الدرس في شرح الباعث الحثيث 29، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع مفهوم التدليس لغةً واصطلاحاً بأنه الإيهام بالسماع، ثم يقسمه إلى تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ. يركز على تدليس الإسناد بتعريفه رواية الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه بصيغة موهمة، مع التفريق بينه وبين الإرسال الخفي.
يُعرّف التدليس بأن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه موهماً السماع بصيغ ك«عن» و«قال»، وقد ذمه العلماء كشعبة والشافعي. وينقسم رواة التدليس إلى طبقات يُقبل حديث أعلاهم ويُرد حديث أدناهم.
يشرح تفصيل ابن الصلاح في حكم رواية المدلس: يُقبل ما صرح فيه بالسماع، ويُتوقف في الصيغ المحتملة حتى يثبت السماع. يستعرض أسباب التدليس كضعف الشيخ أو صغر سنه، وينقل عن ابن كثير أن التدليس نوع من الإرسال يخشى فيه رد الحديث.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه. وهي صيغة ختامية معتادة في المجالس والدروس العلمية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في كتاب شرح اختصار علوم الحديث المسمى بالباعث الحثيث للإمام العلامة الحافظ المفسر أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. ونحن اليوم في نوع جديد من أنواع علوم الحديث، وهو نوع المدلس. قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: "المدلس، النوع الثاني عشر: المدلس، التدليس، والمدلس، والمدلس، هذه ألفاظ مأخوذة من قولهم: دلسة الظلام. من الدلسة، والدلسة هي ما بعد غروب الشمس؛ فإن الناس بعد غروب الشمس ودخول أوائل الليل ربما ينظر الناظر من بعيد فيقد لا يعرف من يعرفه؛ لأنه اختلط النور بالظلام، فهو يرى شخصاً أمامه لكنه قد لا يعرف عين ذلك الشخص بسبب الدلسة، وهي ظلام أول ظلام الليل، بسبب أول ظلام الليل. فلهذا أخذ هذا المعنى، فقيل: مدلس، وقيل: مدلس، وقيل: تدليس، مأخوذ من الدلسة وهي أول ظلام الليل. المدلس، والمدلس، والتدليس مبني على إيهام الناس شيئاً من سماع ونحوه، ولكنه عند البحث يظهر عدم ذلك السماع. هذا هو التدليس، هذا هو التدليس". قال رحمه الله تعالى: "التدليس والتدليس قسمان". بدأ بتقسيم التدليس، والتدليس على قسمين: تدليس إسناد، وتدليس شيوخ. وتدليس شيوخ وأنواعه سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. تدليس الإسناد: نحن فيه، بقي علينا تدليس الشيوخ. إذن قال: "والتدليس قسمان". قلنا: تدليس إسناد، وتدليس شيوخ. نحن الآن في ذكر القسم الأول منه، وهو تدليس الشيوخ. تدليس الإسناد. قال: "والتدليس قسمان: أحدهما أن يروي عن من لقيه". المراد باللقاء في هذا البحث وغيره هو السماع، المراد باللقاء في هذا البحث وغيره هو السماع. فإذا قيل: لقيه، أي: عن من سمعه. هذا من صنيع أئمة العلم، يطلقون اللقاء ولا يريدون مجرد اجتماع الأبدان، وإنما يريدون سماع بعضهم من بعض. هذا مرادهم باللقاء، فينبغي أن يعلم هذا، ينبغي أن يعلم هذا. ولهذا اشترط مسلم إمكان اللقاء، واشترط البخاري حصول اللقاء. فما الفرق بين الأمرين؟ اشترط مسلم: "قال: وأمكن لقاء بعضهم بعضاً". تقدم الكلام على أن اللقاء المراد به السماع. الإمام مسلم رحمه الله، هذا نحن الراجع. الإمام مسلم ما شرطه؟ شرطه إمكان اللقاء بعد ثقة الراوي والراوي عنه والبراءة من وصمه التدليس. إمكان اللقاء، ما المراد باللقاء؟ يعني أن يوجد سبب لسماع هذا من هذا، وهو السماع. طيب، إمكان اللقاء، أي إمكان السماع. مثلاً: يكونان في مسجد واحد، أليس ممكن أن يسمعه؟ بلى. طيب، ما مراد البخاري باشتراط اللقاء؟ أن يسمع منه. هذا مراد البخاري. لا زال يتكرر معنى البحر. يقول رحمه الله: "أحدهما أن يروي، أن يروي عن من لقيه". قلنا: أي عن من السماع، أي عن من سمعه. "عن من لقيه" تفسيرها: إيش؟ عن من سمعه. "أن يروي عن من لقيه ما لم يسمعه منه". يعني سمعه من غيره، لكن هذا الشيخ كان غائباً، فجاء للطلاب، قال: ماذا أخذتم؟ قالوا: أخذنا كذا وكذا وكذا. حفظه، فحدث عنه الراوي بغير صيغة التحديد، بصيغة موهمة، قال: "فلان ابن فلان كذا وكذا". هو لم يكن حاضراً. هذا يسمونه التدليس. سيأتي الكلام. قال: "أحدهما أن يروي عن من لقيه ما لم يسمعه منه، أو عن من عاصره ولم يلقه موهماً أنه سمعه". الحافظ ابن حجر يفصل هاتين الصورتين بعضهما عن بعض. فالمشترط عند المحدثين، عند جهابذة المحدثين في التدليس، يقولون: لابد من ثبوت السماع بين الراوي والراوي. أما أن يروي الراوي عن معاصر له لم يلقه، فهذا نوع إرسال خفي، هذا نوع إرسال خفي. إذن إذا روى الراوي، إذا روى الراوي عن من عاصره ولم يلقه، فهذا نوع إرسال خفي. وإذا روى الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة موهمة، موهمة للسماع، فهذا تدليس. إذن هذان بحثان، لابد من التفريق بينهما، لابد من التفريق بين المدلس وبين المرسل الخفي. فالمرسل الخفي هو أن يروي الراوي عن من عاصره ولم يسمع منه ولم يلقه، فهذا يسمى بالمرسل الخفي، هذا يسمى بالمرسل الخفي. هكذا سماه ابن حجر وغيره من أهل العلم. "أو عن من عاصره ولم يلقه موهماً أنه سمعه منه". لابد من الإيهام، فإن لم يوجد الإيهام انتفى التدليس. لابد من الإيهام، فإن لم يوجد الإيهام انتفى التدليس. إذن عندنا مراتب: أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً، أي قاصداً لإيهام الناس أنه سمعه منه. هذا هو تدليس الإسناد. إذن ما تعريف تدليس الإسناد؟ هو أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة محتملة، موهماً أنه سمعه منه بصيغة محتملة للسماع. هذا تعريف التدليس: أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سمعه منه بصيغة محتملة للسماع. إذن هذا هو تدليس الإسناد: أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سمعه منه منه بصيغة تحتمل السماع. إذن هذا هو تعريف التدليس: أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سمعه منه منه بصيغة تحتمل السماع، ك "عن" و "قيلة" ونحوه. ك "عن" و "قيل": عن فلان ابن فلان، قال فلان ابن فلان، ك "عن" وقال، ك "عن" وقال. إذن ما هو التدليس؟ قلنا: هو أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سمعه منه بصيغة تحتمل السماعة، ك "عن" وقال. ويدخل فيها مثل: "ذكر فلان كذا وكذا"، "قال فلان كذا وكذا"، "روى فلان كذا وكذا". كل ذلك أيضاً فيه إيهام، فيه إيهام للسماع. إذن عندك أخسان: ما هو التدليس؟ ما هو التدليس؟ أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سماعه منه بصيغة تحتمل السماعة، مثل: "مثل"، "علم"، "مثل"، "قال"، "ذكر"، "روى"، ونحوها. أما أن يروي عن من عاصره ولم يلقه موهماً أنه لقيه سمع منه، فهذا نوع إرسال خفي، قاله ابن حجر وغيره. قال رحمه الله تعالى وغفر له: "ومن الأول قول ابن خشرم". هو علي، هو علي بن خشرم الإمام المحرف. "ومن الأول قول ابن خشرم": مصروف. "ومن الأول قول ابن خشرم: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: قال الزهري كذا. فقيل له: أسمعت منه؟ قال: حدثني عبد الرزاق عن معمر عنه". ابن عيينة قليل التدليس. ففي هذا الموضع حصل نوع تدليس من الإمام ابن عيينة. يقول ابن عيينة: قال الزهري. فلما سئل: أسمعته منه؟ أجاب: قال: لا، حدثني به عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. ربما سمى بعضهم هذا النوع تدليس القطع. هكذا سمى بعضهم، بعض أهل العلم يسميه تدليس القطع. قال رحمه الله تعالى: "وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء وذموه، وكان شعبة أشد الناس إنكاراً لذلك". شعبة بن الحجاج، أبو بستام، الإمام، إمام أهل العراق، وهو أول من ميز الرواة في العراق. وكان شعبة بن الحجاج، وكان شعبة أشد الناس إنكاراً لذلك. ويروى عنه أنه قال: "لأن أزني أحب إلي من أن أدلس". عبارة مشهورة عن الإمام شعبة. قال ابن الصلاح: "وهذا محمول على المبالغة والزجل؛ لأن الأئمة قد يستعملون بعض الألفاظ وبعض العبارات لا، لا، لا يريدون ظاهرها، لا يريدون ظاهرها، وإنما يريدون التنفير عن فعلها". هذا قصده: أي كما تنفرون عن الزنا، فانفروا عن التدليس. وليس المعنى أنني إذا خيرت بين هذا وهذا فعلت الزنا، عياذاً بالله. هذا ليس مقصود، أرفع من ذلك. قال: "ويروى عنه أنه قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس". في رواية: "لأن أربي"، أي: أدخل في الربا. ولعلها تصحيف. وقال الشافعي: "التدليس أخ الكذب". قلنا أمس: إن العرب تقول في ذلك الحديث: "أي المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". ما معنى هذا المثال؟ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. ما معنى هذا المثال في هذا الحديث؟ كانت عادة العرب أن الأثرياء يلبسون ثوبين: ثوب من الداخل وثوب من الخارج. وكان عندهم في ذاك الزمن نمكن نقول: موضع، يعني: خرج، يكون الكم واحد أقصر، ومن أجل الثاني يكون أظهر، فيكون له كمّان، يمشي هكذا. وإذا كم أطول وكم أقصر، يقولون: ما شاء الله، لا بش ثوبين، هذا إنسان مرتاح، ما شاء الله، فتح الله عليه. جاء بعض الناس، وإيش سوى؟ طيب، إيش سوى بعض الناس؟ أكمل، كان يأتي نفس الكم، يخيط كم من داخل بفن حرير، صلى، خياط كذا من داخل، فيأتي ويمشي هكذا. يعني: ما شاء الله. المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور. هذا نفس الشي، بهذا المعنى. يقول: "وقال فلان". طيب، عندما قلت: "قال فلان"، أو "عن فلان"، أنت من طلابه، لكن هل سمعت منهم؟ لم يقل. يقول: لا، لم أسمعه. هو استحى أن يقول: حدثني الطالب فلان عن الطالب فلان. مثل: أصابه نوع حياء. فيقولون: أنت هو شيخك وتروي بنزول؟ فيقول: قال فلان. هذا ربما من أكثر الأسباب التي يقع فيها أهل العلم في هذا الباب. يعني: يستحي أحياناً، يستحي، وربما كان هذا الذي يروي عنه أقل منزلة منه، يستحي أكثر: كيف يروي عن هذا؟ يعني: هو أقل مني منزلة، يصعب عليه، يصعب عليه. وغيرها من الأسباب. فلهذا يحذفه من الإسناد، سقطه نهائياً، يبعده من الإسناد، ويقفز إلى الشيخ، يقول: ما أحد سيسأل، يقول: سمعت، ما سمعوا. لكنهم أهل ديانة وثقة. إذا بوحث، يقول: لا، حدثني فلان. إذا بوحث، مثل ما جرى مع بعض الأئمة: أسمعته من الزهري؟ قال: لا، حدثني به عبد الرزاق عن معمر. حدثني به عبد الرزاق عن معمر. مع أن ابن عيينة عالي الطبقة، ابن عيينة عالي الطبقة جداً. ابن عيينة يروي عن عمر بن دينار عن عبد الله بن عباس، فهو عالي الطبقة جداً. ومع هذا لم يروي هذا الموضع عن الزهري، لم يسمعه من الزهري، ما سمعه من الزهري، وقد روى عنه. طيب. ولهذا يقول الشافعي: "التدليس أخ الكذب". ليس بكذب، لكن أخوه؛ لأنه يوهم الناس أنه سمع ولم يسمع. ولهذا ذم أهل العلم التدليس، لا سيما التدليس عن الضعاف. هذا فيه نوع غش. لو كان ثقة كان مكروهاً، فكيف إذا كان ضعيفاً؟ قال رحمه الله: "ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس، ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقاً". هذا فيه نظر، هذا ليس بصحيح، وليس عليه العمل. روايتهم مقبولة، وإن أتى بلفظ الاتصال، أي: قال: حدثني، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة. بل هذا ليس عمل جهابذة المحدثين. فعندهم طبقات التدليس خمس: أولاها من لم يدلس إلا نادراً، ومثل هذا يحتمل تدليسه. فالطبقة الأولى والثانية يحتمل تدليسهما، والطبقة الثالثة يرد تدليسها، والرابعة كذلك، والخامسة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، كما قد نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى. هذا القول فيه شدة، ولعله يحمل على من يدلسون عن الضعاف والكذابين ويغشون الأمة. مع أن الصواب أن فعلهم حرام، كما سيأتي، وروايتهم محفوظة، روايتهم محفوظة. قال رحمه الله تعالى: "قال ابن الصلاح: والصحيح التفصيل: بينما صرح فيه بالسماع فيقبل، وبينما أتى فيه بلفظ محتمل فيرى". يعني: أن الراوي إذا عُرف بالتدليس، فإنه إذا أتى بأي صيغة محتملة بينه وبين شيخه، توقفنا في الحديث. قلنا: نتوقف في الحديث حتى يصح لنا تصريحه بالسماع، فنأخذ الرواية. هذا الحكم: كل راوي عُرف بالتدليس، نتوقف في "عنعنك". مثل: محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله، فإنه عُرف بالتدليس. فإذا جاء حديث يقول: محمد بن يسار عن حميد، نقبله أو نتوقف فيه؟ نتوقف فيه. فإذا قال: حدثني حميد، أو حدثني فلان، أخذناه مباشرة؛ لأنه ثقة، لأنه ثقة. إذن المدلس يتوقف في صيغه المحتملة، ولا يتوقف في صيغه المصرحة الصريحة. فرق بين البابين: باب الصيغ الصريحة، وباب الصيغ المحتملة. قلنا في أول كلام: أردت أن أذكر هذا الحديث الذي يروى بصيغة موهمة على درجات، على درجات. فإما أن يقال للراوي: هل سمعته من الشيخ؟ فيكون لم يسمعه، فيقول: بلى، سمعته. فهذا يعتبر كذاباً، وهذا ساقط العدالة، ساقط الرواية؛ لأنه كذاب. إذا قال: بلى سمعته، أو: حدثني وسمعته، هذا إيش؟ هذا انتهينا منه. هذا رجل كذاب، هذا رجل ساقط العدالة، ساقط الرواية. طيب، صنف الثاني: أن يقول: لا، لم أسمعه. فيقال: من حدثك؟ فيقول: حدثني فلان أو فلان. هذا مقبول، مقبول العدالة، حفظه مقبول. إن كان حافظاً، يتوقف في شيء واحد: ما يرويه عن شيوخه بصيغة محتملة. فإذا قال: قال فلان، توقفنا. قلنا: هل حدثك؟ طيب، إذا قال: قال لي فلان، هل نتوقف عندك يا أبا الزعو؟ إذا قال: قال لي، نتوقف. ليش ما نتوقف؟ نعم، لأنه صرح: "قال لي" بمنزلة سمعته، بمنزلة حدثني، بمنزلة أخبرني. إذن هذا ليس فيه خلاف، نأخذه. موضع الإشكال، موضع واحد، وهو أن يقول: هذا الثقة عن فلان، قال فلان، ذكر فلان، روى فلان. هذا الموضع يعمل عليه استفهام. يقال: الحديث ضعيف؛ لأن فيه عنعنة فلان بن فلان، ولم يصرح بالسماع، ولا نقبله حتى يصرح بالسماع. وهذا خلاصة حكم التدليس. يقول ابن الصلاح: "والصحيح التفصيل: بينما صرح فيه بالسماع فيقبل، وبينما أتى فيه بلفظ محتمل". محتمل: أي ورد. "قال: وفي الصحيحين من حديث جماعة من هذا الضرب، كالسفيانين والأعمش وقتادة وهشيم وغيرهم". قال ابن كثير: "قلت: وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، وهو يخشى أن يصرح بشيخه فيرد من أجله، الله أعلم". ابن كثير أشار إلى بعض الأعذار في التدليس. ما سبب تدليس الراوي عن شيخه؟ هناك أسباب ذكرها أهل العلم: منها أن يكون شيخه ضعيفاً، فيخاف أن يرد الحديث، فيدلسه ويبهمه ويسقطه. هذا سبب، هذا سبب: أن يكون الشيخ ضعيفاً. ومنها أن يكون الشيخ صغيراً، أن يكون شيخه صغيراً وهو كبر سنه، فيقال له: شيخك في هذا فلان، فيستحي، فيسقطه. وهذا مكروه، وهو مما لا ينبغي فعله من العلماء. أهل الإخلاص لا يضره هذا، بل يدل على أمانته. يصف هذا سبب آخر. ومنها وجود المحن، وجود المحن: ككون شيخه قد حصل بينه وبين قوم نزاع، فإذا قال: حدثني فلان، يقولون: آه، هو ينتصر لفلان علينا، وهو مع فلان في مقالته الفلانية، فتقوم القيامة. فيقول: الأفضل لي أن لا أسميه، فيسقطه من الإسناد. هذا أخفها، هذا أخفها وأولاها بالعذر: أن يخشى الفتنة بذكر اسم الشيخ، لكون الشيخ مثلاً بينه وبين بعض الناس من أهل التعصب نقاش وخلاف، فإذا سماه ربما يسبونه. هذا أخف، ولا أقول إنه يعني يسقط عنه اللوم، لا، بل هذا أخف. الحاصل: التدليس له أسباب. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "قلت: وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده". أي: لما ثبت عنده بالواسطة. لكن ما يثبت عنده قد لا يثبت عند غيره. فقد يكون الثقة الذي في نظره ضعيفاً عند غيره. كيف إذا كان ضعيفاً عند الجميع؟ الأمر أسوأ وأشد. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "قلت: وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، وهو يخشى أن يصرح، أن يصرح بشيخه فيرد من أجله، والله أعلم". هذا غاية ما في التدليس: أن يخشى أن يصرح، لكونه مثلاً فيه شيء أو نحو ذلك. انتهينا من القسم الأول. القسم الأول: ذكر بعضهم فيه أنواعاً أخرى، ذكرها أهل العلم في الكتب المطولة. وهمنا الآن أن نعرف التدليس، فما هو الحديث؟ فما هو التدليس؟ ما تعريفه؟ التدليس: مأخوذ من الدلسة، وهي اختلاط النور بالظلام أول الليل. هذا من حيث اللغة: يعني فيه نوع التباس، فيه إيهام. فما هو التعريف؟ يا أخ سلمان: تعريف الاصطلاح أيضاً: أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه موهماً سماعه منه بصيغة تحتمل السماع، مثل: "مثل"، "قال"، "عن"، "ذكر"، "روى"، ونحوه. فهذا هو مبحث التدليس، وهذا هو القسم الأول منه. والتدليس مذموم، ليس محموداً، إلا لعذر عسى أن يُعذر به صاحبه، كالإكراه وخوف الفتن. قد يكره بعض الناس لذلك، قد يكره هذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.