الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ناقش الشيخ مسألة شرع من قبلنا وهل هو شرع لنا، وذكر مقدمتين للإجابة عنها، ثم تطرق إلى حديث عاشوراء وصيام النبي صلى الله عليه وسلم لهذا اليوم. وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه ثم ترك الأمر بصيامه بعد فرض صيام رمضان.
يتناول المقطع شرحًا لموقف النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفة أهل الكتاب، ويبين أن مخالفتهم كانت من الأحكام التي نسخت ما قبلها من موافقة لهم، ويشير إلى أن الله تعالى أمر بمخالفة أهل الكتاب في مختلف الأحكام الشرعية.
يُناقش صيام يوم عاشوراء ويبين أن السنة النبوية تشير إلى صيام يوم التاسع والعاشر من شهر محرم مخالفة لليهود، مع تفسير صيام اليوم الثالث احتياطا لضمان صحة صيامه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكر الشيخ الإسلام مسألة: شرع من قبلنا، هل هو شرع لنا؟ فذكر أن هذا يجاب عنه بمقدمتين: أولا، أن يثبت أن هذا شرع من قبلنا، يثبت بالكتاب أو السنة أو بالنقل المتواتر. والأمر الثاني، أو المقدمة الثانية، أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، سواء كان بالأمر به أو بالنهي عنه، سواء كان بالموافقة أو بالمخالفة. فإذا وجد في الشرع، أي في شرعنا، استغني عن ذلك بما يكون في شرعنا. ثم أيضا ذكر حديث عاشوراء، أن هذه الأشياء التي ذكرها ذكرها بعض الناس: أن النبي صلى الله عليه وسلم وافق فيها أهل الكتاب، فأراد أن يرد الشيخ على هذا. قال: وأما حديث عاشوراء، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه قبل استخباره اليهود، وكانت قريش تصومه. معنى قبل أن يخبره اليهود: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه حتى وهو في مكة. قال: وكانت قريش تصومه، ففي الصحيحين، من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه. فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان، قال: من شاء صامه، ومن شاء تركه. وفي رواية: وكان يوما تستر أو تستر فيه الكعبة. ولهذا يصومونه. وهذه رواية في البخاري: وكان يوما تستر فيه الكعبة. قال: واخرجاه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية. فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. قالوا: فيه معنى حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان. فلما افترض رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عاشوراء يوما من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه». لكن بعد ذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكفر سنة ماضية. وأيضا جاء في حديث ابن عباس: أنه لما سئل، لما قيل له: أن اليهود يصومون، فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بمخالفتهم في آخر السنوات. كما تقدم قبل. قال: فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقة لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق بموسى منكم» توكيدا لصومه وبيانا لليهود أن الذي يفعلونه من موافقة موسى، فنحن أيضا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم، لأن الأنبياء إخوة لعلات. والأنبياء أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بعيسى بن مريم». فالأنبياء أولى بعضهم ببعض، لأنهم على دين واحد. وأيضا بعثهم الله عز وجل لرسالته. قال: ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لا يؤمر فيه بشيء، من وجوه. أحدهما: أن هذا كان متقدما، ثم نسخ الله ذلك. أي كان في بداية الأمر، وشرع له مخالفة أهل الكتاب وأمره بذلك. وفي مثل الحديث: أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد، أي مخالفا. ولهذا صار الفرق شعار المسلمين. وكان من الشروط على أهل الذمة، أي التي وضعها عمر، لا يفرقوا شعورهم. وهذا كما أن الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة. وأخبر عن اليهود وغيرهم من السفهاء: أنهم سيقولون ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. وأخبر أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم. وأخبر أنه إن اتبع أهواءهم من بعد ما جاءهم من العلم، ما له من الله من ولي ولا نصير. والآيات في ذلك كثيرة في الأمر بمخالفة أهل الكتاب وعدم اتباعهم. قال: وأخبر أنه لكل وجهة هو موليها، أي هم على وجهة، وأهل الإسلام على وجهة. وكذلك أخبر في موضع آخر: أنه جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا. فالشعار من جملة الشرعة. والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم، يوم عاشوراء، الذي صامه أي النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «نحن أحق بموسى منكم»، قد شرع قبيل موته مخالفة اليهود في صومه، وأمر صلى الله عليه وسلم بذلك. لهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي يقول: وكان يعجبهم موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم»، أشد الصحابة رضي الله عنه أمرا بمخالفة اليهود في صوم عاشوراء. وقد ذكر أنه هو الذي روى شرع المخالفة. وروى أيضا مسلم في صحيحه، عن الحكم بن الأعرج، قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء. فقال: إذا رأيت هلال المحرم فعدد وأصبح يوم التاسع صائما. فقلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصوم؟ قال: نعم. قيل: وأصبح يوم التاسع، أي تاسوعاء. وقيل: إنه أراد عاشوراء. لكن الظاهر أنه أراد التاسع، أي التاسع من محرم، صمه. وأيضا صم عاشوراء. قال: وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني يوم عاشوراء. ومعنى قول ابن عباس: صم التاسع، يعني والعاشر. هكذا ثبت عنه. وعلله بمخالفة اليهود. قال: سعيد بن منصور حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صوم التاسع والعاشر خالفوا اليهود. فصيام التاسع والعاشر مخالفة لليهود. قال: وروينا في فوائد داود بن عمر، وهو أبو سليمان الطبيب، عن إسماعيل بن عليا، أنهم ذكروا عند ابن أبي نجيح: أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع. فقال ابن أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: أكره أن يصوم يوما فردا، ولكن صوم قبله يوما أو بعده يوما. قال: ويحقق ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء، العاشر من المحرم. وهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن يوم عاشوراء العاشر، ليس كما هو مشهور عنه أنه يراه التاسع. قال: وروى سعيد، أي ابن منصور، في سننه، عن هشيم، عن ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن، وهو فيه ضعف، عن داود بن علي، عن نبيه، عن جد ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوم يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده». وهذا فيه ضعف، كما قلنا. ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه، ضعيف. قالوا: رواه أحمد، لفظه: «صوموا قبله يوما أو بعده يوما». ولهذا نص أحمد على مثل ما رواه ابن عباس. وأفتى به عن الفتوى عن ابن عباس صحيحا: أنه يصام يوم قبله ويوم بعده. أما الحديث فلا يصح. فقال في رواية الأثر: أنا أذهب في عاشوراء أن يصام يوم التاسع والعاشر، لحديث ابن عباس: «صوم التاسع والعاشر». وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، قال: يصوم التاسع والعاشر. وقال في رواية الميموني وبالحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء، صوم التاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور، فيصوم ثلاثة أيام. ابن سيرين يقول: ذلك تشكل الشهور معنا، ما يدري هل دخل الشهر أو لم يدخل، أي شهر محرم. فيصوم اليوم الثالث احتياطا. فيصوم اليوم الثالث احتياطا.