب الدعاء». سلوا الله من فضله فإن الله يحب الدعاء. وأيضًا قول الله عز وجل: ﴿فاسألوا الله من فضله﴾. يدل على ذلك. وأن الله عز وجل يحب أن يدعى وأن يسأل سبحانه وتعالى. حتى يدل أو حتى يكون العبد مفتقرًا إليه سبحانه وتعالى. وكذلك محتاجًا إلى الله. فإذا حس العبد أنه محتاج إلى الله وأنه مفتقر إليه زاد في طاعته لله جل وعلا. كما ذكرنا في كلام شيخ الإسلام رحمه الله. فهذا شيء مما يذكر في أهمية الدعاء. وإن شاء الله في درس اللاحق نكمل ما تبقى. والحمد لله رب العالمين.