شرح المنظومة البيقونية 1

شرح المنظومة البيقونية 1

الدرس في شرح المنظومة البيقونية 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة في علم مصطلح الحديث ومنظومة البيقوني

يستهل الشيخ المجلس بالثناء على علم مصطلح الحديث ومكانته مستشهداً بتعريف الإمام النووي، ثم يستعرض تاريخ تدوين هذا العلم من الرامهرمزي إلى ابن حجر والذهبي وصولاً إلى منظومة البيقوني داعياً إلى حفظها لسهولتها ونفعها.

أهمية حفظ المتون العلمية وشرح مقدمة المنظومة البيقونية

يؤكد المقطع على ضرورة حفظ طالب العلم لمتون مختصرة في كل فن علمي مع أمثلة في النحو والمصطلح والأصول، ثم يشرع في شرح مقدمة المنظومة مبيناً حكم البسملة وفضلها والفرق العقدي بين الاستعانة والمصاحبة ومفهوم الحمد لغة وشرعاً.

مقدمة المنظومة البيقونية: الحمد والصلاة على النبي وتقسيم علوم الحديث

يشرح المقطع فضل الابتداء بالحمد لله اقتداءً بالقرآن والسنة، وبيان معنى الصلاة على النبي وآداب كتابتها مع ذكر أسمائه الثابتة ورد ما اشتهر خطأً، ثم الإشارة إلى أن المنظومة ستذكر اثنين وثلاثين نوعاً من علوم الحديث لكل تعريف مميز.

الخاتمة والدعاء بالتوفيق

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويحمد الله رب العالمين مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا المجلس هو يعتبر أوائل المجالس العلمية التي نتذاكر فيها هذه المنظومة المختصرة المفيدة التي تتعلق بعلم من العلوم النافعة، ألا وهو علم مصطلح الحديث. وعلم الحديث، كما لا يخفى على الجميع، فهو يعتبر من أشرف العلوم وأنفعها. وكما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه "الإرشاد"، قال رحمه الله تعالى: «علم الحديث علم شريف، يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، من حرمه فقد حرم خيرا عظيما، ومن رزقه فقد نال فضلا جزيلا». إذن هو علم عظيم، علم شريف، ينبغي أن يحرص عليه المسلم. وكما ذكر العلماء فيما يتعلق بالتعريف بعلم مصطلح الحديث، فعلم المصطلح قالوا: هو علم بأصول وقواعد، يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد. وهذا تعريف واضح مبسط. قالوا: هو علم بأصول وقواعد يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد. وينبغي أن نعلم أن المصنفات والمؤلفات في علمي الحديث هي قديمة جدا، فقد صنف الأئمة المتقدمون في علمي الحديث، علمي مصطلح الحديث. كما ذكروا عن الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى، فله أبواب في علم اصطلاح الحديث، مما يعد كل واحد منها بابا من أبواب المصطلح. وهكذا أيضا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى له كتاب "الرسالة"، وفي هذا الكتاب تعرض لمباحث بديعة تتعلق بعلم مصطلح الحديث. وهكذا أيضا ذكروا عن مالك بن أنس وابن جريج، وهكذا غيرهم من الأئمة. الإمام مسلم رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح" له المقدمة، مقدمة صحيح مسلم، ذكر فيها مباحث نافعة أيضا لها تعلق بعلم مصطلح الحديث. وهكذا غيرهم. لكن هذه التآليف القديمة ليس منها كتاب مستقل يتعلق بعلم مصطلح الحديث، حتى جاء الإمام القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، فألف كتابا سماه "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي". وهذا الكتاب يعتبر أول تصنيف مستقل في علم مصطلح الحديث، كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" للإمام القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي رحمه الله تعالى. ثم بعد ذلكم كثرت المؤلفات في علم مصطلح الحديث. أتى بعده الإمام الحاكم أبو عبد الله النيسابوري صاحب "المستدرك"، فألف كتابه "معرفة علوم الحديث"، وذكر فيه أنواعا لعلوم الحديث. وهكذا جاء بعدهم الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، فألف كتابا مستخرجا على كتاب الحاكم رحمه الله تعالى. وجاء بعدهم الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي رحمه الله تعالى، المشهور بالخطيب البغدادي، فألف وصنف في قوانين وقواعد الرواية كتابا عظيما سماه "الكفاية في علم الرواية". وهذا الكتاب يا إخوان من أنفع كتب الحديث، أي مصطلح الحديث، اسمه "الكفاية في علم الرواية". وهكذا ألف كتابا آخر في آدابها فسماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع". ورحم الله الخطيب البغدادي، كم يا إخوان أفاد من جاء بعده من المحدثين، حتى قال الحافظ أبو بكر ابن نقطة رحمه الله تعالى: «كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه». ومعنى عيال: أي عالة، يستفيدون منها فائدة عظيمة. وهكذا تتابع المؤلفون والمصنفون في علمي مصطلح الحديث. أتى بعد الخطيب البغدادي القاضي عياض، فألف كتابا سماه "الإلماء إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع". وهكذا أيضا جاء بعده الحافظ أبو حفص الميانجي، فألف كتابا أسماه "ما لا يسع المحدث جهله". وهكذا استمرت التآليف إلى أن جاء الحافظ أبو عمر، الحافظ أبو عمر عثمان بن الصلاح الشهرزوري، مشهور بابن الصلاح. هذا الإمام يعتبر من أئمة الحديث وحفاظهم، وألف كتابا عظيما نافعا سماه "معرفة علوم الحديث". أكذا اسمه كما سماه المؤلف نفسه في كتابه "صيانة صحيح مسلم"، وهو مشهور بـ "مقدمة ابن الصلاح"، مشهور عند العلماء بمقدمة ابن الصلاح. وهكذا يا إخوان تآليف وتصانيف نافعة. أتى الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهكذا أيضا جاء الإمام الذهبي، وهكذا غيرهم من الأئمة، فألفوا في هذا الفن وفي هذا المجال، ألا وهو علم مصطلح الحديث. ومن هؤلاء المصنفين عالم من العلماء يعتبر محدثا وأصوليا، يقال له عمر، وقيل أن اسمه طاهر بن محمد بن فتوح البيقوني رحمه الله تعالى، عالم في مصطلح الحديث، وهكذا أيضا في أصول الفقه وغيرها. وهو دمشقي شافعي، أي دمشقي المسكن وشافعي المذهب. هذا الرجل عاش في نحو عام ألف وثمانين من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واشتهر بهذه المنظومة التي عرفت بـ "منظومة البيقوني". وهو سماها بذلك، قال: «سميتها منظومة البيقوني، فوق الثلاثين بأربع، أتت أبياتها، ثم بخيرها ختمت». هكذا ختم هذه المنظومة رحمه الله تعالى وغفر له. وليس هناك للمؤلف ترجمة مطولة وموسعة إلا ما ذكره باختصار الزركلي في كتابه "الأعلام"، وهكذا أيضا ذكر غيره ترجمة مختصرة جدا لهذا العالم ولهذا المحدث. وكما هو واضح أن عنوان هذه أو اسم هذه المنظومة: "المنظومة البيقونية"، نسبة إلى صاحبها البيقوني رحمه الله تعالى. ولما نقول "المنظومة"، لما نقول "المنظومة" يعني مأخوذة من النظم. والنظم يا إخوان في اللغة بمعنى الجمع. والنظم في اصطلاح العلماء قالوا: النظم هو عبارة عن تأليف الكلمات والجمل، مرتبة المعاني، متناسقة الدلالات، على حسب ما يقتضيه العقل. قلنا: النظم في اصطلاح العلماء هو تأليف الكلمات والجمل، مرتبة المعاني، متناسقة الدلالات، على حسب ما يقتضيه العقل. والغالب يا إخوان أن المنظومات يعني تكون فيها شيء من العذوبة والسلاسة، وأيضا يسهل حفظها. فحري بنا جميعا أن نهتم بحفظ هذه الأبيات، أبيات سهلة جدا، ونحن في كل يوم إن شاء الله عز وجل نأخذ بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو بيتا واحدا، على حسب الأنواع التي سيذكرها رحمه الله تعالى في هذه الأبيات. والحفظ يا إخوان يعتبر من أسباب جمع العلم وقوة المتعلم. الإمام الرحبي رحمه الله تعالى لما ذكر الفروض المقدرة في كتاب الله عز وجل في علم الفرائض، ختمها بالثلثين، قال: «والثلثان هما التمام، فاحفظ، فكل حافظ إمام». وقال: «فاحفظ، فكل حافظ إمام». وهكذا أيضا مما نقل عن الشافعي وغيره، قالوا: «من حفظ الحديث قويت حجته». وينبغي لطالب العلم أن يجعل لنفسه محفوظات، أقلها أن يجعل لنفسه في كل فن محفوظا. مثلا في النحو يحفظ مثلا "الآجرومية" نثرا أو نظما، أو غيرها، "المتممة" أو "القطر" أو غيرها. في المصطلح مثلا يحفظ "البقونية"، أو يحفظ "نخبة الفكر" للحافظ ابن حجر، أو معها "نزهة النظر" للحافظ، أو مثلا "ألفية العراقي" إن كان عنده حافظة، أو "ألفية السيوطي" في المصطلح. وهكذا في الأصول: "الورقات" أو "نظم العمريطي" لها، أو غيرها من هذه المتون. فيجعل لنفسه في كل فن متنا، في كل فن متنا يحفظه. ومن هذه المتون السهلة يا إخوان هو هذه المنظومة البيقونية، هذه المنظومة البيقونية. قال الناظم البيقوني رحمه الله تعالى في مقدمة هذه المنظومة: بسم الله الرحمن الرحيم أبدأ بالحمد مصليا على محمد خير نبي أرسل وذي من أقسام الحديث عدة وكل واحد أتى وحده بدأ رحمه الله تعالى بالبسملة، والبسملة يا إخوان ثابتة في عدة نسخ مخطوطة من المنظومة البيقونية. وكونه رحمه الله تعالى افتتح هذا النظم بالبسملة، هذا يا إخوان من عمل المصنفين والمؤلفين، استقر عملهم على أن يبتدئوا المصنفات والكتب والرسائل بالبسملة. وهذا كله اقتداء بكتاب الله عز وجل، فإن أول ما نزل من القرآن، أول آية نزلت من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وهكذا كل سورة من سور القرآن تستفتح بالبسملة، ما خلا سورة واحدة هي سورة التوبة، أحسنت، سورة التوبة، ويقال سورة براءة، فلم تفتتح بالبسملة بالإجماع. ما عداها من السور كلها تبتدئ بالبسملة. واختلف العلماء في البسملة: هل هي آية من القرآن أم ليست آية من القرآن؟ هل هي آية من سورة الفاتحة أم أنها ليست بآية من سورة الفاتحة؟ هل هي آية من السور الأخرى أم أنها ليست بآية؟ ويكفيك أن تعلم أنهم أجمعوا أنها جزء من آية من سورة، جزء من آية من سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾. وهكذا اتفقوا أنها ليست بآية من سورة التوبة. طيب، سورة الفاتحة وغيرها من السور اختلفوا في ذلك، والذي ذهب إليه جماعة من المحققين من أهل العلم أنها آية مستقلة من هذه السور، يؤتى بها للفصل بين السورة والسورة التي قبلها. والكلام حول البسملة كثيرا ما يمر معكم في كتب ودروس سابقة. طيب، قال: بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله الرحمن الرحيم. والذي نحب أن ننبه عليه حول ما يتعلق بالبسملة في ألباء: قوله "بسم"، ألباء كما يقول أهل العلم، كما يقول أهل العلم من أهل السنة أنها للاستعانة، أنها للاستعانة، يعني تبدأ بالبسملة طالبا المعونة من الله عز وجل في النظم. لما قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أن يطلبوا المعونة من الله عز وجل في هذا النظم، في هذا النظم. وليست ألباء ها هنا كما يقول المعتزلة أنها للمصاحبة، أنها للمصاحبة. وما فائدة هذا؟ فائدة هذا يعني فائدة عقدية. المعتزلة يرون أن الإنسان مستقل بعمله، أنه مستقل بعمله، فإذا كان مستقلا بعمله قالوا: لا يحتاج إلى الاستعانة، وإنما هنا الباء أتي بها للمصاحبة، أي مصاحبة العمل. لكن أهل السنة يقولون: لا، الإنسان ليس مستقلا بعمله، فلذا هو دائما وأبدا يطلب المعونة من الله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقد نبه على هذا جماعة من أهل العلم، منهم العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى وغفر له. قال الناظم رحمه الله تعالى: قال: «وهكذا أيضا ينبغي أن نعلم فيما يتعلق بالبسملة أن الابتداء بها فيه تأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان يستفتح كتبه ورسائله بالبسملة». ومن ذلك كتابه إلى الملوك والأمراء، ومنه كتابه الذي أرسله إلى هرقل عظيم الروم، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، في قصة أبي سفيان، لما سأله هرقل، أشاهد من هذا أن الكتاب الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل بدأه ببسم الله الرحمن الرحيم: «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، إلى هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين» الحديث. وهكذا في قصة كتابة صلح الحديبية، كما في حديث البراء بن عازب، لما كتب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سهيل بن عمرو سفير قريش، فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل وقال: اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم. وشاهدنا من هذا هو البدء بالبسملة. بسم الله الرحمن الرحيم التي وردت، وفيها: «كل ذي كل أمر ذي بال، أي ذو شأن، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع»، وفي بعضها: «أبتر». هذه الأحاديث لا تصح كما حقق القول فيها العلامة الألباني رحمه الله تعالى في مجموعة من كتبه، ومنها "إرواء الغليل". في أول "إرواء الغليل" ماذا تكلم رحمه الله تعالى حول عدم صحة هذه الأحاديث، هذه الأحاديث. قال الناظم رحمه الله تعالى: قال: «أبدأ بالحمد مصليا على محمد خير نبي أرسلا». وقوله رحمه الله تعالى: «قوله أبدأ بالحمد، أبدأ بالحمد، لا يفهم يا إخوان من هذا أنه لم يبدأ بالبسملة، البسملة ثابتة في نسخ البيقونية، لكن أراد رحمه الله تعالى أن يبين أنه بدأ، أنه بدأ أول أبيات هذا النظم بالحمد لله عز وجل، فقال: أبدأ بالحمد، أبدأ بالحمد». والحمد يا إخوان، الحمد عرفه العلماء بتعاريف عدة، يعني باختصار يقال في الحمد: هو وصف المحمود بالكمال، وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم. لما تصف يعني شيء بصفة عظيمة، صفة كمال، وأنت في قلبك له محبة وتعظيم، هذا يسمى حمد. لكن إذا وصفته بصفة من صفات الكمال، كنت تقول: شجاع، كريم، لكن ليس في قلبك محبة له، أو ليس في قلبك تعظيم له، فهذا يسمى مدح، كما يفعله كثير من الشعراء مع الملوك والأمراء وغيرهم. لكن الله عز وجل يوصف يا إخوان بالكمال مع المحبة لله عز وجل والتعظيم له، فهذا يسمى حمد. قال: «أبدأ بالحمد». وفي الحمد هنا ماذا؟ لإستغراق جميع الحمد لله تبارك وتعالى، لإستغراق جميع الحمد. فالحمد المطلق لا يكون إلا لله تبارك وتعالى، لله تبارك وتعالى. وربنا يا إخوان يحمد على السراء وعلى الضراء، يحمد على السراء، على النعمة، وعلى الخير، ويحمد أيضا على المصائب، كما عند ابن ماجه وغيره من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله على كل حال». إذا ربنا عز وجل يحمد في جميع الأحوال، حتى على المكروه، حتى على الأشياء التي هي بالنسبة لنا مكروهة: مرض، فقر، خوف، إلى آخرها من الأشياء. وقوله: «أبدأ بالحمد، أبدأ بالحمد»، والابتداء بالحمد أيضا يا إخوان فيه تأسي بالقرآن، فربنا عز وجل ابتدأ مجموعة من سور القرآن بالحمد، مثل ماذا؟ مثل الفاتحة، كذلك سورة الإسراء، الكهف، نعم أحسنتم، نعم فاطر، نعم ذكرت، زد، نعم الأنعام، وغيرها، سبأ، وغيرها من السور التي بدأت بالحمد، التي بدأت بالحمد. وما ورد في السنة من بعض الأحاديث التي فيها فضل البدء بالحمد، كما ورد في بعض الأحاديث السابقة: «أن كل عمل لم يبدأ بالحمد لله فهو أقطع»، وما كان في معناها، فهذا لا يصح، وقد نبه على ذلك أيضا العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في بعض كتبه، ومنها ما سبق "إرواء الغليل". قال: «أبدأ بالحمد مصليا على محمد خير نبي أرسل». وقوله: «مصليا على»، أي حال كوني مصليا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والصلاة يا إخوان من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ذكرت فيها أقوال كثيرة، لكن من أشهرها وكذلك أدقها ما ورد عن أبي العالية رحمه الله تعالى كما في صحيح البخاري: «أنه ثناء الله عليه في الملأ الأعلى». ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. والصلاة من البشر يا إخوان هي بمعنى طلب الثناء من الله عليه. لما نقول: صلى الله عليه وسلم، أي أننا نطلب من، ندعو الله عز وجل أن يثني عليه في الملأ الأعلى، في الملأ الأعلى. وينبغي أن نتنبه لأمرين، أمرين نبه عليهما الإمام النووي رحمه الله تعالى، أنه قد يقع نقص، قد يقع نقص في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. النقص الأول فيما يتعلق بكتابة الصلاة، كتابة الصلاة، تجد الواحد من باب العجلة، استعجل، يكتب حديثا أو يسجل فائدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعمل صاد، يعمل صاد، ماذا يريد بصاد؟ أي: صلى الله عليه وسلم. لا، ما يصلح. وبعضهم يختصر: ص، صلى الله عليه وسلم، لا ما يصلح. يكتب ممكن يختصر في الكتابة: صلي الله عليه وسلم، أو يكتبها: صلى الله عليه وسلم. هذا يا إخوان من الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، قد يقول القائل: مستعجل، اترك لها فراغ، اترك لها فراغا بعد أن تكمل، عد وأكمل هذه الفراغات بإكمال الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. أمر آخر، نقص آخر: أنه قد يكتفى بالصلاة فقط، يقول: صلى الله عليه، أو عليه الصلاة، ولا يأتي بالسلام، أو العكس يقول: عليه السلام، ولا يأتي بالصلاة. يا إخوان هذا فيه نقص، والأكمل أن يقول: صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى يقول: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وجاء في السنة زيادة الصلاة على الآل: «صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» إلى آخره، فهذا من باب الأكمل والأفضل. قوله: «مصليا على محمد». محمد يا إخوان هو أشهر أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وألهم الله أهله بأن يسموه بهذا الاسم، وإلا فكان هذا الاسم قليلا في العرب، قليلا في العرب. ومحمد: أي كثير الخصال المحمودة، كثير الخصال المحمودة. وهكذا من أسمائه، وهكذا من أسمائه: نعم، أحمد، ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. أبو موسى الأشعري يقول كما في صحيح مسلم: «سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بأسماء، فقال: أنا محمد، وأحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الرحمة». أكذا جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه. وذكر بعضهم غير هذه الأسماء، كمثل ما ذكر عن البيهقي، ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم: الضحوك، القتال، الضحوك، القتال، إلا أن الإسناد يحتاج إلى نظر. وهكذا أيضا ذكر غيره. وهكذا أيضا ذكر غيره. وما يتعلق بما اشتهر عند كثير من الناس، مثلا: إيش هذا؟ طه، أو ياسين، أو ممكن أن نكتب ها كذا: ياسين، على أنها من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، لا يصح أنها من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. وقول الله تعالى: طه، وهكذا ياسين، هذه أحرف مقطعة، مثلها مثل ألف لام ميم، وألف لام راء، وكاف هاء ياء عين صاد، وطه سين ميم، مثلها طه وياسين. والصحيح فيها أنها أحرف مقطعة، الله أعلم ما هو المقصود منها، لكن فيها فائدة وهي: إعجاز من الله عز وجل للعرب بأن هذا القرآن يعتبر مكونا من هذه الأحرف العربية والكلمات العربية، ومع هذا عجز أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله. وقوله: «خير نبي أرسل»، فهو خاتم النبيين، وهو أفضلهم. قال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر»، كما في حديث الشفاعة، كما في حديث الشفاعة. وقوله: «وذي من أقسام الحديث عدة»، وقوله: «وذي من» هنا تبعيضية، أي هذه بعض وليست كل، فلم يرد المصنف رحمه الله تعالى الاستقصاء والاستيعاب، وإنما أراد أن يأتي ببعضها. «من أقسام الحديث عدة»، أي عدد، وسيأتي معنا أنه ذكر اثنين وثلاثين نوعا، اثنين وثلاثين نوعا من أنواع علوم الحديث. قال: «وكل واحد»، أي منها أتى، أي في المنظومة مذكورا وحده، أي معه التعريف الذي يميزه عن غيره. هذه مقدمة للمنظومة البيقونية، ونأتي في الدرس القادم إن شاء الله، ويبدأ أول هذه الأنواع إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.