الدرس في التعليق على الجواب الكافي 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المحور يناقش أحاديث نبوية تشير إلى عذاب القبر وضيقه، مع شرح معانيها وأهمية الخوف من الله. يُستدل بحديث سعد بن معاذ وأبي سعيد الخدري.
يوم القيامة يحمل أهوالا عظيمة مثل دنو الشمس وزيادة حرها، وانتظار نفخ الصور. يُبين المقطع تأثير ذلك على الناس حسب ذنوبهم.
يُناقش المحور تفاصيل يوم القيامة مثل نفخة الصور، عقاب المصورين، عرض مقاعد الموتى في الجنة أو النار، وذبح الموت. يُظهر الأهوال والعقاب المنتظر.
يجب على المسلم الحذر من الزلل والسعي للصلاح لتجنب العذاب. يُشدد على أهمية أن يكون المسلم من أهل الجنة عبر الأعمال الصالحة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث التي تبين أن الإنسان يجب عليه أن يخاف من عقاب الله جل وعلا ومن مكر الله سبحانه وتعالى، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فلهذا سرد المؤلف رحمه الله أحاديث كثيرة فيها الوعيد الشديد، وفيها أيضا الخوف الذي ينبغي للمسلم ويجب عليه أن يكون في قلبه في هذه الحياة، وهو الذي يبعده عن معاصي الله جل وعلا وعن المحارم. قالوا: في المسند أيضا من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم على سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلي عليه خرجنا معه إلى جنازته. فلما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع في قبره وسوي عليه التراب، سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبحنا طويلا، ثم كبر، فكبرنا. فقيل: يا رسول الله، لم سبحت ثم كبرت؟ فقال: «لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد كما ذكر المؤلف من طريق محمود بن عبد الرحمن بن عمر بن الجموح عن جابر بن عبد الله. ومحمود بن عمر هو من الأنصار، لكنه غير معروف بالثقة؛ لم يوثقه أحد من العلماء، فلهذا يكون مجهولا. لكن الحديث هو في الشواهد، فمسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره بتضايق القبر على سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإن هذا تكاثرت الأحاديث التي تدل على أن هذا الشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في لفظ عند ابن ماجة: «ولو نجى أحد منها لنجى منها سعد بن معاذ». قالوا: في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها». قال: «يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق» من شدة الصوت الذي يخرج منها، معناه بالويل والثبور وأيضا التحسر. فربنا سبحانه وتعالى جعل الإنسان يهنأ في هذه الحياة، لم يعكر عليه عيشه كما تقدم معنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل». وفي الصحيحين أنه قال عليه الصلاة والسلام أيضا: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا». فالله عز وجل غيب مثل هذه الأشياء عن الإنسان حتى يهنأ بحياته. قالوا: في المسند، في مسند الإمام أحمد، من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلى منها الرؤوس كما تغلى القدور، يغرقون فيها على قدر خطاياهم؛ منهم من يبلغ إلى كعبه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق». وهذا الحديث في المسند، سناده ضعيف. وقد جاء مثله من حديث المقداد، أخرجه مسلم. المقداد بن الأسود والمقداد بن عمرو الكندي، أخرجه الإمام مسلم بنفس اللفظ: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل». قال الراوي: ما أدري ميل المكحلة أو ميل المسافة. ثم قال: «فتغلى منها الرؤوس كما تغلى القدور، يغرقون فيها على قدر خطاياهم؛ منهم من يبلغه إلى كعبه -أي العرق- ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه». وهذا الذي جاء أنه يغرقون في العرق كما جاء في حديث المقداد. وهنا ظاهره أنهم يغرقون في النار، والظاهر أنه مثل حديث المقداد أنهم يغرقون على قدر خطاياهم -أي في العرق الذي يصيبهم من هذه الشمس- أن الشمس قريبة منهم. قالوا: فيه -أي في المسند- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر فينفخ؟» فقال أصحابه: كيف نقول؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». هذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي عن أبي سعيد. الله أعلم هل هو موجود أيضا في المسند عن ابن عباس أو أن المؤلف وهم في ذلك. وإسناده فيه أيضا ضعف. لكن قد جاء عند أبي يعلى بإسناد صحيح نحو هذا اللفظ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينظر متى يؤمر». عن صاحب القرن -أي الملك الموكل على نفخ الصور- واشتهر عند العلماء أنه إسرافيل. ولم يأت ذلك بنص عن النبي صلى الله عليه وسلم أو في القرآن، لكن اشتهر عند العلماء كالإجماع أنه إسرافيل. صاحب القرن هو إسرافيل ينفخ في القرن، والقرن هو مثل البوق، فينفخ فيه عند أمر الله عز وجل له بالنفخ. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ نفخة الصعق ونفخة البعث، وهذا على قول الجمهور أن النفخة نفختان: نفخة يصعق بها الناس، ونفخة تقيمهم من قبورهم. وقيل: إن هناك نفخة أخرى وهي نفخة الفزع. قالوا: في المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه: «من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان». وقد جاء يضربوه في الصحيحين أن الله عز وجل خسف برجل تعاظم في نفسه واختال في مشيته، فخسف الله عز وجل به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. قال في الصحيحين عنه -أي عن ابن عمر- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، أحيوا ما خلقتم». هذا أيضا من العقاب الذي يحصل يوم القيامة. المصورون يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم». وجاء في حديث أبي هريرة: «فيقال له: أنفخ فيه الروح وليس بنافخ». ليس بنافخ -أي لا يستطيع أن ينفخ فيه الروح- لكنه يعذب بذلك. قالوا فيهما أيضا -أي في الصحيحين- عنه -أي عن عبد الله بن عمر- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار». أنه يعرض عليه -إن كان من أهل الجنة- يعرض عليه مقعده في الجنة، وإن كان من أهل النار يعرض عليه مقعده من النار، فيقال: «هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل يوم القيامة». وجاء في حديث البراء أنه يفتح له بابا من الجنة، والكافر يفتح له بابا من النار. قالوا فيهما أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، جئ بالموت حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح». أنه جئ بالموت على هيئة كبش. قال: «ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت». لأن الموت قد ذبح. قال: «فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم». فهذه الأحاديث العظيمة التي فيها الوعيد وفيها أيضا خوف الإنسان يوم القيامة. فالواجب على المسلم أن يحذر أن يكون من أهل الزلل والخطأ، فيكون من أهل العذاب والعياذ بالله، ويحرص على أن يكون من أهل الخير وأهل الصلاح الذين هم أهل الجنة. كما ذكر في هذه الأحاديث. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.